أ. د. عادل الأسطة - علي الخليلي... -ملف- (1--7)

1- علي الخليلي وسيرته «بيت النار»

خمس سنوات مرت على رحيل الشاعر علي الخليلي، ولم يحتفل بالذكرى احتفالاً لافتاً يليق بالجهد الذي بذله الشاعر في خدمة الحركة الأدبية الفلسطينية في فلسطين. وربما ما يخفف من الحزن هو أن شعراء وأدباء آخرين مهمين كانت لهم إسهاماتهم الكبيرة الفاعلة والمهمة مرت ذكرى رحيلهم دون أن يلتفت إليهم أيضاً؛ سميح القاسم وسلمان ناطور واميل حبيبي وتوفيق زياد وراشد حسين وعبد اللطيف عقل وناجي العلي ومحمد القيسي ود.إحسان عباس و..و..و...
في هذا العام أقيم احتفال، بسيط وخجول ومتواضع، أحيته وزارة الثقافة الفلسطينية في نابلس، في مكتبة البلدية، يوم الثلاثاء في 2 تشرين الأول، شاركت فيه، فتحدثت عن الشاعر والأجناس الأدبية التي كتب فيها، وتساءلت إن كان لتنوع نشاطات الشاعر أثر في عدم دراسة شعره أو الأجناس الأخرى التي كتب فيها.
شخصياً آثرت أن أعود إلى سيرته الذاتية "بيت النار: المكان الأول، القصيدة الأولى "(1998) علني أجد فيها أشياء لم ألتفت إليها، من قبل، تساعدني في فهم الشاعر الذي صادقته من 1977 حتى 2013.
وأنا أقرأ سيرته تساءلت: هل حظيت منذ صدورها باستقبال نقدي لافت؟
ولأنني متابع للحركة الأدبية فإن الإجابة لي معروفة، إذ لو حظيت بمراجعات نقدية لكنت قرأتها بالتأكيد على صفحات الجرائد والمجلات وفي المقالات والدراسات النقدية لنتاج الشاعر، على قلتها.
كل ما أنجز عن الشاعر ورواياته وأشعاره وكتبه ليس لافتاً، وليس مميزاً. ولئن كانت رواياته روايات عادية لأنه لا يعتبر نفسه روائياً، فماذا عن أشعاره ودراساته في التراث، وهو ينظر إلى نفسه شاعراً وباحثاً في التراث ومهماً في المجالين، مع أنه يأتي في سيرته على بدء كتابة رواية قبل 1967؟
وأجزم أن سيرته مهمة جداً لدراسته شاعراً وباحثاً، فهي تضيء هذين الجنسين وتوضح لنا لماذا درس الأدب الشعبي والتفت إليه وقاربه مقاربة ماركسية، ولماذا اهتم بالمثل الشعبي وأغاني الأطفال والغول في الأدب الشعبي والبطل في الحكاية الشعبية، ولماذا أصدر ديوانه الشعري الأول بعد عودته إلى نابلس في 1977 تحت عنوان "الضحك من رجوم الدمامة" وكتب عن الدم الطازج في أزقة البلدة القديمة.
تقول السيرة الكثير عن المكان الأول الذي عاش فيه الشاعر وتأتي على حياة الأسرة الفقيرة المعدمة والأب المكافح من أجل لقمة العيش وتأمين مسكن جيد يكون بديلا لبيت الحارة في أحواش نابلس القديمة، حيث الخرافات والمعتقدات الشعبية والفقر المدقع. وقد كان لهذا كله؛ الأمثال الشعبية والخرافات وأغاني الأب المعبرة عن قسوة الحياة وبؤسها، كان لهذا كله تأثير على الطفل حيث اختزنت ذاكرته الكثير الكثير، وقادته بالتالي إلى الاهتمام بكل ما سمع وشاهد وعاش. وإلى جانب حكايات الأب وأمثال الحارة وخرافاتها كان لزاوية الصوفيين القريبة من فرن الأب "بيت النار" تأثير كبير على ميل الشاعر للشعر الغنائي، فقد كان يشاهد حلقات الصوفيين ويصغي إلى أناشيدهم، ما دفعه لقراءة أشعار ابن الفارض وابن عربي التي وفرتها له مكتبة المغربي القريبة من الفرن والزاوية، وهي مكتبة ما عاد لها وجود، وأعرفها شخصيا لأن صاحبها هو زوج خالتي "أبو سعيد المغربي".
والصحيح أن ما أذهلني وأنا أعيد قراءة السيرة هو البعد المكاني فيها. يحضر المكان فيها حضوراً لافتاً، ما يذكر المرء بأعمال قليلة مميزة التفت فيها إلى المكان التفاتاً واضحاً، منها "رأيت رام الله "و"منازل القلب "و"ظل آخر للمدينة "و"شارع فرعي في رام الله "و"كافر سبت "و"حرام نسبي" ومن قبل"اخطية "ومن بعد "بلد المنحوس" و"بردقانة" إلى حد جيد. والتفات كتاب النصوص السابقة المميز إلى المكان سببه واضح: لقد نشؤوا فيه وأقاموا عقوداً ولم يقرؤوا عنه في الكتب أو لم يزوروه زيارة عابرة..
عاش علي الخليلي طفولته في البلدة القديمة من نابلس، وحين استقر مع أسرته في بيته الجديد ظل ملتصقاً بالمكان الأول، ففرن الأب ظل في البلدة القديمة، وكان على الابن أن يظل مع الأب ولم تشفع له المدرسة في الابتعاد عن الفرن والبلدة القديمة وأزقتها وشوارعها، بل ومقاهيها وزاويتها ولغتها وأمثالها وحكاياتها."بلا مدارس بلا حكي فاضي" يقول الأب لابنه حين يقول الأخير لأبيه إن عليه واجبات مدرسية. وحين يختم القرآن ويريد أن يحتفل بالختمة مثل أقرانه يطنشه الأب ولا يلتفت إليه.
إن وصف المكان في السيرة لم يكن القصد منه إظهار القدرة على الوصف، ولم يكن الوصف من أجل الوصف، كما لدى كتاب الرواية الجديدة مثل (الن روب جرييه)، وإنما كان الوصف من أجل تبيان تاريخ المدينة وماضيها وإبراز انعكاس المكان على العلاقات الاجتماعية وأثر هذا كله على لغة الناس وأمثالها. هل أبالغ إن قلت إنني وأنا أقرأ السيرة عرفت منها أسماء مقاهٍ ومخابز أمر بها يومياً دون أن اسأل عن أسمائها؟
غير أن ما يلفت نظر الدارس هو قدرة علي على تذكر سنوات طفولته المبكرة جداً- أعني طفولته في الرابعة والخامسة من عمره. هنا يتذكر المرء سيرة جبرا ابراهيم جبرا "البئر الأولى" وهنا يثير المرء السؤال المهم: ما مقدار الصدق في الكتابة؟ وما مقدار تأثير الزمن الكتابي على الزمن السيري؟
وأعتقد جازماً أن للزمن الكتابي تأثيراً واضحاً بيناً.
هل أورد ما عقب به أخو الشاعر في احتفال إحياء الذكرى الخامسة على بعض ما قلت؟
في الصفحة 49 من "بيت النار" يأتي علي على أمه وجدته وجده لأمه وأبيه.
الجدة من كفل حارس وقد زوجت ابنتها من ابن المدينة وفضلت أن تزور ابنتها وأن تعمل على تمدينها وتنسيها الريف بناء على وصية زوجها جد علي، ولم تزر أم علي القرية لانشغالها بالحبَل والولادة المتواصلين، ولم يشجعها زوجها المشغول بفرنه. هكذا قيل لعلي وهكذا لم يزر قرية أمه وجدته.
حين قلت، في الندوة، ما سبق ابتسم أخو الشاعر وقال لي أما أنا فزرت القرية ولم تمنعني أمي، ولما أريته ما ورد في الصفحة 49 ابتسم وقال: هذا تمليح الكتابة.
ربما ما كتبه علي صحيح وربما هو لم يزر القرية وربما اختلف الأمر مع أخيه الأصغر سناً. ربما! غير أن ما لم يخفَ ولن يخفى على قارئ فطن هو تأثير الزمن الكتابي على الزمن السيري. إن ما يرد في السيرة عن زمن الطفولة يتشكل من وجهة نظري من الزمنين معاً؛ زمن الطفولة وزمن الكهولة/ زمن الكتابة، وليس الأمر مقتصراً على علي الخليلي وحده.
ومهما كان هناك من ملاحظات على سيرة "بيت النار"، فإنها تبقى نصاً أدبياً جميلاً أنجزه شاعر ظُلم مرتين؛ مرةً في حياته وثانيةً بعد رحيله.

***

2- علي الخليلي في تداعياته ومكابداته

لو لم يكتب علي الخليلي تحت عنوان كتابه الرئيس: "قصص على مدار قرن، تداعيات التراجيديا، مكابدات السرد" لو لم يكتب عنوانا فرعيا هو: مقالات ورؤى نقدية" لربما ظن المرء أن عليا يقص قصصا ألمت بنا منذ قرن، منذ بداية مأساتنا مع وعد بلفور. ثمة تراجيديا هي مأساة الشعب الفلسطيني، يسترجعها، إذا فهمنا من كلمة تداعيات استرجاعات، وثمة مكابدات في سردها، فأن تسرد يعني أن تكد الذاكرة وأن تعملها، ويعني أن تكابد في هذا وأن تجهد نفسك. ولو لم يكتب علي العنوان الفرعي لربما ذهب المرء أيضا مذهبا آخر يتمثل في أن كتابه مختارات قصصية لكتاب فلسطينيين كتبوا القصة في المأساة الفلسطينية منذ مائة عام- أي منذ أول مجموعة قصصية ألفها خليل بيدس، وهي "مسارح الأذهان" (1924).

يُقصي العنوان الفرعي الذي ذيّل علي به العنوان الرئيس الظن الذي يتبادر للوهلة الأولى ويبعده، فلا الكتاب سرد يقوم به علي، هو الذي لم يكتب القصة القصيرة، وأنجز روايتين هما "المفاتيح تدور في الأقفال" و"ضوء في النفق الطويل"، ولا هو مختارات قصصية ينجزها كما أنجز مختارات شعرية. وعلى الرغم مما سبق فإن عليا يقص ويسترجع ويكابد أيضا. يقص حين يعيد قصّ ما قصه غيره، ويسترجع نصوصا قصصية وروائية قد يكون النسيان طواها، ولا يتذكرها إلا المتخصصون، ويكابد حين يقرأ ويكتب وينشر ويصغي إلى آراء قد تتفق مع ما ذهب إليه وقد لا تتفق.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يكتب فيها علي الشاعر المقالات النقدية. لقد أنجز، في بداية حياته الأدبية، دراسات نشرها في كتب تناول فيها التراث الشعبي من أمثال وحكايات، وعرف من خلالها دارسا للتراث وباحثا فيه، وستؤثر هذه الكتابات والدراسات عليه روائيا وناقدا. فمن قرأ روايته الأولى "المفاتيح تدور في الأقفال" (1981) لاحظ حضور المثل الشعبي فيها حضورا لافتا طاغيا ما كان ليكون على تلك الشاكلة لو لم ينجز علي كتابه "التراث الفلسطيني والطبقات". ومن تابع بعض كتبه النقدية لاحظ أنه حين درس الرواية درس التراث فيها، ومن هنا اختار لأحد دراساته عنوانا هو "الورثة الرواة".
وقفة أمام المقدمة:

يكتب علي لكتابه مقدمة عنوانها "متعة إعادة السرد". والعنوان يعيدنا ثانية إلى ما ذهبنا إليه آنفا: إنه لا يسرد شخصيا بل يعيد سرد قصص كتبها غيره على مدار مائة عام- من خليل بيدس حتى مشهور البطران. ويرى في ذلك متعة. وكلمة متعة مهمة ودالة، ذلك أنها تقول لنا إن مقالاته ليست مقالات نقدية متخصصة تخلو من عنصر المتعة، وليست مقالات أكاديمية تمتاز بالصرامة والجدية. السرد متعة، وإعادة السرد أيضا متعة. وربما تذكرنا ما كتبه خليل بيدس في المقدمة التي كتبها لمجموعته "مسارح الأذهان" (1924) عن فن الرواية، وبم يجب أن يمتاز الروائي وما هي السمات التي يفترض أن تتوفر فيه. "الروائي يكتب للعامة، ويكتب أيضا من أجل التسلية..". وما دام علي يكتب لقاريء الصحيفة، وهذا ليس متخصصا في الأدب غالبا، فإنه لا يتنازل عن شرط المتعة.

سأقف أمام فقرتين مهمتين في المقدمة. يقول علي: "لست ناقدا، ولكنني استمتع بقراءة الروايات والقصص، إلى حد الرغبة الملحة في إعادة سرد ما أقرأه منها، هل تكون هذه الإعادة شكلا من أشكال النقد الأدبي، لست أدري. ولا أبحث عن دراية أصلا".

يقر علي بأنه ليس ناقدا، فما يدفعه للكتابة ليس الرغبة في أن يصنف ناقدا، هو الذي يرغب في أن يكون شاعرا ودارسا للتراث بالدرجة الأولى. إن ما يدفعه للكتابة هو بحثه في الأساس "عن وعي متجدد "متعة متجددة" للحركة الروائية والقصصية، مرحلة إثر أخرى.

ربما تساءلنا هنا عن مفهوم النقد. ربما تساءلنا أيضا إن كان هناك مفهوم واحد نهائي.
سأشير ابتداء إلى نقد يعرف باسم النقد التأثري، وهذا النقد، في أبسط معانيه يتمثل في أنه نقد ينظر في العلاقة بين النص والقارئ، والأثر الذي يتركه الأول في الثاني. وازدهر هذا النقد ما بين 1885 و1914، ولم ينتهِ، فما زال له سحره الخالد، ولم يتخل عنه أكثر النقاد صرامة. هذا النقد، كما يراه بعض أعلامه، انطباعات أمينة دونت بعناية. يقرأ الناقد كتابا ما ويدون ملاحظاته حوله ويسجلها، ولا يلتفت إلى منهج يطبقه، منهج يدرسه ابتداء ثم يختار نصوصا ليدرسها اعتمادا عليه. وهذا ما فعله علي، فلم يدرس فن الرواية، ولم يدرس المنهج النفسي أو الاجتماعي أو البنيوي، ليختار واحدا منها، يتعامل مع النصوص اعتمادا عليه.

وربما لا أجازف إذا قلت إن ما كتبه علي يندرج تحت النقد التأثري، وإن أفاد أحيانا من مقولات ماركسية، ومن الدراسات السيميائية، بخاصة حين كتب عن العناوين. وعلي واحد من كتابنا الذين التفتوا في العام 1992 إلى دراسة شعيب حليفي المنشورة في الكرمل حول النص الموازي، فقرأها وتأثر بها، وكتب مقالات عابرة عن العناوين في القصص والروايات. بل والتفت إلى الأغلفة، ويبدو أن دراسة حليفي، منذنشرها، أخذت تلازم عليا، حتى لو لم يعد إليها ثانية.
الفقرة الثانية التي أود الوقوف أمامها هي:

"ومع أنني أتحدث عن قصص على مدار قرن، إلا أن هذا الحديث لا يعني أدنى شمول تاريخي لكل أو معظم ما صدر من قصص وروايات خلال هذا الامتداد الزمني الطويل. وهيهات لأحد مثل هذا الشمول، وإنما هو الانتقاء بالضرورة، أو بالصدفة، وفق ما وقعت يدي عليه".

هنا يقر علي ويعترف علنا بأنه يختار من النصوص ما وقعت يده عليه، فهو ليس دارساً أكاديميا متفرغا ليدرس النصوص كلها أولا، ثم يختار منها ثانيا معتمدا على أسس معينة يبرزها لنا. وهكذا يقدم اعتذارا أوليا لأولئك الكتاب الذين لم تدرس نصوصهم، فلا أحد بقادر على دراسة كل ما صدر، نظرا لكثرته.

طبعا كان يمكن للمرء أن يتساءل: لماذا تناول علي هذا الكاتب وأغفل ذاك، ولماذا تناول هذا العمل لهذا الكاتب وأغفل عملاً آخر له، ولكن سؤال المرء هذا سرعان ما يستبعد، فالكاتب أوضح منذ البداية أنه كتب عما وقعت عليه يده بين السنوات 1997 و2007.

إن الدارسين العرب والفلسطينيين الذين درسوا القصة الفلسطينية القصيرة والرواية الفلسطينية غالبا ما حددوا الفترة التي درسوها، لأنهم يدركون ما يدركه علي: وهيهات لأحد مثل هذا الشمول. ومن هنا قرأنا دراسات عديدة، نادرا ما تجاوز أصحابها فترة زمنية طويلة تقارب المائة عام، يدرسون فيها القصة القصيرة والرواية.
إغفال الدراسات والقراءات السابقة:

يلاحظ قارئ مقالات علي الخليلي أنها قراءات لا تعتمد على دراسات سابقة أتت على النصوص التي يكتب عنها، والنصوص هذه ليست كلها إصدارات جديدة كان علي أول من كتب عنها. ثمة نصوص أشبعها الدارسون قراءة وتحليلا، وهي التي صدرت قبل العام 1990. حقا إن النظريات النقدية الحديثة، ومنها التفكيكية، لم تغلق القراءة، فقالت إن قراءة النص لا تغلق أبدا، وأن قسما منها، مثل نظرية التلقي، ذهبت إلى أن المنعطفات التاريخية تمنح النصوص معاني جديدة، إذ يمكن أن تؤول تأويلا جديدا لم يلتفت إليه السابقون، إلا أن قراءة الدراسات السابقة، فيما أرى، مهمة، فقد يفيد منها المرء، وقد يلتفت إلى أشياء وتأويلات لا يلتفت إليها القارئ حين يعتمد على قراءته وحده. وهكذا فإن قراءات الخليلي التي قدمها دون أن يفيد ممن سبقه، تحقق معنى التأثرية بالكامل: اللقاء الساذج والمباشر بين النص والقارئ، والأثر الذي يتركه الأول في الثاني.

إن الخليلي هنا لم يكن ناقدا أكاديميا، أو دارسا أكاديميا، فلو كان كذلك لالتفت إلى الدراسات السابقة، وقرأها، وقد يتفق معها، وقد لا يتفق، وقد يؤيدها وقد ينقضها، أو قد يؤيد بعض ما ورد فيها وقد يعارض بعضه الآخر، وربما كان تنازل عن بعض الكتابات.

وربما يكون ما فعله ذا جدوى، فقد يأخذ به الدارسون ممن يذهبون مع ما ذهب إليه أصحاب نظرية التلقي، ويقارنون بين ما توصل إليه، وما توصل إليه السابقون، ليلاحظوا- أي أصحاب نظرية التلقي ومن يسير في فلكها- أن قراءة نص واحد في زمنين مختلفين قد تؤدي إلى قراءتين مختلفتين، وان قراءة قارئين مختلفين لنص واحد قد تؤدي إلى قراءتين مختلفتين، فكيف اذا قريء النص الواحد في أزمنة مختلفة كانت فيها منعطفات كثيرة، وواقعنا يحفل بهذه.

يقرأ علي قصة سميرة عزام " لأنه يحبهم "، وقد قرأها قبله كثيرون، ومنهم الناقد الفلسطيني يوسف اليوسف، ولكن علياً لا يشير إلى تلك الدراسة، وربما لا يكون اطلع عليها. إن كتابته قد تحفل بضرب من التكرار، وقد تكون مختلفة جزئيا، وقد تكون مختلفة كليا، وحين يقرأ ناقد ما كتبه اليوسف والخليلي فقد يقول إن ما كتبه الثاني ضرب من التكرار، إذا تطابقت القراءتان، وقد يرى تطابقا جزئيا، وقد يرى اختلافا كليا، وفي الحالة الأخيرة يقدم خدمة كبيرة لأصحاب نظرية التلقي ومقولاتهم.
انطباعات أولية قبل الولوج إلى النص:

يغلب على ما يكتبه علي الخليلي في مراجعاته للقصص والروايات تدوين الانطباعات الأولية التي يثيرها الكتاب في ذهن قارئة –الخليلي- هنا قبل الولوج إلى عالم النص وتبيان موقف الخليلي منه. وغالبا ما يوضح الخليلي صلته بصاحب النص ومعرفته به وصلته بنصوصه السابقة، وربما اتصل بالمؤلف وسأله بعض أسئلة، وشكره على الإهداء، واستفسر منه عما يقصده بالعنوان وما شابه.

النقد هنا لا يتمحور حول النص، ولا يطمح الى ان يكون نقدا علميا يدرس القصة أو الرواية وفق خصائصها الفنية التي توصل إليها النقاد. إن هذا يغيب تقريبا عن نقد علي الخليلي، وبالكاد يعثر المرء على مصطلحات فنيّ القصة والرواية فيما يقرأ. وسيقرأ المرء عما خلف الأثر في نفس الناقد، وعن الظروف المحيطة بالنص أكثر بكثير مما يقرأ نقدا فنيا.

ربما يتوقف المرء، على سبيل المثال، أمام ما كتبه الخليلي عن مجموعة محمود شقير "صورة شاكيرا ". لملاحظة ما سبق في ص 77 من الكتاب نقرأ ما يلي، وعفوا لطول الاقتباس:

" أهداني زميلي القاص محمود شقير نسخة من مجموعته القصصية الجديدة، الصادرة حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت سنة 2004، تحت عنوان " صورة شكيرا " وقبل أن أقرأ ما كتب من كلمات الإهداء في رأس الصفحة الأولى، وربما قبل أن أشكره أيضا على توفير هذه النسخة لي، من بين ثلاث نسخ فقط، وصلت إليه متسللة مع زميل آخر، من بيروت إلى رام الله، عبر الحصار الإسرائيلي المفروض على فلسطين كلها، سألته بدهشة واستغراب عن هذا العنوان " صورة شاكيرا ؟! ماذا يعني؟ وكيف؟ وهل هي المغنية " شاكيرا مثلا؟ ولماذا؟ وما علاقة قصصه التي يكتبها وينشرها تحت سقف الاحتلال الإسرائيلي بها، وبصورتها؟ ضحك الزميل والصديق القديم محمود شقير الذي ذوّب عمره، منذ أكثر من ثلاثين عاما، بإنتاج عشر مجموعات قصصية، وخمس روايات وعدة مسرحيات...... ".
نقد ضروري:

يلاحظ من يتابع حركتنا النقدية ضعفها في متابعة الإصدارات الحديثة والكتابة عنها، فكثيرة هي الكتب التي تصدر دون ان تنال حظوة الكتابة عنها، وتمر مرور الكرام فلا يحفل بها من خلال خبر موسع ولا من خلال مراجعة نقدية صحفية، فلا الأساتذة الجامعيون، إلا أقلهم، يمارسون النقد، ولا الكتاب أنفسهم، إلا ما ندر، يتابعون كتابات بعضهم. ويكاد علي الخليلي، مع أسماء نقدية أخرى قليلة مثل سامي مسلم، يكادون يقومون بمهمة تحتاج إلى نقاد كثر، وبالتالي فإن ما يقوم به علي ضروري ومهم، لصاحب الكتاب أولا وللقارئ ثانيا، فالأخير قد لا يجد وقتا لقراءة كل ما يصدر، وقد لا يملك مالا لاقتناء الكتب أيضا، وهكذا يتعرف، من خلال النقد الصحفي الذي يمارسه علي، وزملاؤه، على الحركة القصصية والروائية والشعرية أيضا.
نقد لا يخلو من لذة:

في كتاب " تطور النقد الأدبي الحديث " ل (كارلوني وفيللو) صفحات خصصت للنقد التأثري، وإشارة إلى ارتباطه بالصحافة. ويأتي المؤلفان على الفرق بين النقد الصحفي والأكاديمي، ويقران بأن الأخير مهم، إذ قد يعطي العمل الأدبي حقه، وقد تكون دراسة واحدة جادة أفضل من مقالات كثيرة سريعة عابرة تتكون من انطباعات. لكنهما يقران بأن النقد التأثري لا يخلو من لذة ومتعة لا يوفرهما النقد الجاد الصارم. وإذا ما قارن المرء مثلا ما بين نقد كمال أبي ديب في كتابه " جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في نقد الشعر" ونقد على لاحظ اهتمام الأول بالتفاصيل، وخلو نقده من الإشارة إلى تأثير النص عليه، خلافا للثاني الذي ما من مراجعة نقدية كتبها لهذه المجموعة القصصية أو تلك الرواية إلا تحدث فيها عن انعكاس المؤلف عليه، وربما، استمتع القارئ بهذا وظل يواصل قراءة المقالة، لكن مَنْ مِنْ القراء غير المتخصصين يستطيع متابعة ما كتبه كمال أبو ديب؟ أنا شخصيا أتابع عليا فيما يكتبه حتى اللحظة، وليس لي إلا أن أشكره على ما يقدمه من خدمة لأدبنا، بقراءته والكتابة عنه والتعريف به، وشكرا.


***

3- علي الخليلي ورواية «على سكة الحجاز» و "النقاد الخائفون"
خالد حوراني

علي الخليلي الذي توفي قبل خمس سنوات شاعر فلسطيني كان له دوره في رعاية الحركة الأدبية الفلسطينية في الأرض المحتلة، وتحديداً في مناطق الاحتلال الإسرائيلي الثاني، أي احتلال 1967.

لم يقتصر علي على كتابة الشعر فقد اهتم بدراسة الأدب الشعبي وأصدر العديد من الكتب وأولها كتابه الذي يدرس فيه الأمثال الشعبية الفلسطينية متكئاً على الفلسفة الماركسية. وبالإضافة إلى ما سبق فقد رعى الأصوات الأدبية الشابة كونه حرر صفحة أدبية في جريدة "الفجر" المعروفة في حينه والمتوقفة عن الصدور بعد قيام السلطة الفلسطينية، وقد أعطته الجريدة حيزاً أوسع يتحرك فيه حين مكنته من إصدار ملحق أدبي على شكل مجلة عرف باسم "الفجر الأدبي".
إعلان

كان علي، من خلال صفحته أولاً ومجلته ثانياً، يتابع أعمالاً أدبية للشباب، وفي فترة لاحقة أخذ ينشر مقالاً أسبوعياً في جريدة "القدس" الفلسطينية واسعة الانتشار، يتابع فيه ما يصدر من روايات وقصص فلسطينية، وقد جمع ما كتبه من مراجعات في كتاب أصدرته له دار الشروق في عمان، تحت عنوان "قصص على مدار قرن: تداعيات التراجيديا ومكابدات السرد: مقالات ورؤى نقدية"، 2008.

في كتابه هذا يتوقف الكاتب أمام بعض الأعمال الأدبية التي أعادت وزارة الثقافة في السلطة الفلسطينية إصدارها، فقد أصدرت الوزارة بعض أعمال الرواد في الأدب الفلسطيني قبل العام 1948، ومنها قصص نجيب نصار ومحمود سيف الدين الإيراني وجمال الحسيني ونجاتي صدقي ، وكانت جريدة الفجر في بدايات ثمانينات القرن العشرين أعادت إصدار رواية اسحق موسى الحسيني "مذكرات دجاجة" التي صدرت طبعتها الأولى في العام 1943 عن سلسلة "إقرأ" المصرية.
إعلان

التفت علي إلى هذه الأعمال وكتب عنها كتابة عابرة، ولكنها كتابة لم تخل من آراء يمكن التوقف أمامها ومساءلتها، ومن ضمن الآراء رأيه في تلقي رواية جمال الحسيني الزعيم الفلسطيني الذي كتب روايتين في 1932 وفي 1934، وعنوان الرواية الثانية هو "ثريا".

ثمن الكاتب رواية "على سكة الححاز" وذهب إلى أنها رواية جريئة تناولت موضوعاً خطيراً في الحياة الفلسطينية هو موضوع بيع الأراضي، وهو موضوع، كما يرى علي، لم يعالجه الروائيون الفلسطينيون في حينه (عالجه بشجاعة وكتب فيه بجرأة نادرة إبراهيم طوقان في شعره).

يحاول علي الخليلي أن يفسر ظاهرة عدم الالتفات إلى رواية "على سكة الحجاز" في الماضي والحاضر، علماً بأنها رواية ريادية وكاتبها كان أيضاً ريادياً في كتابته، ويخلص إلى أن النقاد المعاصرين لجمال الحسيني لم يلتفتوا إليها، ومثلهم النقاد المعاصرون، وينعت النقاد بـ "النقاد الخائفون" (ص31).

يكتب علي:

"خاف النقاد القدامى من رواية "على سكة الحجاز "فلم يقتربوا منها، لا بسبب "ركاكة النص" و إنما بسبب الوضوح السياسي الوطني الخطير في هذا النص بالذات" (ص31).

والسؤال هو: هل ما يراه الكاتب الخليلي صحيح؟

أشير ابتداء إلى أن إعادة وزارة الثقافة في السلطة الفلسطينية في العام 2000 طباعة الرواية هو ما مكن الكاتب من الالتفات إليها، ولحسن حظه أنه كان موظفاً في الوزارة، فتمكن من الحصول على نسخة من الرواية، وهذا ما لم يحالفني الحظ فيه حتى اليوم، ولربما لولا هذه الفرصة لما تمكن علي من قراءة الرواية والكتابة عنها.

إن ما يلفت النظر في كتابة الكاتب هو نعت النقاد المعاصرين بـ "النقاد الخائفون" وهذا ما لا يتفق المرء فيه مع علي. وأشير أيضاً إلى أن الكاتب لم يقرأ الدراسات السابقة التي تناول أصحابها فيها الأعمال الأدبية الصادرة قبل العام 1948.

صحيح أن أكثر دارسي الأدب الفلسطيني لم يدرسوا هذه الرواية (عبد الرحمن ياغي، أحمد أبو مطر، واصف أبو للشباب، فاروق وادي) ولكن هناك دارسون آخرون تناولوها (إبراهيم السعافين، شمعون بلاص)، وعدم تناول الدارسين السابقين لها يعود إلى أسباب منها أن الحركة النقدية في فلسطين قبل 1948 كانت ضعيفة، فالفن الروائي أصلا كان حديث النشأة، ومنها أن نقاد ما بعد 1948 لم يتمكنوا من الحصول على النتاج الأدبي الفلسطيني بسبب الهجرة وبقاء المكتبات والكتب الفلسطينية في فلسطين المحتلة، ومصادرة الدولة العبرية الناشئة لها.

إن قارئ أكثر دراسات الدارسين السابقين يلحظ إشارتهم إلى عدم تمكنهم من الحصول على الروايات (ياغي، أبو مطر، أبو الشباب، وادي) والذين كتبوا عن الروايات أشاروا إلى الجهد المبذول في الحصول عليها (السعافين) أو أن وجودهم في فلسطين 1948 هو ما مكنهم من دراستها (الناقد اليهودي العراقي شمعون بلاص).

تناول إبراهيم السعافين في كتابه "نشأة الرواية والمسرحية في فلسطين قبل العام 1948"، عام 1986، رواية "على سكة الحجاز". كما تناولها بشكل موسع، مع الرواية الثانية لجمال الحسيني "ثريا" شمعون بلاص في كتابه "رواد ومبدعون" (1993 طبعة أولى/ 2003 طبعة ثانية) وقدم للروايتين عرضاً موسعاً وأشار إلى وقوف مؤلفهما أمام بيع الأراضي، وما قدمه بلاص، فيما أرى، يعد الأفضل. ومما ذهب إليه -وذهب إليه دارسون آخرون- هو أن موضوع بيع الأرض في الروايتين كان مدخلا فقط لمعالجة موضوعات اجتماعية، ولم يكن الموضوع الرئيس فيهما.

ومع أهمية ما كتبه علي الخليلي إلا أنني أعتقد أنه بالغ في نعته النقاد بـ "النقاد الخائفون" فهناك أعمال أدبية أخرى تناول أصحابها موضوع بيع الأرض، ومنها رواية (أو مسرحية) محمد عزة دروز "الملاك والسمسار"، 1934، ومسرحية برهان الدين العبوشي"وطن الشهيد"، 1947، وقد ذكرهما النقاد وأشاروا إليهما، بل ودرسوا الثانية، وعدم دراسة الأولى يعود إلى ضياعها، فحتى صاحبها لم يكن يملك منها نسخة، كما ذكر أكثر من دارس اتصل به يسأله عنها.

ومع ما سبق لا بد من الاعتراف بالعرفان لعلي الخليلي.

***

4- في وداع علي الخليلي

ماذا أكتب في وداع علي الخليلي الشاعر والباحث وكاتب المقالة والصديق الذي عرفته منذ العام 1978 تقريباً؟
أتذكرها تلك الأيام، كانت الحركة الأدبية تتلمس طريقها.
شباب مبتدئون يشجعهم سياسيون ينتمون إلى فصائل اليسار، فلم يكن أحد من الفصائل غير اليسارية يهتم بالثقافة.
ندوات في رام الله، وأخرى في غزة، وثالثة في نابلس لمناقشة رواية أو ديوان شعر أو مجموعة قصصية، وصفحات ثقافية يشرف عليها سياسيون مهتمون بالأدب، أو أدباء ذوو ميول سياسية: محمد البطراوي وعادل سمارة وعبد اللطيف عقل، و... وسيأتي علي الخليلي من المنفى ليكون الأكثر حضوراً أدبياً.
يسافر عادل سمارة وعبد اللطيف عقل وتخرج جريدة "الفجر" من يد اليسار، ويكون لعلي الخليلي القادم حديثاً من بيروت دور مهم فيها. (سأعرف في منتصف ثمانينيات القرن العشرين من علي أنه قادم بناءً على طلب من أبو جهاد ليرعى الحركة الأدبية).
في نابلس تعرفت إلى علي الخليلي. أسير أنا والقاص المسرحي محمد كمال جبر معاً في شوارع المدينة، فنلحظ رجلاً كثّ الشارب أسود الشعر خفيفه في الوسط ينظر إلى عامل يثبت لافتة على محله/ مكتبته، "مكتبة الوطن". نتعرف إليه ويعلمنا أنه قادم من ليبيا ليستقر في الوطن، وأنه عازم على تأسيس مكتبة اسمها: مكتبة الوطن.
وفي مكتبة الوطن أخذ علي يقرأ على مسامعنا قصائده الجديدة التي أصدرها في ديوان "الضحك من رجوم الدمامة" (1977 أو 1978) في السنة التي تعرفت فيها إليه.
وسيغدو علي محرر الصفحة الأدبية في الفجر الأدبي، وعلى صفحاتها سينشر لنا كتاباتنا.
سأحتفل بديوانه وأكتب عنه صفحات شكلت صفحة كاملة من الملحق الأدبي لجريدة "الفجر": علي الخليلي شاعر الأزقة والفقراء.
كان علي يحبّ نابلس حبّاً جمّّاً، وكان يسير في شوارع البلدة القديمة مارّاً بفرن إخوته الذي عمل فيه أيام كان يقيم في نابلس، وتحديداً في 60 ق20، وقد أتى على هذا في سيرته "بيت النار: المكان الأول ـ القصيدة الأولى" (1998)، ولا أدري لمَ لمْ نحتفل بها احتفالاً يليق بشاعر أسس لحركة أدبية، وكان له باع فيها.
في "الضحك من رجوم الدمامة" سيكتب علي عن أزقة البلدة القديمة فيها، عن صباحات المدينة وعن فقرائها، هو الذي ظل وفياً لنشأته ولم يترفع أبداً عن ماضيه، فلطالما تحدث عنه وافتخر به.
ولكن عليّاً الذي هجس كثيراً بالفقراء، فقراء المدينة لم ينجح في أن يغدو شاعر الفقراء حقاً، فقد غدت كتابة قصيدة حديثة هاجسه الفني، ولقد أراد أن يغدو اسماً أدبياً ينافس الشعراء الكبار في العالم العربي ـ هكذا قال لي ذات نهار.
ولعلّ هذا الهاجس أبعده عن كتابة القصيدة الجماهيرية، فكتب وكتب وكتب، ولم يحقق من الانتشار ما حققه شعراء مقاومة آخرون.
هل كان علي ضحية شعراء لمعت أسماؤهم من قبل، وظلت تلمع بحيث غطت على من كان قبلها، ومن أتى بعدها؟
في 80 ق20، قبل أن يتزوج، كان علي يذهب إلى القدس، مكان عمله في جريدة "الفجر"، بعد أن أخفق في تحقيق أمنيته في مشروع المكتبة، وكنت في تلك السنوات، أحرر صفحات الثقافة في "الشعب"، وحين كنت أعود إلى نابلس، أيام الخميس، كنت أمرّ عليه في مكتبه في الجريدة، وكنا نعود معاً في الحافلة ـ الباص.
كان علي فقيراً، وراتبه بالكاد يكفيه، وقد أخبرني أنه يعود بالباص لأنه يؤثر أن يقرأ كتاباً أو عدداً من أعداد مجلة "الجديد"، ولما كنا نحضر المجلة من القدس، وكان توزيعها ممنوعاً في نابلس، فقد كنا نخشى من أن نضبط بتهمة حيازتها. وكان علي يغامر.
لم يكن علي قارئ روايات، ولكنه كتب الرواية. ففي بدايات 80 ق20 اعتقل لمدة 45 يوماً، ولما خرج قرر أن يكتب تجربته، ولم يكتبها شعراً، فقد كتبها رواية، ووظف فيها هو الباحث في التراث، حيث عرف من خلال كتابه "التراث الفلسطيني والطبقات"، وظف فيها الأمثال التي درسها. كتب علي عن فقره وماضيه ولم يخجل، هو الذي ركز على الصراع الطبقي فيما كتب.
لقد كان واقعاً حتى أخمص قدميه بالفكر الماركسي وأطروحاته، من وحيه كتب وحلل وفسّر ودرس.
في زمن الاحتلال، حيث كانت الكتابة تخضع للرقابة الإسرائيلية، كان على الكاتب أن يداور ويناور، وإلاّ فإن كتابته لن تجد طريقها إلى النشر.
هكذا أخذ علي يكتب مقالات تلمح ولا تصرح، توحي ولا تقول، وقد جمع هذه المقالات في كتاب "كتابة بالأصابع المقيدة"، وربما لا يتفهم إشكالية تلك المقالات وأسلوبها إلاّ من اكتوى بنار الرقابة.
آثر علي في نهاية 80 ق20 أن يقيم في القدس مكان عمله.
غدا السفر من نابلس إلى القدس مشكلة وعبئاً، ولما تزوج هو الذي كان ضد مشروع الزواج، فقد ابتعد عن نابلس التي أحب، ولكنه لم يفارقها. "نابلس تمضي إلى البحر" هكذا اختار العبارة عنواناً لأحد دواوينه قبل عودته من المنفى.
لم تمض نابلس إلى البحر، ظلت في مكانها، ومضى علي إلى القدس.
هل كان علي يؤسس لحركة أدبية؟ هل كان هذا هاجسه؟ أغلب كتاب جيلي يقرون بهذا، فقد استطاع أبو سري أن يقنع إدارة جريدة "الفجر" بإصدار مجلة مستقلة عنوانها "الفجر الأدبي" وأصدر أعداداً كثيرة منها، ولما توقفت جريدة "الفجر" توقفت المجلة معها.
وأخذ علي يكتب المقالة السياسية والأدبية، وأخذ ينشرها في جريدة "القدس" إلى أن أوقف.
هل سلبت عودة كتاب المنفى، بعد أوسلو 1993، الأضواء منه؟ ظل علي يكتب ويكتب ولم يفت في عضده عدم الاحتفال به احتفال النقاد بالقادم إلى رام الله، محمود درويش، وربما كان علي ضحية عودة درويش.
علي الخليلي شاعر وباحث في التراث، فقد أصدر العديد من الكتب، وكاتب مقالة مميز، وكتب نقداً صحافياً لروايات كثيرة، أيضاً كتب وكتب وظل يكتب إلى أن نهشه النهاش: السرطان، وفي موته خسرت فلسطين شاعراً وكاتباً ومؤسساً لحركة أدبية. وداعاً علي الخليلي. وداعاً.

***

5- ذاكرة الغياب.. علي الخليلي

كما لو أن علي الخليلي يخاطبني الآن. كما لو أنه يقول لي: «إنني أطمح أن أُنافس أدونيس ومحمود درويش». ولقد قالها لي بالفعل قبل أربعين عاماً تقريباً.
كان علي عاد من المنفى ليُسهم في تنشيط الحركة الأدبية في فلسطين، وكان الشهيد خليل الوزير وراء عودته.
افتتح علي مكتبة «الوطن» وأراد ان يستقر في نابلس، وفي مكتبته تعارفنا وبدأت صداقتنا إلى يوم رحيله.
رحل علي قبل سنوات قليلة وما زالت ذكراه تلازمني، وغالباً ما يراودني شعور بالأسى والحزن، فما طمح إليه يقول لي غيابه إنه لم يحققه. لا حقق شهرة أدونيس ولا قُرئ كما يُقرأ درويش، ولم تترجم من أشعاره وأعماله إلى لغات أخرى إلا أقلها.

سؤال الأعمال الكاملة:
طُبعت أعمال علي الخليلي الكاملة الشعرية قبيل وفاته، ولم يفرح بها ولم يُهدِ أصدقاءه نُسَخاً منها ليحظى بمراجعات لها. هل أنجزت جهةٌ ما مثل بيت الشعر أو وزارة الثقافة أو عائلته هذه المهمة؟
لم تحظَ أعمالُه الشعرية الكاملة بمقاربات نقدية، مثل أعمال شعرية كاملة كثيرة أصدرها بيت الشعر لأحياء أو لأموات، ما يثير سؤالاً عن جدوى الشعر وجدوى طباعة الأعمال الكاملة.
لا أعرف حقاً ماذا ألمَّ بالأعمال الشعرية الكاملة التي اجتهد بيت الشعر الفلسطيني على إصدارها، وهل يفكر بيت الشعر بتجربته؟
غالباً ما أتذكر عبارات علي يوم تعارفنا. هل كان طموحُه مشروعاً؟
ما سببُ عدم الالتفات إلى كثير من أُدبائنا الراحلين، وتحديداً الشعراء؟
أهو أفول زمن الشعر أم أن ما أنجزه كثيرون منهم لم يتجاوز الشاعر الذي لفت الأنظار؟ هل يعود السبب إلى المؤسسة السياسية والثقافية والاجتماعية و...أم الأمر يتعلق بالشعراء وكاريزميتهم الشخصية والشعرية و..و..؟
غالباً ما أتذكر علي الخليلي وأتساءل عن جدوى الكتابة. ربما يغدو الكاتب بعد وفاته سطراً في موسوعة لا سطراً في كتاب.! ربما عليه أن يهيئ نفسه في حياته لهذا وألا يحزن.
وأنا أسير في البلدة القديمة في نابلس وأمر بالقرب من فرن الخليلي أتذكر الشاعر. هنا عاش علي طفولته، ومن هذا المكان استمد عنوان سيرته «بيت النار «-الجزء الأول، ولا أعرف إن كان علي كتب الجزء الثاني.
ألتفتُ إلى الفرن فأتذكر السيرة التي لم تنل حظها أيضاً، مثل شعر الشاعر، من الدرس والشيوع. هل سيرة علي وحده هي السيرة الذاتية التي لم تحظَ باهتمام؟ هل كانت سيرةً متواضعة أم أن سيرة الشاعرة فدوى طوقان «رحلة جبلية..رحلة صعبة» غطت عليها أيضاً؟
هناك سِيَر ذاتية فلسطينية عديدة لم تحظَ أيضاً باهتمام. سيرة سميح القاسم، وسيرة حنا ابراهيم، والجزء الثاني من سيرة فدوى، والجزء الثاني والثالث من سيرة حنا أبو حنا و..و...هل نحن حقاً قراء سِيَر ذاتية أم أن فن السيرة الذاتية في أدبنا مثل فن الشعر: لا قُرّاء له.؟
وأنا أمر بمحاذاة فرن الخليلي أتذكر الشاعر وأُلقي نظرةً على الفرن من الداخل. رمم أصحاب الفرن الفرن على أمل إحيائه ولم ينجح. الآن الفرن محل لتصليح أجهزة الكمبيوتر أو أجهزة تلفازات قديمة. ولّى زمن البلدة القديمة وولّى نمط حياة الحارة تقريباً. إنه زمن العمارات السكنية والتجارية الذي كتب عنه علي في 1977 في ديوانه «الضحك من رجوم الدمامة «. لم تكن العمارات ارتفعت ولكن الشاعر تخيلها وكتب: «العمارات ارتفعن».
ولا أذكر الكثير من أشعار علي. لا أحفظ منها قدر ما تلح علاقتي به على ذاكرتي. أيعود الأمر إلى الذائقة؟ ربما، ولكن علياً نفسَه ما كان يحفظ شعره.
كان علي متحدثاً جيداً وكان ذا عقل جدلي. كان يقرأ الماركسية ويتكئ عليها في تنظيراته، وهو الذي اختار عنواناً لأحد دواوينه لم يخلُ من دال «جدل» «جدلية الوطن». وفي دراسته الأمثال الشعبية الفلسطينية اتكأ على التنظير الماركسي، وسار في دراساته العديدة عن الأدب الشعبي على الطريق نفسه، والمحزن أيضا في مسيرته أن دراساته هذه التي أراد أن يواصل فيها نهج توفيق زياد لم يلتفت إليها.
في هذا العام ستحتفل مؤسساتنا الثقافية وعلى رأسها وزارة الثقافة بمئوية(؟) فدوى طوقان 1917_2017. وقبل سنوات اعتُبر يوم ميلاد الشاعر محمود درويش يوماً للثقافة الفلسطينية. هل التُفت إلى ميلاد غسان كنفاني؟ رفاقُه في الجبهة الشعبية وأصدقاء رفاقه لا يقصرون، فهم غالباً ما يلتفتون إلى ذكرى استشهاده ، بل وأخذوا يلتفتون إلى ذكرى ميلاده.
هل ستحتفل جهة فلسطينية ما، في نابلس أو في خارجها بذكرى علي الخليلي؟
كلما اقتربت ذكرى رحيله. كلما مررتُ بفرن الخليلي- بيت النار-، كلما نظرت إلى بيت علي قرب جامعة النجاح الوطنية تذكرت الشاعر وتذكرت بيوت بعض الشعراء في الغرب. هل يفكر آل الخليلي مثلاً أو آل طوقان مثلاً في أن يحولوا مكان سكن علي وابراهيم وفدوى إلى متحف؟ غالباً ما أرى بيتَ آل طوقان في البلدة القديمة مغلقاً. لقد تحول إلى ديوان للعائلة يفتتح في المناسبات.
حقاً ماذا بقي من كثير من شعرائنا وأُدبائنا الراحلين؟ وهل نحن ملومون؟
أراد علي أن يكتب قصيدة جديدة وحديثة ومختلفة ولم يبق من قصيدته إلا ذكراه، فما جدوى القصيدة الحديثة في مجتمع بلا حداثة وفي وطن يضيع قديمه وتُستوطن أرضُه؟
ومع ذلك فإن ذكرى علي الخليلي تلح علي.

***

6- هوس شعري : إني أعترف

منذ قرأت أشعار ديوان الوطن المحتل صرت مهووسا بها ، ويمكن إيراد نماذج لأشكال هذا الهوس .
في ١١ / ١٢ / ١٩٧٥ زرت دمشق وترددت على مكتباتها واشتريت منها ما اشتريت ، ومما لفت نظري على مكتبات الرصيف ديوان فتى الثورة ، وفتى الثورة كما عرفت من المرحوم أحمد دحبور هو سعيد المزين ( أبو هشام ) . قرأته ونويت إحضار النسخة معي ، فلما لاحظ ابن خالتي ، وكان طيارا في الجيش السوري ، نبهني إلى أن ذلك قد يسبب لي مشاكل على الحدود الأردنية ، فالديوان كتب إثر حرب أيلول ١٩٧٠ ، وكله هجاء لرأس النظام الأردني . ماذا أفعل إذن ؟
من الكتب التي اشتريتها في تلك الزيارة روايات الطيب صالح وكتاب الدكتور محمد التونجي " بدر شاكر السياب والمذاهب الشعرية المعاصرة " ولاحظت فيه بعض صفحات بيض ، فكتبت عليها مقاطع من ديوان فتى الثورة ، وما زال الكتاب في مكتبتي وعليه بخط يدي تلك المقاطع ، وعليه أيضا تاريخ زيارة دمشق .
ماذا لو تصفح الضابط الأردني الكتاب ولاحظ المقاطع ؟
بعد إنهائي دراسة البكالوريوس في الجامعة الأردنية في ١٩٧٦ وعودتي إلى نابلس اشتريت ديوان سميح القاسم " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم " الصادر حديثا ، وصرت أقرأ منه مقاطع شعرية بصوت مرتفع ، وقد التفت أحد إخوتي إلى الأمر فابتسم . كان الديوان يضم قصائد كتبت في يوم الأرض وأخرى في مديح مدينة جبل النار - نابلس ، وكان يوم الأرض في حينه مناسبة لافتة ، وكانت نابلس تشهد انتفاضة طلبة المدارس التي استشهدت فيها لينا النابلسي ، كما كنا نعيش أجواء الحرب الأهلية اللبنانية ونتابع أخبار مخيم تل الزعتر الذي سقط في آب في حينه .
بعد سقوط تل الزعتر كتب محمود درويش قصيدته الشهيرة " أحمد الزعتر " ومعين بسيسو ديوانه " الآن خذي جسدي كيسا من رمل " وطبعت القصيدة ، وترجمتها رنا قباني ، وطبع الديوان أيضا طبعة فاخرة ، وسرعان ما صور العملان في الأرض المحتلة ووزعا ، فكان أن قرأتهما قراءات مكثفة وحفظت بعض مقاطعهما ، بل وكتبت مراجعة لديوان معين نشرتها في جريدة الفجر التي صار يشرف على صفحاتها الأدبية الشاعر علي الخليلي العائد حديثا من العالم العربي .
لم يقتصر الأمر على ما سبق ، فقد أخذت أشتري دفاتر مدرسية وأنسخ عليها بعض المجموعات الشعرية التي استعرتها من مكتبة بلدية نابلس ولم أجد نسخا للبيع منها في مكتبات بيع الكتب .
وصرت أتابع كل ما يصدر . في تلك الأيام نشطت دار صلاح الدين في القدس وطبعت كتبا عربية وأخرى لأدباء فلسطينيين ، ومن الدواوين التي طبعتها ديوانا خليل توما " أغنيات الليالي الأخيرة " و " نجمة فوق بيت لحم " وقد قرأتهما كما قرأت أشعار شعراء المقاومة في فلسطين ١٩٤٨ ، وكتبت حولهما ونشرت ما كتبت ، على ضعفه ، في مجلة " البيادر " وفي جريدة " الطليعة " ، وذهب بي الأمر أن صرت أشتري ما أجده من مجموعات لفدوى طوقان ، بخاصة ما طبع لها في بيروت قبل ١٩٦٧ ، أما أشعارها المقاومة التي ضمتها مجموعة " الليل والفرسان " فلم أحصل عليها إلا حين طبعت أعمالها الكاملة .
في تلك السنوات كانت تقام أمسيات شعرية في جامعتي بير زيت وبيت لحم وفي نوادي المخيمات أيضا ، وكان هذا يعد نشاطا لافتا ، كما كانت تحيا نشاطات يغني الشعر فيها الفنان مصطفى الكرد ، وكان الذهاب إليها يعد مشاركة في النشاط الوطني ، وأذكر أنه في العام ١٩٧٦ تقرر إقامة أمسية في مكتبة بلدية نابلس للفنان فحالت قوات الاحتلال الإسرائيلي دون ذلك .
ولأعترف :
ما الذي كان يدفعني إلى ما ذكرت : أهو تخصصي في الأدب العربي أم عاطفتي الوطنية ؟
لم أكن شخصيا انتمي إلى حزب سياسي أو فصيل وطني ، فمشاعري الوطنية شكلتها مظاهرات أحداث السموع في ١٩٦٦ وهزيمة حزيران ١٩٦٧ وحرب أيلول ١٩٧٠ وحرب تشرين ١٩٧٣ ثم نمت وتصاعدت مع بداية الحرب الأهلية في لبنان . كنت فلسطينيا فقط تحركه المشاعر والانفعالات إزاء الشعب الذي ولدت فيه وضاعف الأمر ولادتي في مخيم لاجئين ظل أهله يشعرون أنه مكان طاريء ، فمكانهم هو المكان الذي هجروا منه في ١٩٤٨ .
كان الذين يشاركون في النشاطات الأدبية والثقافية في تلك الأيام هم نشطاء الحزب الشيوعي وبعض جبهات اليسار الفلسطيني وبعض الرموز الثقافية ، أما الناس العاديون فكان النشاط الثقافي والفني لا يعنيهم من قريب أو من بعيد . كما لو أنني كنت متطفلا على المشاركين والحضور الذين كانت انتماءاتهم تدفعهم إلى الحضور باعتبار ذلك نضالا وطنيا ، وعندما كنت ألتقي بيساريين من الجبهة الديمقراطية كانوا يسخرون مما أقول ، فالكاتب لا بد من أن يكون ملتزما وإلا فلا قيمة لما يكتب ، والطريف أن أكثر هؤلاء اليساريين ما عادوا كذلك ولم يبق منهم منتميا إلا القليلين ، فيم واصلت الكتابة .
ولأعترف أيضا :
هناك عشرات الفدائيين الفلسطينيين ترك شعر المقاومة عليهم أثره فالتحقوا بالثورة وقاتلوا ، ولكني للأسف لم أمتلك شجاعتهم ، وهذا موضوع يطول .
الأربعاء
٢٣ آذار ٢٠٢٢

***

7- من انبثاق الظهيرة إلى وحل الوجع المستحيل

يخاطب علي الخليلي في قصيدته "من الوالد الى الولد" ابنه، ويطلب منه أن يحلم، كما حلم هو من قبل، ولكنه يقول:

"كأنك الذي تضيع وأنا الضائع. كأنك

الهاذي، وأنا الهذيان كله". (هات لي عين الرضا، 1996، ص 110)

وهذا هو التعبير الحقيقي لما آل اليه الشاعر وجيله. واذا كان ابنه يمعن بالتحديق بين قدميه، فإن عليا معلق على رقبته، كأنه يهبط في سماء بعيدة، أو كأنه يصعد اليها، وهو لا يعرف بالضبط أين يسير ؟

أصدر الخليلي دواوينه الاولى، وهو في المنفى، وجاء شعره فيها ذا حس تفاؤلي. مضت نابلس الى البحر، ولما عاد الشاعر اليها عام 1977 أنشأ مكتبة أسماها "مكتبة الوطن"، وهو اسم قريب من مجموعته "جدلية الوطن" (1975). ولم يمض، على وجوده في نابلس عام، حتى أصدر "الضحك من رجوم الدمامة" (1978)، وهي مجموعة شعرية تحتوي على قصائد ذات حس تفاولي، والعنوان ايضا يدل على ذلك: ثمة دمامة نضحك من رجومها. ولم تختلف احدى مقطوعات الديوان عن مقطوعة درويش التي قالها بعد حرب حزيران. يقول الخليلي:

"نحن لم نخسر الماء
هذا اكتمال الخميرة
لم نفقد الشمس
هذا انبثاق الظهيرة
لم تسقط الكلمات
وهذا بياني"

وكان بيانه العديد من القصائد التي تعبر عن رؤيته الفكرية. غنى علي للفقراء وحلم بوطن يسوده العدل والطمأنينة، وطن لا يخضع لاحتلال أجنبي. ومجد الفلسطينيين الزارعين والمقاتلين، وانضم، في قصائده وفي وجوده في الوطن، الى هؤلاء، وأعطى ذراعه للزارع الأول:

"والفلسطيني باب

كل من كان فلسطينيا سيعطي

منجلا للزارع الأول

أعطيت ذراعي

كل من كان فلسطينيا سينمو". (انظر مقالتي في الفجر 28/4/1978)

ولم يمر عام على افتتاحه مكتبته حتى أغلقها ليتفرغ للعمل محررا أديبا في جريدة الفجر. وكان اخفاق طموحه الثقافي في المكتبة خيبته الاولى التي توالت بعدها الخيبات.

أصدر الخليلي، في الوطن، العديد من الدراسات والمجموعات الشعرية، وكتب نصين قصصين طويلين هما "المفاتيح تدور في الأقفال" (1980) و "ضوء في النفق الطويل" (1983)، وكان يأمل، لنشاطه المتعدد، أن يحظى بالعناية والاهتمام اللذين حظي بهما شعراء المقاومة في مناطق 1948، وهذا ما لم يتحقق له، على الرغم من اعادة طباعة بعض دراساته التراثية في العالم العربي، ومن كتابة بعض المقالات الصحفية عن انجازاته. وقد جعله هذا يشعر بالخيبة، ومن هنا استعار عنوان مقالة لمحمود درويش هو "ارحمونا من هذا الحب القاسي" ليحورها ولتصبح "احمونا من هذا التجاهل القاسي" (انظر كتابه "شروط وظواهر في أدب الأرض المحتلة، القدس، 1984، ص 85).

وظل هذا الشعور يلازم الشاعر حتى هذه اللحظة، وربما لهذا اختار لاحدى مجموعاته الصادرة عام 1996 عنوانا دالا هو:"هات لي عين الرضا، هات لي عين السخط"، وهو عنوان يذكرنا ببيت الشعر المعروف:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

ولم تبد عين السخط الا المساوئا

وكأن الخليلي لم يحظ بهذه ولا بتلك، وهكذا لم يكتب عنه محب ليبدي حسناته، ولم يكتب عنه ساخط لعله يحقق ما ورد في بيت الشعر:

وإذا أراد الله نشـــــر فضيلـــة

طويت أتاح لها لسان حســـود

ويهمس علي بهذا لأصدقائه المقربين، ويبوح لهم بأنه واحد ممن ظلمتهم الحركة النقدية التي، كما يقول، تفتقد الى الناقد الحداثي، وهذا بأدواته هو القادر على فهم شعر الشاعر وتحليله ووضعه في مكانته. وهو بذلك شأن شعراء الحداثة في العالم العربي الذين أشار الى شكواهم الدائمة ناقد حداثي هو كمال ابو ديب، وبين كيف ان لا أحد يحتفل بشعرهم قراءة وكتابة. (انظر: "فصول" المصرية، خريف 1996، ص 28).

وتبدو دراسة قصائد الخليلي هنا، حسب رأيه، مجحفة، لأنني سأركز على نقد مضمونها. ويبدو ان الشاعر نفسه أول من يدرك أن نصوصه مشوشة، وذلك حين يقول في قصيدة "رماد النون وزخرفة النعش".

"انهمكت بترتيب القصيدة،

فهرب العمر مني

وقعد الشاعر أخيرا، بعيدا عني،

ليكن نصي مشوشا، أيها القاصد الكريم!". (هات لي عين الرضا، ص 69).

وهو الذي يتساءل عن نفع البحور التي هي من قش (ص 70)، ولهذا يشعر قاريء الشعر العربي الكلاسيكي، وهو يقرأ أشعار الخليلي، أنه لا يقرأ شعرا.

ويكتب الشاعر الكثير، ويلتفت اليه القليلون، ولا تعاد طباعة مجموعاته الشعرية ثانية وثالثة، وتصبح اشعاره، كما أصبحت أشعار سميح القاسم الأخيرة في نظره شخصيا، حريرا كاسدا، وليس أمامه سوى الاقرار بهذا وبنطق كلمة: لا بأس، أو لا حول ولا قوة إلا بالله.

وعلى الرغم مما سبق تعتبر أشعاره أفضل تعبير عن الأوضاع التي مر بها فلسطينو الضفة منذ عام 1967، وشعورهم إزاءها. يكتب علي عام 1985 قصيدة عنوانها "في القفص"، وهي قصيدة تعبر عن نفسية الفلسطيني الذي يرى الأرض تصادر لتقام عليها المستوطنات، وعن عدم قدرته على المقاومة مقاومة فعالة، وليس أمامه سوى أن يرفع إصبع كفه احتجاجا، ويدرك هذا الفلسطيني أن العمر يمر ما بين هم وغم، فيما تزداد مخاوفه:

"من سنة الى سنة
أخاف من جريدة الصباح
ربما، وربما، وربما
أخاف من سحابة الندى
ومن هلا ومرحبا
أخاف
أرفع كفي
قف!
أصرف عيني عن هذا الواجب
خذ ما شئت،
هي الأيام حلال للغالب
أما المغلوب
فليس له قبعة من ريش
أو لغة محكية
هذا أمر
أنا أرفع كفي وأغامر". (نحن يا مولانا، 1989، ص 43)

وتزول هذه النغمة في الانتفاضة، ويحل التفاؤل محل التشاؤم. تتراجع حالة الانتظار

وتتقدم لحظة المقاومة، ليكتب علي قصيدة جميلة هي: "خمس أغنيات للولد الجميل"، ينتهي كل مقطع من مقاطعها بما يبعث على التفاؤل. يقول:

"ثمر الصنوبر، لا تخف، ما أقصر الدرب الطويل

الى الذرى، لا الليل يمكث في خرائبه، ولا ريح

السموم لها حبال

من ألف طاحون وطاحون تزول، وبغلها الباغي زوال". (سبحانك سبحاني، القدس، 1991، ص 76)

والولد الجميل هو السلام وهو العتاد وهو العدد. إنه ما زال مكتملا وقد نقصوا، وهو ما زال يملك انه الباقي، فلا شر الحسد.

ويظل علي يرى الوطن جميلا، وإن كانوا يبعثون بأهله، تحت سمع الوطن وبصره وخفق دمه الى هذه الدرجة الساخرة (هات لي عين الرضا، ص 73).

ويجدر الوقوف عند ديوان "القرابين اخوتي" (1996)، فثمة قصائد كثيرة تسعفنا في تبيان خيبة الفلسطينيين مما آلت اليه البدايات وما وصلت اليه الأمور. وبعض قصائده تتناص وبعض القصائد التي كتبها الرواد. ومن قرأ ابراهيم طوقان وبيته المعروفين:

هزلت قضيتكـــم

فلا لحم هناك ولا دم

ضمرت الى بلدية

فيها العدا تتحكـــــم

يدرك ان الخليلي لم يكن بعيدا عنهما حين كتب قصيدته "من هزل الكلام" (ص 57)، وهي قصيدة تنتهي بالمقطع التالي:

"والى يديك، غزالتي
وأنا الوريث لكل قيد في المدى
وأنا القضاة جميعهم
وقضيتي
هزلت، أنا هزل الكلام
فكيف لي شفه" (ص 61).

هزلت القضية منذ ضمرت الى بلدية فيها العدا تتحكم، وبعد ستين عاما يصبح الانسان الذي صور ذلك في أشعاره، من خلال وريثه، الهزال نفسه، فكيف تكون له شفه. هزل الانسان ورخص، لأنه بقية أمثلة.

يوضح أنا المتكلم في قصيدة "المكيدة" لماذا ينزع عن بابهم -باب الاخرين-، ومع ذلك يرسل القصيدة. ثمة طرفان احدهما يفرش لغيره لحمه وعظمه على الطريق، معبرا وقامة وراية، وثانيهما يسرق غيره، يهبط طرف ويصعد آخر، وهذا لا ملامح له سوى ملامح المكيدة. وينادي الشاعر الانسان:

"يا أيها الانسان
يا من بات في بيوتي
وضاق بي
تعال" (ص 89)

ويعاني المتكلم من هزائم قديمة وأخرى جديدة، فمن يناديه ليس سوى ديك يصيح "في عرائش الكذب والبهتان"، وهكذا يخيب الشاعر من الانسان في الانسان. ويسأل الخليلي ربه "من الذي يزعم أنه واضح اصلا (ص 166)، ويكتشف أنه خراج البلاد كلها، والأنا هنا ليست أنا فردية، انها انا الانسان في الشرق الأوسط، الانسان الهمجي في الشرق الأوسط المتزبل، (ص 170).

تجدر الاشارة الى قصيدة "واقفا على مزارها أنادي". يأتي الشاعر فيها على ذكر القدس مدينته وفجيعته ونهاية الانشاد في نشيده، وبلاغة المطاف في شهادته. وتعني القدس للشاعر الكثير، فلقد أقام فيها منذ فترة وما يزال، وكان من قبل يسافر اليها يوميا، وهي فوق ذلك، للمثقفين الفلسطينيين، مدينة مميزة. انها العاصمة الروحية لهم، العاصمة التي أصبحت منذ الانتفاضة و (مدريد) و (أوسلو) بعيدة جدا، وأصبح الوصول اليها أمنية. ومثلما حوصر الفلسطيني في مدن الضفة والقطاع، حوصرت القدس. كأنما المتكلم جثة وتكون الخاتمة:

"ماذا يبوح في هديله الحمام
قبل ان يموت في الشجن
وقبل أن يصبح عشبة على جدارها
على جداري
في بلد، هو الوطن
قضية، يخرس عن عويلها الكلام
ويسقط الحمام
في الصمت" (ص 152)

واذا كان الحمام رمزا للسلام، وسقط في الصمت، فان السلام يسقط مثله ايضا. ويسأل الشاعر في قصيدة "ليس غير الخريطة" الانسان المتغير من موسكو الى مقديشو، والانسان على رأي عمر بن أبي ربيعة قد يتغير، ولكن مالا يفهمه الشاعر هو:

"كيف تغيرت القدس
حتى دخلت في أورشليم
وخرجت من جسدي" (ص 86)

حقا إن قراءة قصائد علي الخليلي على هذه الشاكلة، قراءة لا تحلل القصيدة من بدايتها الى نهايتها، يجعل من الأمر مشكلة، غير ان ما ينبغي أن يشار اليه هو أن "القرابين اخوتي" كتابة تجسد عبث المرحلة. لقد كان الحلم كبيرا، فكان الشعر كبيرا، ولم يبق من الحلم سوى بقاياه، فلماذا لا تؤول القصيدة الى ما آلت اليه. ولئن أعلن الشاعر، في الفترة التي كانت فيها الثورة قوية، انتماءه للزارع الأول، ولئن أبدى استعداده للتضحية، فلماذا لا يصبح، وقد قبل الفلسطينيون ما رفضوه، خراج البلاد كلها، ولماذا لا يمسي هزل الكلام. ألم تهزل القضية والأحلام ؟ وينهي الشاعر قصيدة الديوان الأخيرة ذات العنوان الدال "الوحلية" بالتالي:

"نعم يا وحل
إن الوجع المستحيل أتى
فكيف أصد من لهب أبا لهب؟
وكيف أصد عن عرب اذى عرب؟
وكيف أصد من جهلي عصا جهلي ؟ "

وما الوجع المستحيل سوى ما أمسيناه عليه. وتبدو خيبة علي الخليلي متعددة الاشكال؛ الخيبة من عدم تحقيق الحلم الوطني حيث لم ينجز الوطن المستقل، والخيبة من النقاد الذين لم يلتفتوا الى اشعاره. وربما كان يعبر، حين ابدى رأيه في القصيدة المنثورة" في الشارع المقدسي أبحث عني فأصطدم بالقصيدة المنثورة الرديئة" (ص 119)، ربما كان يعبر عن رأي كثير من القراء في اشعاره. والقراء الذين أصغوا الى قصائده الكلاسيكية وصفقوا لها، لم يتحمسوا كثيرا الى قصائده التي نشرها، ابتداء، في الصحف والمجلات، ثم أعاد نشرها في المجموعات المذكورة هنا

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى