مقتطف إبراهيم قيس جركس - شرح كتاب فريدريك نيتشه [هكذا تكلّم زرادشت] -8-

ديباجة زرادشت [8]

وبعد أن خاطب زراشت قلبه بهذا الكلام، حَمَلَ الجثّة فوق ظهره وانطلق. ولم يَسِر مائة خطوة حتى تسلّل إلى جانبه شخص وهمس في أذُنِهِ _وإذ ذلك المتحدّث إليه ليس أحداً آخر سوى مهرّج القلعة!_ ((ارحَل عن هذه المدينة يازرادشت)) قال له ((كثيرون هم الحاقدون عليك هنا. يحقد عليك أهل الصلاح والعدل، ويدعونكَ عدوّهم والمُستَهزئ بهم، ويحقد عليك المؤمنون بالعقيدة الحق، ويدعونك الخطر على الجمهور. ومن حُسنِ حظّك أنّك جعلتَ الناس يضحكون عليك، وقد كنتَ بحقّ تتكلّم مثل مهرّج. ومن حسن حظّك أيضاً أن قَرَنتَ نفسك بذلك الكلب الميّت، ولأنّك وضعتَ من نفسك هكذا فُزتَ بسلامتك لهذا اليوم. لكنْ لِتَرحَلَ الآن عن هذه المدينة _وإلا فإنّني سأقفز فوقك غداً، حَيٌّ يقفز فوق ميّت)).
ولمّا فَرِغَ الرجل من هذا الكلام اختفى ثانيةً، لكنّ زرادشت واصل سيره عبر الأزقّة المعتمة.
عبر بوّابة المدينة اعترضه حفّارو القبور: رفعوا مشعلهم في وجهه وتعرّفوا على زرادشت فراحوا يستهزؤون به. ((هو ذا زرادشت يأخذ الكلب الميّت، لطيفٌ أن غَدا زرادشت حفّار قبور! إذ أيدينا أنقى من أن تمسّ مثل هذا الغذاء. أيريد زرادشت أن يسرق من الشيطان لُقمّتّهً؟ حظاً سعيداً إداً! ووقتاً ممتعاً مع هذه الوجبة! إن لم يكُن الشيطان سارقاً أكثر شطارةً من زرادشت، يسرقهما معاً، ويفترسهما معاً)). ثم راحوا يضحكون في ما بينهم متلاصقين برؤوسهم ساخرين.
لم يُعَلّق زرادشت بكلمة وواصل طريقه. وبعد ساعتين من السير عبر الغابات والمستنقعات كان قد استمع كثراً لعواء الذئاب الجائعة حتّى تَمَلّكَه الجوع هو أيضاً. وهكذا توقّف أمام بيتٍ منعزل كان ينبعث منه ضوء.
((الجوع ينقضّ عليّ مثل لصّ، قال زرادشت. بين الغابات والمستنقعات، وفي عمق الليل يداهمني جوعي.
غريبُ الأطوار هو جوعي. غالباً ما يأتيني مباشرةً بعد الأكل، واليوم لم يأتيني طوال النهار، تُرى أين تأخّر إذاً طوال كل هذا الوقت؟))
محدّثاً نفسه بهذا الكلام طَرَقَ زرادشت باب البيت. وإذا شيخٌ بيده مصباحٌ يطلُّ ويسأل: مَنْ القادم عَلَيّ وعلى نومي القَلِقِ؟))
((حَيٌّ ومَيّت)) أجاب زرادشت، ناوِلني أكلاً وشُرباً فقد نسيتُ ذلك طوال اليوم. إنّ مَنْ يُطعِم جائعاً يُنعِشُ بذلك روحه الخاصة، هكذا تقول الحكمة))
واختفى العجوز ليعود بعد بُرهة وجيزة ويُقَدّمَ خُبزاً ونبيذاً لزرادشت: ((مكانٌ قاسٍ على الجائع هو هذا المكان، قال العجوز. لذلك أنا أسكن هنا، البشر والبهائم تأتي إليّ أنا الناسك المتوحّد. لكن ألا تَعرض على مرافقكَ أيضاً شيئاً من الأكل والشراب، إنّه يبدو أكثر تَعَبَاً منك)). ((ميتٌ هو مُرافقي)) أجاب زرادشت، ولن يكون من السهل أن أُقنِعَهُ بالأكل)). _((هذا ليس شأني)) أجاب العجوز مغمغماً بتجهّم، مَن يطرق باب بيتي عليه أيضاً أن يتسلّم ما أقدّم إليه. كُلا إذاً ولتصحبكما السلامة!))
بعدها سار زرادشت لساعتين متقفّياً الطريق على ضوء النجوم، إذ كان متعوّداً على السير ليلاً، وكان يحبّ النظر في وجه كلّ نائم. لكن عندما طَلَعَ الفجر وجد زرادشت نفسه في عمق غابة وما من طريق هناك تلوح أمام عينيه. عندها وَضَعَ الجثّة داخل جذعٍ مُجَوّف غير بعيدٍ من رأسه _إذ كان حريضاً على وقايته من الذئاب_ واستلقى على الأرض فوق الطحالب. وللحين استسلم إلى النوم مُتعَبَ الجسد، لكن بقلبٍ تغمره السكينة.
#############################
تنويه حول عبارة "حدّث قلبه" إذ سترد هذه العبارة كثيراً في الكتاب، وقد فضّل المترجم علي مصباح الإبقاء عليها بدلاً من عبارة "حدّث نفسه" أو "قال لنفسه" حرصاً على الحفاظ على ما فيها من إحالة إلى لغة الأناجيل. التكوين، الإصحاح الثامن/21 ((وقال الرب في قلبه لا أعود ألعنُ الأرض أيضاً من أجل الإنسان...)) كما ترد أيضاً لدى هوميروس في الإلياذة وفي الأوديسة.
عند خروجه من المدينة وهو يحمل على ظهره جثّة البهلواني ليدفنها، التقى زرادشت بالمهرّج شخصياً. أخبر المهرّج زرادشت بأنّه كان محظوظاً لأنّه يُنظَر إليه كأحمق, لأنّه "أهان" نفسه برعاية جثّة البهلواني الميّت وحمله لدفنه، لأنّ سكّان البلدة لولا ذلك كانوا سيعتبرونه خطراً عليهم. مرّةً أخرى، تصبح صورة المهرّج أكثر تعقيداً، فكونك أحمق هو الآن تمويه أو شكل من أـشكال الدفاع عن النفس.
يحذّره المهرّج من الخطر المُحدِق به وينصحه بمغادرة المدينة، أو مواجهة نفس مصير البهلواني، المهرّج هنا يمثّل الغضب التفاعلي لسكان المدينة، إنّه تجسيد لإرادتهم في لبحفاظ على الذات. أمّا حفّارو القبور _الذين يمثّلون أولئك الذين يتعاملون مع الموتى مجازياً، كالمؤرّخين وعلماء الآثار والحفريات وفلاسفة المفاهيم الميّتة_ يرون زرادشت قادماً ويسخرون منه أيضاً.
البهلواني إنسانٌ نَجِسٌ بالنسبة إليهم _فهو دخيل فاشل في النهاية، كما أنّه أستثناء أكثر من كونه قاعدة_ ويحسبون أنّ زرادشت لن ينجح في سرقة وجبة الشيطان. كما أنّ جمعُ حفّاري القبور رؤوسهم معاً عندما كانوا يسخرون من زرادشت، وهي صورة تذكّرنا بالبشر الأخيرين وهم يتجمّعون من أجل الدفء، إشارة إلى أنّهم يعملون على مشروع فكري جماعي.
تعود صورة اللص في هذا القسم. زرادشت مُتّهَم بسرقة وجبة الشيطان، وجوعه "ينقضّ عليه مثل اللص". إنّ فكرة أن يفكّر زرادشت بالطعام أثناء حمله جُثّة رجلٍ ميّتٍ (والاستماع إلى عواء الذئاب) يوضّح مدى ضآلة توقعنا لصدور استجابات "طبيعية" منه. ومع ذلك، يشير أيضاً إلى المدى الذي سمح به زرادشت لنفسه بالابتعاد عن جسده (أحشاءه). إنّه مُذنِبٌ بتجويع جسده كما وصفه في القسم الثالث. هذا الجوع إذن ما هو إلا إرهاصات لبصائر جديدة لديه، والتي ستبلغ ذروتها في القسم التالي. يلي ذلك مشهد قصير وغريب حيث يطلب زرادشت الطعام من ناسكٍ متوحّد. فالناسك يسكُنُ هنا لأنّه مكانٌ قاسٍ على الجياع، ويجيبه زرادشت بأنّ من يُطعِمُ جائعاً يُنعِشُ بذلك روحه الخاصة. وبغضّ النظر عن كون رفيق زرادشت ميّتاً: فيجب عليه أن يقبل ويأخذ ما هو معروضٌ عليه.
هذه محاكاة ساخرة لإنشاء قانون جديدة أو قيمة أو قاعدة جديدة، ثمّ اتّباعها بتصلّب وتعنّت. إنّها أيضاً صورة _لرجلٍ سيئ المزاج_ يَمنَح ما عنده دون أن يغرق بالشفقة. هذا الناسك المتوحّد، مثل البهلواني راقص الحبل، صورة مصغّرة لما سيطلق عليه زرادشت فيما بعد تسمية "البشر المتفوّقين" في الجزء الأخير من كتابه: أولئك الذين يقبلون يتبنّون على الأقل _بعض تعاليم زرادشت أو نسخة محرّفة بعض الشيء منها_ ويستعدّون لقدوم الإنسان الأعلى_ ومع ذلك تشوبهم بعض القيود البشرية التي تقيّدهم. نلاحظ أنّه بالرغم من أنّ الظلام يلفّ المكان، إلا أنّ زرادشت يعرف الطريق جيداً، ولكن عند طلوع الفجر، وجد نفسه في عمق غابة وما من طريق هناك تلوح أمام عينيه. وهذه هي العلامة الثانية على أنّه وصل إلى بصيرة جديدة، وأدرك شيئاً ما جديداً
إبراهيم قيس جركس 2020

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى