ياسين رفاعية - الفن الروائي عند العجيلي

هل الدكتور عبد السلام العجيلي كاتب رواية أم كاتب قصة قصيرة، دائماً طرحت على نفسي هذا السؤال، ورأيت دائماً أن الرواية شيء والقصة القصيرة شيء آخر، الرواية في أصولها عالم كبير وتاريخ وجغرافيا واجتماع وسياسة وحب، وأيام وأسابيع وسنوات والخوف من مشكلة الرواية الترهل والإغراق في التفاصيل، ومقتلة الرواية الوصف، خصوصاً الوصف الذي في غير مكانه والذي يجعل من الرواية كتابة صحفية أو ريبورتاج خلخلة الزمن فيها، وفي عدة صفحات أحداث سنوات، وفي عشر صفحات عشر دقائق معظم الرواية العربية تقع في هذا الإشكال، وتسقط.‏
ثم أهم مافي الرواية مطلعها الأول، وحده يجذب القارئ إلى المتابعة. أي أن كتابة الرواية فن رفيع حقاً، فن يتفوق على كل الفنون من هنا للبداية قيمتها، وحدها تشد القارئ إلى الاندماج فيها وقال لي عبد السلام العجيلي مرة إن نصف نجاح الرواية جاذبيتها في اللحظات الأولى ثم يأتي الشكل والمضمون.‏
في الحديث عن عبد السلام العجيلي قبل كل شيء إنه إنسان بكل ما تعني هذه الكلمة، وحضاري أيضاً، وعندما كان نائباً في المجلس النيابي عام 48، ترك النيابة والتحق بجيش الإنقاذ الذي كان يقوده. فوزي القاوقجي، على أمل تحرير فلسطين منه، حسب العصابات الصهيونية وطبعاً كان ذلك بالنسبة للشاب المتحمس عبد السلام العجيلي مغامرة غير محسوبة أيضاً، أي إنه كان يمكن له أن لا يعود، لكن دللت على عمق وطنيته، ونحن –كما نعرف- أنه كالأمير، إذا لم يكن بالفعل أميراً وعائلة العجيلي تكاد تكون مقدسة في هذه المنطقة، أي أنه كان ممسكاً بالمجد من كل أطرافه، ومع ذلك ذهب إلى تلك المغامرة التي كان يمكن له فيها أن يستشهد بالطبع، كما نعرف جميعاً عاد خائباً عندما قررت الدولة العربية إبعاد جيش الإنقاذ عن المعركة التي لو استمر بها لكنا الآن لم نسمع بشيء اسمه "إسرائيل". دخلت الجيوش العربية، وللأسف لم تكن جيوشاً صالحة للقتال، وكان دخولها مؤامرة على طريقة(ماكو أوامر) وجاءت وراء ذلك الهزائم تلو الهزائم.‏
كان عبد السلام العجيلي مناضلاً بكل المقاييس، ودوداً متواضعاً وإنساناً رامياً، فلم يشمخ بأنفه على أحد وهو في السلطة أذكر أنه لمجرد استلامه وزارة الخارجية في عهد من العهود السابقة أصدر أول قرار بإنقاذ الشاعر الراحل نزار قباني من الموت البطيء، في الصيف عندما كان مستشاراً ثقافياً لسفارتنا في بكين، أبرق له نزار، أنقذني، فلم يتأخر العجيلي، ونقله إلى القاهرة على ما أذكر.‏
قبل ثلاث سنوات تقريباً استضافه اتحاد الطلبة السوريين في الجامعة الأميركية في بيروت، وقدمته بكلمة مختصرة بأنه كان وما زال أمير القصة القصيرة، وبهذه المناسبة أريد أن أقول إنني أحببت قصص العجيلي القصيرة، قبل رواياته، هذا الرجل خُلق كاتب قصة من طراز رفيع، وإنني أؤكد ليس هناك كاتب عربي بمستوى قصص العجيلي القصيرة، فهو رائع فيها إلى حد كبير، وكل قصة تترك في النفس أبلغ الأثر متماسكة شكلاً ومضموناً ولغة، وأهم مافي قصص العجيلي لغته العربية ليست في فصاحتها وحسب، بل في إنزالها الموقع الذي لا يمكن أبداً تغييره، إنها المعنى حفراً وتنزيلاً في المكان المطلوب في قصص عبد السلام العجيلي لا يمكن أن تحذف منها كلمة أو سطراً. إنها مشدودة وملزوزة بعضها ببعض كما لو أنها سلسلة أو سبحة إذا فقدت حبة منها انفرطت كلها.‏
وإذا كان لي أن أتذكر من بين قصصه الرائعة قصة قرأتها قبل أربعين عاماً. أؤكد قبل أربعين عاماً ما زالت ماثلة في ذاكرتي إلى اليوم، هي بعنوان: "مصرع أحمد بن محمد حنطي" قصة من عشر صفحات أو أكثر أمسكت بي حتى اللهاث والرعب أيضاً، إنسان أصيب برصاصة أو عدة رصاصات في منطقة نائية في الصحراء، ولم يجدوا وسيلة لإنقاذه إلا حمله على شاحنة تحمل أكياساً من الطحين، أظن إلى دير الزور أو ما أشبه –لم أعد أتذكر القصة كلها- إنه يتداعى بأفكاره كمنولوج حيث يموت أو لا يموت، ينقدونه أو لا ينقدونه، وكيف تسقط حباته كلها في لحظة واحدة كتبت بأسلوب فلاش باك، بتوتر عال كما هو توتر الكهرباء العالي. بحيث يجد القارئ نفسه كأنه هو القتيل، وبالفعل كنت أتحسس جسدي كأنني كنت أنا القتيل.‏
معظم قصص العجيلي على هذه الشاكلة، إنها حياة زاخرة بحياة الناس ومستوحاة بعمق من أعماق وجودهم وتفاصيل عيشهم اليومي، وإن أردت الاختصار أقول إن العجيلي نفسه هو قصة كبيرة، إنه يتلبس الحالة إلى حد الانعجان بها بل الالتحام بتفاصيلها. هكذا تخرج القصة من يديه بناءً محكماً إلى آخر الحدود شكلاً ومضموناً.‏
إنه عالم ساحر بامتياز. لا يمكن لغير العجيلي أن يقدمه لنا، وكنت أعتبر دائماً أن القصة القصيرة هي تمرين على الرواية. فالقصة تعلم الكاتب الاختزال. بحيث كل كلمة في مكانها. كما تعلمه ضبط الزمن. هذه قضية مهمة جداً كما ذكرت. وأكثر كتابنا لا ينتبهون إلى هذه الناحية. لكن العجيلي كان منتبهاً لها تماماً، فإذا ألقينا نظرة عجلى على إنتاجه القصصي نجد أنه كان يطوّر القصة من القصيرة إلى الأطول قليلاً إلى القصة الطويلة، ثم أخيراً إلى الرواية. هذا واضح في مجموعته "رصيف العذراء السوداء" التي ضمّت فقط ثلاث قصص طويلة. أو كما عبر عنها على الغلاف الأخير "ثلاث قصص قصيرة طويلة"، والقصص هي إلى جانب رصيف العذراء السوداء قصتا: كوكب الغيرة، والأحجية، قصة العذراء وسمعناها منه في دمشق، قبل أن نقرأها منشورة عام 1960. بينما نشر القصتين الأخريين وقرأهما قبلاً عام 1983. فرق كبير بين تاريخ كل قصة. وأنا صنفت "رصيف العذراء السوداء" رواية قصيرة، وليست قصة طويلة، لأنها محبوكة جيداً، وبالنسبة لي الأحب، بل لا أتعاطف مع الرواية التي تلبس ثوباً فضفاضاً ومسترخية على كيفها، وأتمناها ممسوكة جيداً، لأن الرواية في الثرثرة التي لا طائل منها تترهل وتتفلت بحيث تضيع الفكرة التي يريد الكاتب التعبير عنها، وباختصار فإنني من هواة قراءة الرواية ذات الحجم المعتدل. وهذا أدركه الكاتب العجيلي. فلم تتجاوز أطول رواية عنده الـ250 صفحة من القطع الوسط، العذراء السوداء، لنأخذ منها هذا المشهد الذي تبدو اللغة فيه عادية بسيطة، ولكن من يمعن النظر ينتبه إلى العمق الذي يعبر عنه العجيلي بتلك البساطة:‏
حيث يمرر أفكاره والأشياء التي يؤمن بها ضمن السياق، تقول تلك العذراء: هذه كتابة عربية.. فهل باستطاعتك أن تعرفني بما تعنيه؟ وكانت بذلك تشير إلى جملة.. لا شيء أجمل من الحب" فقرأ لها عباس الجملة بالعربية وترجمها لها ثم قال ضاحكاً: "كل ينادي على ما عنده. ترى كم يكون عدد رواد هذا المكان لو أنهم كتبوا في هذه المستطيلات الشعار الذي كان يحتلها جدران الحمراء (يقصد قصر الحمراء في الأندلس): لا غالب إلا الله؛ لقد استبدلوه بشعار أكثر جلباً للربح وأقرب إلى قلوب من يجيء وصديقته إليهم في آخر الليل. لا غالب إلا الله.. لا شيء أجمل من الحب، ما أبعد مابين الشعارين؟ فالتفتت ماريا لينا إلى عباس وقالت، وكل ملامح الجد على وجهها: ما أبعد. أنا لا أدري بعداً يا صديقي.. فالله محبة. فابتسم عباس لحرارة لهجة ماريا لينا ولم يقل شيئاً، فعادت هي تقول: الله محبة.. أليس هذا صحيحاً يا عباس، أنا مؤمنة بهذا.. ويجدر بك وأنت في زهرة عمرك أن تؤمن مثلي. فالتفت عباس الصدر الملهى حيث كان أحد أفراد التخت يعلن عن راقصة جديدة ستبرز مغدقاً عليها كل نعوت الفتنة والرشاقة والإبداع الفني وقال: أنت يا عزيزتي حرة في أن تؤمني بما تشائين: الله عندك محبة. أما أنا فالله عندي معرفة... نعم.. الله معرفة. وهنا بيت القصيد، ففي هذا الحوار الممتع يصل إلى الفلاش باك بشعار مخالف لـ"الله محبة" إلى الله معرفة. وهكذا انتقل العجيلي إلى كتابة الرواية بتلك الحرفية المتقنة التي علمته إياها القصة القصيرة.‏
كتب العجيلي حوالي عشر روايات أو تسع: باسمة بين الدموع، قلوب على الأسلاك، أرض السياد، حب أول وحب أخير، أجملهن، مجهولة على الطريق، قلوب على الأسلاك، أزاهير تشرين المدماة، المغمورون، وتجربة جديدة في الرواية العربية، وهي كتابة رواية مشتركة مع كاتب آخر عنوانها: "ألوان الحب الثلاثة" مع كاتب لم نر اسمه فيما بعد في أي عمل، وهو أنور قصيباتي. قلت تجربة جديدة بالنسبة للعجيلي وليست جديدة بالنسبة للآداب الأخرى، فهناك رواية مشتركة كتبتها كل من الشاعرة الراحلة هيام نويلاتي وصديقتها التي توفيت بعدها بأكثر من ثلاثين عاماً هي الراحلة خديجة الجراح النشواتي التي كانت توقع إنتاجها باسم: أم عصام، وفي الأدب الغربي ثمة تجارب من هذا النوع، بل حتى في الشعر في شاعرين يشتركان في كتابة قصيدة واحدة.‏
الحب هو الترسانة المسلحة في كل قصص وروايات عبد السلام العجيلي وعليه بنى معظم أعماله، ولكن ليس هذا معناه أنه لم يكتب في أمور أخرى، فهناك قصص وطنية أيضاً وروايته: أزاهير تشرين المدماة وطنية بامتياز حيث استلهمها من حرب تشرين التحريرية التي انحرف عن أهدافها –وياللأسف- الرئيس المصري أنور السادات.‏
إن الحياة عند عبد السلام العجيلي بكل تداعياتها سجلها العجيلي بقلم رهيف وصادق وأصيل، إنه كاتب مقروء من مختلف طبقات الشعب وهنا تتجلى أهميته، يقرأه الخاصة فيظنون أن الكاتب يتوجه إليهم فقط، ويقرأها العامة فيظنون نفس الظن، لا غموض، سلاسة باهرة، حوار جذاب، وحوار بالفصحى المفهومة جيداً للجميع. لم يكتب العجيلي حوار بالعامية أبداً، إنه كاتب يعتز بلغته العربية الفخمة المبسطة في آن، ويمكن لأي امرئ أن يقرأ نصاله من دون اسمه يعرفه على الفور، وبالطبع فإن العجيلي كان منتبهاً على الدوام في أعماله القصصية أو الروائية بالزمن، بالإيقاع التاريخي والجغرافي، ليس من خطأ واحد في هذا المجال، إنه يعي عمله الفني جيداً. لم يكن يكتب للتسلية، وإن كان البعض ظن ذلك، وقد أفادته رحلاته في أصقاع الأرض كثيراً، فلم يكتب الرواية المحلية بل كتب الرواية المحلية العربية العالمية في وقت واحد. فأي قارئ في أي بلد يندمج بأعماله ويُعجب بها ويشعر أنه يعرف هذه البيئة أو تتعرف عليه، المستشرقون أدركوا هذه الخاصية في أدب العجيلي وتحدثوا مطولاً عنها. ومن قرأ أدبه المترجم إلى الغرب من سكان الغرب أشاروا إليه بإعجاب. لقد عبر عن بيئته العربية بامتياز. فإذا كان بعض كتابنا تناولوا من هذه البيئة الصورة القبيحة وجسدّوها في كتاباتهم، فإن العجيلي لم يفعل ذلك أبداً، لأنه كان يعتز بأهله. يعتز بعشيرته، بمدينته الرقة التي ظل فيها حتى هذا اليوم –أطال الله عمره-بوطنه. بل بكرامة الإنسان العربي سواء كان صغيراً أم كبيراً.‏
أتذكر ذات يوم في أواخر الثمانينات وكنت أعمل في مجلة تصدر في لندن أن اتصل بي مسؤول كبير في العراق وقال: ما رأيك أن نعلن جائزة صدام حسين هذا العام للعجيلي. قلت: إياكم أن تفعلوا... وإلا سيرفضها. فطلب مني أن أسأله. فهتفت للدكتور العجيلي اقترح عليه ذلك. فقال لي: مالي والجوائز يا أخي ياسين، قل لهم لست بحاجة لها. وجميعكم كان يعرف ماذا صنع الحداد في ذلك الوقت بين سورياوالعراق. وأذكر أن الجائزة منحت في ذلك الوقت بديلاً عن العجيلي للشاعر السوداني محمد الفيتوري.‏
أذكر بهذه المناسبة أن العجيلي جاء إلى لندن والتقينا به مراراً، وقبل سفره بأيام دعانا إلى العشاء الناقد المعروف خلدون الشمعة وزوجته وأنا وزوجتي الراحلة الشاعرة أمل جراح. وكان موعدنا أن نلتقي به الساعة السابعة مساءً في الفندق الذي كان نازلاً فيه مع زوجته. وصلنا إلى بهو الفندق في تمام الساعة السابعة، فوجدنا العجيلي يعيش في الصالة الرئيسية قلقاً وغاضباً، وما إن رآني حتى ارتكن بي جانباً معاتباً وهو يقول؛ ساعة كاملة وأنا أنتظر... هل هذا معقول هكذا مواعيدك فاستغربت ذلك. وظننت أنه كان قد أعطانا موعداً آخر. وعندما جلسنا على مائدة الطعام، كان غضبه لم يغادره إلى أن اكتشفنا السر، إذ كان التوقيت الصيفي قد بدأ وأنا أحزم حقائبي للمجيء إلى مدينة العجيلي هذه الرقة الجميلة فقده كنت أحمل مغلفين الأول فيه ماكان يجب أن أُلقيِه عليكم وما كتبته لأسابيع عدة ومغلف آخر فيه دستة من الورق الأبيض. فتركت الدراسة وأتيت بالورق الأبيض. وإذ كنت البارحة أسحب من المغلف المحاضرة فإذا بي أسحب الورق الأبيض الذي ليس عليه أي كتابة. فوقعت –كما تقول العرب-في حيص بيص. ماذا أفعل... واسمي بالبنط العريض إنني سأكون من بين المتحدثين عن العجيلي. ركبني هم وحزن بل وألم. واتخذت قراراً أن أسافر إلى دمشق في الليلة نفسها أجلب المحاضرة وأعود.. ووجدت أن ذلك أصبح صعباً عليَّ بعد رحلة ست ساعات في البولمان وما كابدناه من تعب. وجاءني الإنقاذ العاجل من الأستاذ محمد جدّوع صاحب كتاب: التاريخ والعجيلي، الذي حمل إلى كل إنتاج العجيلي ووضعه بين يدي، فاستأنست به، واستطعت أن أكتب لكم هذه الصفحات، فآمل أن أ كون قد أصبت.‏



......................................
*جريدة الاسبوع الادبي العدد 999 تاريخ 25/3/2006م.
  • Like
التفاعلات: فائد البكري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى