د شفيق صالح - عائشة وخديجة.. قصة

لم أعرف أبدا أيهما عائشة وأيهما خديجة .. كانتا جسدين وأسمين لإنسان واحد يحمل نفس الهموم والآمال بل والملامح أيضا .
إذا اتصلت إحداهما بى هاتفيا كانت تقول : صباح الخير يا دكتور أنا عائشة وخديجة , وإذا استقبلتهما فى مكتبى كنت أرحب بهما قائلا : أهلا عائشة , أهلا خديجة , دون حرج منى فى عدم التمييز بينهما .
وكانت تردان التحية ببشر و ود ظاهرين دون أى محاولة منهما لتصحيح خطأى إن كنت قد أخطأت .
كنت أتوجه بالكلام إلى كتلة واحدة متشحة بالعباءة السوداء والتى تشى تحتها عن جلابيب ملونة بألوان زاهية .
كانتا تتكلمان بصوت واحد لا تختلف نبراته ولا خلجاته من عائشة إلى خديجة .. هما متزوجتان من نفس الرجل .. تعيشان فى نفس البيت .. تخطيتا الخمسين من عمرهما , لا حظ لهما من جمال اللهم إلا خفة الدم وعذوبة الحديث .
فهمت منهما أنهما ورثتا قدرا لا بأس به من المال , وهذا أيضا تشابه عجيب آخر بينهما . تزوج الرجل منهما فى نفس الوقت تقريبا بعد فترة عنوسة طويلة .
كان طامعا فى إرثهما حسب روايتيهما , وكانتا راغبتين فى الستر وطامعتين فى طفل يعطى لحياتهما معنى أكبر .

لم يكن مهما أيهما ستكون الأم , المهم أن يأتى الطفل ستكون أمه هى عائشة خديجة .
ستقوم إحداهما بإرضاعه , والأخرى بهندامه , ثم تلاعبانه معا , تقبلانه معا , وتغنيان له سويا .
طلبت منهما مرة أن تسمعانى إحدى تهنينات الأطفال من المنطقة التى تنحدران منها من صحراء العرب فأسمعتانى نغما صافيا طربت له وإن لم أتبين معظم كلماته .
كانت فى أعينهما لمعة وهما تغنيان للطفل وكأنه موجود فعلا أمامهما , وكنت أستمع إليهما وأنا أعلم أن حلمهما هذا مستحيل , فالعمر متقدم والطمث يوشك أن ينقطع ويجف ماء البئر .
لكن هناك نوع من الأحلام لا تملك إلا أن تحترمه , بل وتتعجب به , ولا يحق لنا إغتياله أو الحكم عليه بالإعدام , فلم أشأ أن أصدمهما فى الزيارات الأولى , ورحت أفكر فى وسيلة أطرح بها عليهما فكرة التبنى كبديل عن الحمل والولادة .
جاءت نتيجة الزوج مفاجأة كبرى لى , فهو عقيم لا يستطيع الإنجاب .. لا أعرف لماذا ارتحت إلى هذه النتيجة فلدى الآن ما أقوله لعائشة _ خديجة عن استحالة الحمل من الجانبين .
أحببت أن أمازحهما قليلا قبل أن أفضى إليهما بما عندى . قلت لهما لا بد أن زوجكما رجل كريم ويعدل بينكما فى الإنفاق .
أصدرتا تنهيدتين طويلتين ثم قالت عائشة وخديجة :
  • هذا الرجل الرجل من أبخل ما يكون يا دكتور .. أنت تعرف أننا نسكن بعيدا عن هنا وتستغرق الرحلة ساعات طويلة , وما أن نستقر فى السيارة حتى يلتفت إلينا قائلا .. كل واحدة تدفع ما عليها من مصاريف الرحلة .
دهشت وقلت : وهل تدفعون له ؟!
  • طبعا , لا بد أن ندفع وإلا لن يحضرنا إليك .
قلت : وهل يعدل بينكما فى السرير ؟
  • جدا لدرجة أنه لا يفعل شيئا على الإطلاق .
ضحكنا كثيرا ثم مصمصت عائشة \ خديجة شفتيهما وقالت :
  • هل تعلم يا دكتور أنه تزوج الأسبوع الماضى .
قلت : ماذا ؟! تزوج مرة أخرى .
قال عائشة \ خديجة : نعم بنت صغيرة .
ثم أكملتا : ولكنها قبيحة الشكل . صحيح أنها بيضاء وشعرها طويل لكن أنفها كبير وبه حساسية , لا أعرف كيف يتزوج الرجل من امرأة لديها حساسية فى الأنف .
ضحكت وضحكتا معى وطلبت لهما كوبين من العصير .
كانتا قد أحضرتا لى هدية عبارة عن تمر مجفف تشتهر به منطقتهما .. أكلنا منه بضع حبات مع رشفات العصير .
لم أتعرف على الزوج كثيرا , حيث أن مهمته كانت تنتهى عند إحضارهما ثم يختفى حتى موعد انتهاء الزيارة , وفى المرات القليلة التى رأيته فيها كان يبدى مقاومة خفيفة لعمل تحليل الحيوانات المنوية لكنه رضخ فى النهاية أمام إصرار وضغط الجميع . والغريب أنه لم يندهش عندما أخبرته بالنتيجة عبر الهاتف , ربما كان يعرف مسبقا , لست أدرى , ولكن المؤكد أنها لم تكن مفاجأة بالنسبه له ولم يكن مهتما بمعرفة ما يحدث لزوجتيه .

بعد التمر والعصير بأت أتحدث عن الحيوانات المنوية ودورها فى الإنجاب . وكيف أن بعض الرجال ليست لديهم القدرة على انتاج هذه الحيوانات وبالتالى تقل وأحيانا تنعدم فرصهم فى الإنجاب , وقلت أننى لم أفحص الزوج بشكل كامل نظرا لعدم تواجده ولكن نتائج التحاليل تشير إلى قصور كامل عنده .
كنت أحاول تسريب الخبر إليهما شيئا فشيئا مباعدا بين الكلمات حتى أستطيع قراءة انطباعهما .وفى هذه الأثناء دخل على أحد المساعدين لإمضاء بعض الأوراق ثم خرج .
تابعت الكلام وتابعت التمعن فى قراءة ردود أفعالهما .
قالت عائشة \ خديجة : لا يهم إن كان قادرا أو غير قادر على الإنجاب , ربنا على كل شئ قدير .
  • لكن زوجك لا يمكن أن ينجب
  • ما علينا منه يا دكتور ؟
  • ما علينا منه ؟! كيف يعنى ؟!
  • يعنى هو ليس مهما يا دكتور
  • ومن أين نأتى بالحيوانات المنوية ؟!
تطلعت عائشة \ خديجة من الإتجاه الذى خرج منه مساعدى قبل قليل وقالت :
  • من هذا الشاب الذى دخل علينا قبل قليل ؟ .
  • هذا مساعدى , لماذا تسألين ؟
  • ممكن نأخد منه
  • نأخذ منه ماذا ؟!
حاولت مغالبة الدهشة والضحك

قلت لهما أن هذا ممنوع قانونا , إذ لا يجوز وهب الحيوانات المنوية ولا البويضات ولا الأجنة بأى حال من الأحوال .
ردت خديجة \ عائشة بحدة قائلة : ولكننا نحن الأمهات ونحن من نرغب فى الحمل ولو اقتضى االأمر أن نتطلق من هذا الرجل ونتزوج معا رجل آخر .
إلتقت خيط الحديث من آخر كلامها وقلت أن المشكلة ليست فى الرجل فقط , ولكن التبويض عتدكا ليس على المستوى المطلوب بل أنه يكاد ألا يكون هناك تبويض أصلا .
  • والعمل ؟ .. قالتا فى صوت واحد
  • العمل …. لا أعرف , ولكن الحمل مستحيل من الناحيتين .
  • يعنى حتى زوجته الجديدة أم أنف أحمر لا تستطيع الإنجاب ؟
  • نعم , طالما بقيت مع هذا الرجل .
هدأتا قليلا وتبادلتا النظرات ثم قالتا وهما تستعدان للرحيل :
  • عموما سنعود إليك بعد أيام .. لابد من إيجاد طريقة .
ودعتهما حتى الباب متمنيا لهما حظا أفضل , وأنا أفكر فى أمرهما ثم أنصرفت إلى ما بقى لى من عمل .
لكن عائشة \ خديجة لم تأتيا لزيارتى مرة أخرى , لا بعد أيام ولا بعد أسابيع ولا بعد شهور . ولم أعد أسمع عنهما أى خبر .
اعتقدت أنهما غاضبتان قليلا ولن تلبثا أن تعودا , فقد كنت متأكدا من مثابرتهما وإصرارهما .ولكن الحق أننى ارتحت لهذا الانقطاع , إذ لم يعد بوسعى مساعدتهما بشئ والحديث عن المحكوم عليه شديد الوطأة .

بعد حوالى سنة تملكنى الفضول وربما القلق عليهما وظننت أن من واجبى الا طمئنان عليهما بشكل أو بآخر .. استخرجت رقم الهاتف من الملف .
  • آلو .. ممكن أتكلم مع عائشة وخديجة .
  • أنا عائشة وخديجة /ن معى ؟
  • أنا الدكتور
  • أهلا يا دكتور
كان الصوت فاترا وحزينا .. مرت فترة من الصمت ثم قلت :
  • يعنى … الحمد لله , الذى لا يحمد على مكروه سواه
  • ماذا حدث ؟
  • منذ شهر أصابنا نزيف وكان لابد من استئصال الرحم .
  • انتما الأثنان ؟!
  • نعم
  • – …………………
  • …………………
  • وكيف حال زوجك ؟
  • يأتى إلينا كلما احتاج إلى المال ثم يغيب شهورا
  • وكيف حال زوجته الجديدة ؟
  • الرابعة ؟
  • وهل تزوج من رابعة ؟!
  • نعم منذ شهرين
قلت مازحا لتلطيف الأجواء :
  • أرجو ألا تكون لديها حساسية فى أنفها هى الأخرى .
  • لا ولكنها حولاء وتعرج فى مشيتها .
ابتسمت لكلامها وأحسست أنها ابتسمت قليلا على الطرف الآخر من المكالمة .. صمت قليلا , لم أعرف كيف أنهى المكالمة .فكلما اخترت جملة تقليدية مثل أراكم قريبا أو حظا سعيدا أجدها جملا غير موفقة وفى غير محلها .
شعرت هى بحرجى فقالت :
  • خلينا نسمع صوتك يا دكتور .
قلت : إن شاء الله …… مع السلامة .
أحسست بشئ من الكآبة .. كنت كلما تذكراهما ابتسمت واعجبت بهذين الجسدين اللذين جمعهما إنسان اسمه عائشة \ خديجة .
الآن بعد مضى تلك السنين مازات اتذكرهما بشئ من الإبتسام وشئ من الحزن وكثير من التأمل .
ترى أين هما الآن ؟ .. أراهما وحيدتين ولكن متماسكتين .. تغسل عائشة ملابس خديجة , وترتب خديجة سرير عائشة .. فى المساء تجلسان فى صمت .. ذلك الصمت الذى يشدهما كل واحدة إلى الأخرى .. تجتران نفس الذكريات , تبتسمان فى نفس اللحظة , تدمع أعينهما فى ذات الوقت , وعندما تنفرج شفاههما لتقول شيئا أسمع منهما تهنينة ناعمة شجية لذلك الطفل السكن فيهما أبدا.



* قصة د. شفيق صالح
من مجموعة بنات من مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى