حسام الحداد ـ سيرورة التحول.. التشكيلات السريالية في شعر عبد الرؤوف بطيخ

يأتي نص "الآن أكتب باللون الأحمر"
للشاعر "عبد الرؤوف بطيخ" كبنية لغوية متفردة تعيد تشكيل الواقع من خلال عدسة السريالية، حيث يتجاوز النص في طروحاته مجرد المحاكاة المباشرة للطبيعة إلى تأسيس كون شعري مستقل تسيطر عليه قوانين الخيال المتوثب. إننا أمام قصيدة لا تنظر إلى اللغة كوعاءٍ ناقلٍ للمعنى، بل كطاقةٍ ديناميكيةٍ فاعلة، تسعى لتفكيك المنطق المادي الصارم واستبداله بسيرورة دائمة من التحولات الجمالية. ومن خلال هذه القراءة، سنعمل على استنطاق طبقات النص العميقة، متجاوزين ثبات المعجم نحو ديناميكية الرمز، لنكشف كيف استطاعت الذات الشاعرة أن تصهر القلق الوجودي في بوتقة من الألوان والصور التي تقاوم الفناء، وتؤسس لفضاءٍ شعريٍّ تتصالح فيه الحواس مع الرؤى.
لا يقف هذا التحليل عند حدود القراءة الانطباعية، بل يتخذ من المناهج النقدية الحديثة—البنيوية، والألسنية، وتحليل الخطاب، والنقد التحليلي—أدواتٍ لتفكيك هذه "الآلة الدلالية" التي شيدها الشاعر. ففي ظل سيطرة الأيقونات الأسطورية والمفارقات المتضادة، تبرز القصيدة كفعلٍ احتجاجيٍّ على رتابة الوجود، محولةً اللغة إلى "جسدٍ" نابضٍ يعيش أزماته وأحلامه. إننا هنا بصدد محاولة رصد "السيمفونية السريالية" التي أنتجها بطيخ، والتي تضع القارئ أمام تساؤلات جوهرية حول قدرة الشعر على منح المعنى في عالمٍ يتساقط، مستلهمين في ذلك قدرة النص على الانزياح من سلطة الواقع نحو رحابة المطلق.

النص بوصفه بنية مغلقة وعالمًا لغويًا مستقلًا:
ينبني النص في جوهره بوصفه نظامًا مغلقًا من العلامات المتشابكة، حيث لا يطمح الشاعر إلى محاكاة الواقع الخارجي أو تصوير أحداثٍ موضوعية، بل يسعى إلى تشييد "عالم سريالي" موازٍ لا يجد مرجعيته إلا داخل اللغة نفسها. في هذا الإطار البنيوي، تصبح المفردات والصور ليست مجرد أدوات للإخبار، بل هي وحدات دلالية تتفاعل لتشكيل كيانٍ شعريٍ مكتفٍ بذاته، حيث تكتسب الكلمات معانيها من علاقتها ببقية العناصر داخل القصيدة، وليس من علاقتها بالأشياء الموجودة في العالم الحقيقي؛ فالعالم هنا يُخلق باللغة، وبها يتم استبدال المنطق الواقعي بـ "منطق شعري" صارم ومغلق.
تتأسس هندسة النص على شبكة دقيقة من الثنائيات الضدية (Binary Oppositions) التي تعمل كمحركٍ دراميٍ يمنع القصيدة من السكون، ويضخ فيها توترًا مستمرًا. نجد تجليات هذه الثنائيات في التضاد بين "الحركة" (طيور تعود، خيول تعبر) و"السكون" (نوم عميق، مكان بلا ريح)، مما يخلق حالة من التجاذب والتدافع، وكذلك في ثنائية "النور والظلمة" التي تتجسد في التقابل بين إشراق الشمس وظلمة الليل التي تتحول إلى "ظلام متحرر"، وهي ثنائية لا تنتهي بانتصار أحد الطرفين، بل بامتزاجهما في دلالة جديدة، وصولًا إلى ثنائية "البراءة والوحشية" التي تظهر في تداخل مفردات النقاء (بكر، طفولة) مع مفردات العنف والاندفاع (الوحشية، المسارات الشريرة).
تتجلى البنية العميقة للنص في تبنيه لفلسفة "التحول المستمر" (Metamorphosis) كبديلٍ عن الثبات أو الاستقرار الهوياتي. إن الذات الشاعرة في هذا النص لا تتخذ موقعًا ثابتًا، بل هي ذاتٌ متفلّتةٌ من قيود التحديد؛ فهي "تتحول إلى اللون الأحمر"، وتارة "تصبح مريضًا"، وأخرى "تصبح حصة الشيطان"، وهو ما يعكس بنية عميقة تقوم على "السيرورة" (Becoming) لا "الكينونة" (Being). هذه الحركة الدؤوبة في تحول الذات تعكس رغبة النص في كسر الأطر التقليدية للهوية، حيث يتم استبدال مفهوم "الأنا" المستقرة بمفهوم "الأنا" التي تتشكل وتتلاشى وتتغير بتغير اللحظة الشعرية.
بعيداً عن أي إحالات للسيرة الذاتية أو إسقاطات خارجية، يتشكل المعنى في هذا النص من خلال العلاقات التبادلية بين العناصر الداخلية للنص. إن البنية العميقة هنا ليست مخبأة في طيات القصيدة، بل هي نتاج التفاعل المستمر بين الرموز (مثل قيثارات الألاموس، زهرة أدونيس، أمواج بوسيدون) وبين البناء النحوي والصوري. إن المعنى "يُنتج" ولا "يُستقبل"؛ فهو ينبثق من تقاطع تلك الرموز مع بنية التحول السريالي، ليصبح القارئ أمام نصٍّ يعمل كآلةٍ لإنتاج الدلالة، حيث كل عنصرٍ فيه هو شرطٌ لوجود العنصر الآخر، مما يجعل التماسك البنيوي للقصيدة مرتهنًا بالتناغم العجائبي بين أجزائها وليس بمنطق العقل المعتاد.

تقويض العلاقات التواضعية وتحرير الدلالة:
يعمل النص على زعزعة المنظومة اللغوية المألوفة عبر تقويض العلاقات التقليدية بين "الدال" و"المدلول"، حيث يتجاوز الشاعر المعايير الإسنادية للنحو والمنطق ليؤسس "دلالة سريالية" قائمة على المصادمة الصورية. هذا التحرر من الوظيفة الإخبارية المباشرة للغة يفسح المجال أمام تحويل الكلمات من مجرد وسائط لنقل الأفكار إلى طاقة تصويرية مستقلة؛ ففي تراكيب مثل "القمر المدبّغ" أو "القمامة الخضراء النابضة بالحياة"، يتم شحن اللفظ بمدلولات غير متوقعة، مما يجبر المتلقي على التخلي عن التفسير المنطقي والارتهان للمناخ الشعري الذي يخلقه التقاء المفردات في سياقاتها غير المتجانسة.
تتضح براعة النص في توظيف "الانزياحات الأسلوبية" التي تشكل حجر الزاوية في بنيته التعبيرية، حيث تبتعد الجملة الشعرية عن سياقاتها النمطية لتدخل في صراعات بلاغية تعيد تعريف الأشياء. إن تشبيه "الأسماك" بـ "زهرة" ليس مجرد استعارة، بل هو انزياحٌ يربط بين عالمين متباعدين (عالم الماء وعالم النبات) لينتج صورة مركبة تعيد بناء الواقع وفق رؤية الشاعر. هذا الانزياح هو الوسيلة التي يعبّر بها النص عن رفضه للغة الوصفية المباشرة، محولاً النص إلى لوحة تشكيلية حيث تكون الكلمة أقرب إلى اللون والخط منها إلى المعجم النحوي.
يبرز المستوى التركيبي في النص من خلال التوظيف المكثف والمدروس لظاهرة "التكرار الاستهلالي" (Anaphora) المرتبط بكلمة "الآن"، وهي ليست مجرد مؤشر زمني فيزيائي يحدد لحظة حدوث الفعل، بل هي "زمكانية إبداعية" تحول لحظة الكتابة إلى حالة وجودية ممتدة. إن هذا التكرار يعمل كبؤرة تتجمع فيها كل خيوط القصيدة؛ فكل "آن" هي اختزال للماضي واستشراف للمستقبل في "لحظة إبداعية" واحدة. هذا الزمن السريالي الذي يفرضه الشاعر يعطل التتابع الخطي للزمن، ليصبح كل فعل شعري "حاضراً أزلياً" لا يعرف الانقضاء، مما يمنح النص ديمومةً متجددة مع كل قراءة.
على مستوى توظيف الرموز، يبتعد النص عن الاستعمال التقليدي للأيقونات الأسطورية كإحالات تاريخية أو ثقافية جاهزة؛ فاستحضار شخصيات مثل "بوسيدون"، "فينوس"، و"أفروديت" يأتي بوصفه استدعاءً لـ "الجمال الخام" و"الخصوبة البدائية". هذه الرموز تعمل داخل النص كجسور تربط بين الحاضر الإنساني الممزق وبين زمن الأسطورة الموحد والكامل. إنها رموزٌ وظيفيةٌ تتفاعل مع بنية الجملة لتكريس حالة من الانعتاق، حيث يعيد الشاعر بناء هذه الأساطير لتكون أوعيةً للشغف البشري، محولاً إياها من أصنامٍ ثابتة في ذاكرة التاريخ إلى عناصر نابضة بالحياة داخل النسيج اللغوي للقصيدة.

النص كخطاب تمرّد على عقلانية المؤسسة اللغوية:
يتموضع نص عبد الرؤوف بطيخ بوصفه خطاباً متمسكاً برفضه لـ "عقلانية" اللغة المؤسساتية التي تسعى لضبط المعنى وتنميطه. إن هذا الخطاب لا يمارس التواصل بمعناه التداولي البسيط، بل يمارس "احتجاجاً لغوياً" ضد المنطق الصارم الذي تفرضه اللغة كأداة للسلطة أو التوثيق. من خلال تفكيك العلاقات النحوية والدلالية، يتحول النص إلى مساحة تحررية تتجاوز منطق "الإبلاغ" لتصل إلى منطقة "الإبهار" و"الدهشة"، حيث تعلن الذات الشاعرة استقلالها التام عن قوانين اللغة المعتادة، لتصيغ قوانينها الخاصة التي تحكم عالم القصيدة.
تتجلى "الذات الشاعرة" في هذا الخطاب كذاتٍ تلفظية متعالية تفرض سلطتها المطلقة عبر فعل الكتابة ذاته. إن تكرار أفعال مثل "أكتبك"، "أشرع في"، "أرسم"، "أحيل"، يكشف عن انتقال مركز الثقل من "المكتوب" إلى "فعل الكتابة"؛ فالكتابة هنا لا تهدف إلى توثيق وجودٍ مسبق، بل هي فعلٌ "خلقي" (Demiurgic) يبتكر الواقع ويشيده. هذه السلطة الإبداعية هي التي تمنح الشاعر القدرة على "تلوين العالم بالشعر"، حيث يصبح النص هو المرجع الوحيد للوجود، وتصبح الذات هي المشرّع الذي يحدد ملامح هذا العالم السريالي.
يفترض النص وجود "متلقٍ ضمني" ذي مواصفات خاصة، لا يُنتظر منه استخراج رسالة فكرية أو أخلاقية، بل يُطلب منه الانخراط في "اللعبة السريالية" التي يقترحها النص. إن هذا المتلقي مطالبٌ بالتحلل من رغباته العقلانية في التأويل، وبأن يفتح حواسه لتلقي الصدمات الجمالية والدهشة البصرية. إن سلطة الخطاب هنا تنجح في "توجيه" المتلقي نحو تبني زاوية نظرٍ مباغتة، تجعله شريكاً في هدم الحواجز الفاصلة بين الحلم والواقع، وبين "الأنا" و"الآخر"، ليتحول القارئ من مستهلكٍ للقصيدة إلى فاعلٍ داخل نسيجها المتخيل.
يعكس هذا الخطاب محاولة لتفكيك الأيديولوجيات الثقافية التقليدية التي تحصر دور الشاعر في "وصف" العالم، ليعيد إنتاجه كفضاءٍ مفتوح للرغبة والاحتجاج. من خلال استحضار صورٍ تنتمي للذاكرة الثقافية العالمية (أيقونات، أساطير) وإعادة دمجها في سياق شخصي سريالي، يقوم الشاعر بتفكيك "مركزية" هذه الرموز وتجريدها من دلالاتها المدرسية الجاهزة. بذلك، يعيد النص إنتاج نفسه كخطاب "مقاوم" للجمود الفكري، حيث يتم نقد أساليب الحياة المكرسة من خلال استنشاق "رفاهية الناس وأمراضهم" ثم الهروب منها إلى آفاق التخيل المطلق، مما يمنح النص ثقله النقدي في قلب الخطاب الأدبي المعاصر.

استنطاق المسكوت عنه:
على القارئ أن يغوص في المساحات البيضاء والصدوع الموجودة بين سطور النص، ليكشف أن السريالية المفرطة ليست مجرد أسلوب تقني، بل هي "قناع استراتيجي" يرتديه الشاعر ليغطي به قلقًا وجوديًا عميقًا. إن الألوان الصارخة (الأحمر، الأخضر، الزئبق) التي تضج بها القصيدة تعمل كحاجزٍ دفاعي أمام "الخوف من الموت" و"الضجر الوجودي" الذي يتربص بالذات. هذا الفراغ الذي يتخلل المشاهد السريالية ليس عيباً بنيوياً، بل هو تجسيد لـ "رعب وجودي" حقيقي، حيث يدرك الشاعر هشاشة الكائن البشري الذي "يتساقط مثل ريش أجنحة الطيور" في مواجهة حتمية الفناء والزمن الذي يصفه بـ "الساعات الصعبة".
ويتحرك النص في منطقة تأرجح فلسفية دقيقة، فهو يتراوح بين رغبة عارمة في "الاندماج الكلي" مع العالم المادي عبر الطبيعة والأساطير والحوريات، وبين "اغتراب واعي" يجعله ينظر إلى هذا الواقع بعين السخرية والشك. إن اعتراف الشاعر بـ "حب الملل" ووصفه لبعض الممارسات بـ "الحشرات الشعرية الزائفة" يكشف عن وعي نقدي حاد بالذات وبالعالم. هذه الجدلية تضعنا أمام تجسيد حي لثنائية "الشاعر/الخالق"، حيث يرفض الشاعر المنطق المادي المبتذل للعالم، محاولاً الاستعاضة عنه بـ "منطق الخيال المطلق" الذي يمنحه سلطة السيادة على كونه الشعري الخاص.
في محطة التركيب النقدي، يتبدى نص عبد الرؤوف بطيخ كفعل "احتجاج لغوي" بامتياز ضد رتابة الواقع المادي. إن النص لا يقدم مجرد متوالية من الصور السريالية العبثية، بل يعمل كـ "محركٍ" نشطٍ يستحضر الجمال من قلب الفوضى والاضطراب. إن الشاعر يرفض الاستسلام للواقع، فيقوم بتفكيكه ليعيد تركيبه عبر فلاتر سريالية، مما يجعل القصيدة تتحول إلى "مساحة مقاومة" لا تقبل بالخضوع للمنطق السائد، بل تفرض قانونها الخاص القائم على الدهشة وتعدد المعاني.
تتجلى قوة العمل في قدرة الشاعر المذهلة على "تجسيد" اللغة؛ فكلماته لا تُقرأ بالعقل وحده، بل تُشعر بها كـ "أحاسيس فيزيائية" (مثل قوله: "أنا أتحول إلى اللون الأحمر"). هذا التوحد بين الكلمة والجسد يمنح القصيدة أبعاداً تطهيرية، حيث تتحول عملية الكتابة إلى طقس "تطهير" (Catharsis) من خطايا العالم وأدرانه. إن القصيدة هنا ليست مجرد ورقة مكتوبة، بل هي "فضاء للتكفير" عن الإحباطات، ومنصة للتحليق بعيداً عن أوعية الأحلام الفارغة التي يحاول العالم المادي فرضها على الفرد.
على الرغم من فوضى الصور السريالية، يظل النص متمسكاً بوحدة عضوية فريدة بفضل "إيقاع العاطفة" المتدفق. هذا الإيقاع يتجاوز في فاعليته القواعد العروضية التقليدية؛ فهو إيقاع داخلي نابع من اضطراب القلب وتواتر الصور. إننا أمام "سيمفونية" من التشبيهات والاستعارات التي تتكاثر ذاتياً وتتوالد من بعضها البعض، مما يجعل النص كائناً حياً يتنفس، وهي دعوة صريحة للتحرر من كافة أشكال "السلطة" عبر بوابة "الحب" و"الخيال"، مؤكدة أن الشعر هو الحقيقة الصامدة والوحيدة في عالم يهرول نحو الزوال.

ختاماً، نجح عبد الرؤوف بطيخ في خلق عالمٍ موازٍ يتميز بثرائه البصري واللغوي، إلا أن هذا العالم يظل حبيس "اللذة النصية" التي تحيط بالشاعر وتحميه. إن محاولة إشباع "الجوع الوجودي" بـ "زهرة الكبريت" أو "اللون الأحمر" تعكس انتصاراً للجمال على المنطق، وللحلم على الحقيقة؛ وهو انتصارٌ مشروعٌ في عالم الأدب، لكنه يترك القارئ دائماً أمام تساؤل: إلى أي مدى يمكن للخيال أن يحمينا من قسوة الواقع؟ إن النص في جوهره هو "ملاذٌ أخلاقي وجمالي"، يثبت أن الشعر ليس مجرد ترف، بل هو الضرورة القصوى للإنسان عندما تضيق به دروب المنطق المادي.

النص
الآن أكتب باللون الأحمر
عبدالرؤوف بطيخ. مصر


1
طيورُ الطفولةِ تَعودُ الآنَ إلى المَحاريثِ
ليعودَ القمرُ المُدَبَّغُ لِكشفِ الحِجابِ الحاجزِ
في الآفاقِ، الشَّغفِ، الحَنينِ، في قُبلةٍ
عينُ القمرِ تَتَفَتَّحُ على وَردةِ ليلَكٍ بيضاءَ
لِتَتَكاثَرَ ذاكرتي في قيثاراتِ الأَلاموسِ
الملحدُ الآنَ يُوَبِّخُ الحيواناتِ البريةَ في القلبِ
الآنَ قوسُ قُزَحَ يَرسُمُ الأصواتَ
أتحوّلُ إلى اللونِ الأحمرِ
جميعُ الأصواتِ غيرُ المحسوسةِ
تَخْثُرُ الدمَ
الآنَ أُصبِحُ مريضًا من الأصواتِ
الآنَ أعيشُ هواجسَ عِشقٍ يُعيدُ شبابَ الدادا
2
الإيقاعُ الداخليُّ للكلماتِ يَنفجِرُ
إيقاعُ خيولٍ تَعبرُ بحرَ إيجةَ في موسمِ التزاوجِ
والقلبُ، يا المولودَ الجديدَ
أغنيةُ راعٍ يذوبُ في قطيعٍ جياشٍ من الشغفِ
يا زهرةَ الكبريتِ الجامحةَ
المثانةُ مُحتقنةٌ في الليلكِ والصورِ السرياليةِ
ليستِ المرحلةُ الزرقاءُ لبيكاسو
بل هي أقربُ إلى مرحلةِ دوشامبَ الأولى
بِكرٌ حدَّ الوحشيةِ
الأمواجُ تُشعلُنا مثلَ الزئبقِ
وأنا شاعرٌ يجاوزُ المسافاتِ والجذرَ
الآنَ شفتيكِ تُصَفِّرُ بألوانٍ جميلةٍ
في قلبِ الأيقوناتِ
الأسماكُ متعدّدةُ الألوانِ مثلَ زهرةٍ
3
في عضلةِ القلبِ أشعةٌ واحدةٌ للشمسِ
غناءُ ليالينا حولَ الشمسِ
على شواطئِ بحرِ إيجةَ
نرعى زهرةَ أدونيس
في الروحِ الباردةِ، لم أعد وحيدًا
أسبحُ في عينيكِ
وعضُّ النجمِ
شعري يُصَفِّرُ للطيورِ البيضاءِ
الآنَ الريحُ تمزّقُ الثيابَ والحواجزَ
وأمواجُ بوسيدون تكشفُ عن أعضاءِ فينوس
يا نافذةَ روحي الهائمةِ في الجنةِ
الآنَ ترفرفُ روحُكِ في غرفتي، لا في الحلمِ
فيصبحُ تركيزُ الألوانِ مجنونًا
4
أزهارُ البندولِ والريشُ يُحيطانِ نورَ وجهِكِ
فلنشرعْ في تلوينِ العالمِ بالشعرِ
أثداؤُكِ شكلُ النجومِ
كبلوراتٍ في قوةِ بركانٍ أحرقَ البازيليكا
مجنونٌ هو الشاعرُ
يتسلّقُ إلى سماءِ نجمِكِ التائهِ في المدارِ
والجوعُ يُزكّي حريقَ الدمِ
والقمامةُ الخضراءُ نابضةٌ بالحياةِ
في سنِّ المراهقةِ
وتقويمُ الخريفِ محفورٌ على كلِّ شجرةٍ
وعضوُ حبي مبتدئٌ، بكرٌ
وأنا السيدُ الشاعرُ الصاعدُ إليكِ
من القلبِ ينهضُ شغفٌ غريبٌ
ضحكتُكِ تأكلُ الشمسَ في حدودٍ جميلةٍ
5
أشرعُ في الحبِّ
أشرعُ في الكتابةِ باللونِ الأحمرِ
أنظرُ إليكِ كيانًا من المناظرِ الطبيعيةِ
الجنّاتِ، الحورياتِ في الأساطيرِ
في البحارِ العميقةِ
وأنا الحصانُ الأخضرُ
يرعى على موسيقى فلوتِ راعٍ
والجوعُ مرارةُ الطاووسِ
ضبابُ الملحِ في السماءِ
والنصُّ مساحةٌ صغيرةٌ للبكاءِ
لنذهبْ في نومٍ عميقٍ بالأحمرِ، الأسودِ، الأخضرِ
الآنَ أصبحتْ شمسي تشرقُ في الليلِ من البحرِ
6
الآنَ الجمالُ سيكونُ ساذجًا أو لن يكونَ
في حضورِكِ تخبو الأضواءُ الساطعةُ بكسلٍ غريبٍ
كأفروديتَ ترعى خسارةَ الحبِّ في قلوبِ البشرِ
أكتبُكِ الآنَ فتخرجُ الحروفُ بطزاجةِ ابتسامتِكِ
أكتبُكِ الآنَ فتمتدُّ ألسنةُ اللهبِ إلى القلبِ
أكتبُكِ الآنَ كي أعبرَ السطورَ نحوَ شلالاتِكِ
أكتبُكِ الآنَ فأرسمُ المثلثَ وشجرةَ الكرزِ
أكتبُكِ الآنَ ويبدأ الصراخُ، مزاميرُ تتكاثرُ
أكتبُكِ الآنَ في أيارَ كي أرسمَ نظراتِنا الوحشيةَ
أكتبُكِ الآنَ كربّاتِ الحُسنِ والإلهامِ لأنكِ تحبينَ الشعرَ
أكتبُكِ الآنَ كي يوفروسيني، ربةَ البهجةِ والسرورِ
أكتبُكِ الآنَ كي أسبحَ مع حورياتِ المياهِ العذبةِ
الشاعرُ كبوسيدون يرعى ربةَ البحرِ في نشيدِ أبولو
7
في يومٍ شتويٍّ غيرِ حاسمٍ وغاضبٍ بشكلٍ غيرِ منطقيٍّ
مع الرغبةِ السريةِ في اكتشافِ ملهمةٍ ترعى المجازَ في المقهى
أصبحتُ موضوعَها والروحَ الجديدةَ
أصبحتُ حصةَ الشيطانِ
ألسنةُ اللهبِ الوامضةُ
تُعلنُ خروجًا مفاجئًا وملونًا
مع شغفِ الجناحِ الأيسرِ للصدرِ المشعَرِ
الآنَ أعشقُ الزهورَ ذاتَ العاداتِ الخفيفةِ
لقد حذفتِ الرياحُ الفضائحَ اللاحقةَ
الآنَ أتمددُ في النصِّ لأستنشقَ قطراتِ الندى
معشوقتي مزروعةٌ بعيونِ سمكةٍ منتفخةٍ بالنجومِ والبنفسجِ
مشاهدُ الحبِّ لم تفقدْ معناها تحت تأثيرِ الشمسِ الدافئةِ
8
الآنَ تفوحُ منكِ رائحةُ اللافندرِ
كم عددُ الأحلامِ المحطمةِ؟
ذاتُ العيونِ الزرقاءِ، لنبدأِ الألعابَ
لم تنتهِ طفولةُ الفنِّ
لم نصلْ إلى ذروةِ منحنى اللذّاتِ
أمامَنا بحرٌ من الفرحِ تحت الشمسِ
الآنَ أنتِ وعاءُ الورودِ الخاصُّ بالشعرِ
هذه هي قوةُ الحبِّ الأولى
وتختفي الساعاتُ خلف الستارةِ وشجرةِ البتولا
الثورةُ هي الحبُّ الذي تفتخرُ به القصيدةُ
طيورُ اللقلقِ على نجومٍ مكشوفةٍ
أنتِ أشجارُ التفاحِ والأحلامِ
أنتِ فرحةُ الإيماءاتِ
آلافُ الضحكاتِ التي تظهرُ في العينِ والقلبِ والروحِ
9
الصدفةُ الممطرةُ تستحقُّ نهاياتِ الحفلةِ الهادئةِ
وأحلامُ الغاباتِ العميقةِ
فراشُ الخطاةِ الجميلينَ
كالنارِ في وضحِ النهارِ
في حديقةٍ زجاجيةٍ مغزولةٍ
في كرومِ الصباحِ
في الفودكا وحفلاتِ الزفافِ المسحورةِ
مثل الأيدي المفتوحةِ على شبكاتِ العنكبوتِ
عليكِ أن تبقي الكلماتِ مبتلةً
وعليكِ أن تزوديها بالعُري
وعليكِ أن تبدئي البوحَ بالكلماتِ
تحت كلِّ قبلةٍ يوجدُ عشٌّ للكلماتِ
10
النصُّ انعكاسٌ للومضاتِ العكسيةِ للشجاعةِ الاحتفاليةِ
لقد أمضيتُ عمري في البحثِ عني وعنكِ دون جدوى
لستُ هذا الرجلَ غيرَ السعيدِ
الذي سيفقدُ كلَّ شيءٍ ما زال يحبه
من سيرضى بعد ذلك بزجاجاتِ التحياتِ المضغوطةِ
والمعاهدِ الموسيقيةِ
ومعاملِ التقطيرِ للاشمئزازِ المعدي
والقلوبِ المفتوحةِ المنتشرةِ على شواطئِ المتوسطِ والمحموديةِ
عندما يضيءُ الفرحُ
فإن الحبيبَ يأتي من بعيدٍ دون مواعيدَ مسبقةٍ
الموسيقى لمقاطعِ الوقتِ تذوبُ في الفمِ
فتصبحُ أوراقُ الكمانِ مع عازفها
11
تطيرُ الطيورُ الصافرةُ من الفمِ
وبين حساباتِ الاحتمالاتِ والأحلامِ
حيث يحمي القلبُ نفسَه في ظلِّ غمامِ السنينِ
والليلُ يجرُّ وراءه ألفَ ضجيجٍ
للطيورِ والسلطةِ وتجارِ المواسمِ الأربعةِ
بالرغم من عنادِ كلِّ فردٍ بالبقاءِ على ما هو عليه
أنا أستطيعُ التغلبَ على ما أنا عليه
وغيرُ قابلٍ للذوبانِ وصلبٍ
أمتلكُ عواملَ جذبٍ ذاتَ طبيعةٍ هدامةٍ
الإعلاناتُ تمجّدُ جمالَ اللغةِ في جملٍ صحيحةٍ
نهايةُ السيمفونيةِ صعبةٌ
وتبدأ مرةً أخ.
12
كانت الرياحُ هي التي تحرّكُ جذورَ العشبِ
العشبُ في مكانٍ بلا ريحٍ أو مفارقةٍ
أعيشُ بسلاسةٍ وأمضي قدمًا
وفي مزاجٍ جيدٍ دون عواصفَ زائفةٍ
أحبُّ المللَ والألوانَ المبهمةَ والمساراتِ الملتبسةَ
باسمِ اللهِ توجدُ السعادةُ
السعادةُ الوحيدةُ هي معرفةُ المللِ
والحشراتُ الشعريةُ الزائفةُ.
سأعودُ إلى الريحِ بغضِّ النظرِ عن مكانكِ
ساعةُ الأدبِ البشريِّ المليءِ بالضجرِ والساعاتِ الصعبةِ
من النومِ إلى الموتِ نتساقطُ مثل ريشِ أجنحةِ الطيورِ
بدون كلماتٍ
كانتِ الرياحُ هي التي تُحرِّكُ جذورَ العشبِ
العشبُ في مكانٍ بلا ريحٍ أو مفارقةٍ
أعيشُ بسلاسةٍ وأمضي قدمًا
وفي مزاجٍ جيّدٍ دون عواصفَ زائفةٍ
أحبُّ المللَ والألوانَ المُبهمةَ والمساراتِ المُلتبسةَ
باسمِ اللهِ توجدُ السعادةُ
السعادةُ الوحيدةُ هي معرفةُ المللِ
والحشراتُ الشِّعريّةُ الزائفةُ
سأعودُ إلى الريحِ بغضِّ النظرِ عن مكانِكِ
ساعةُ الأدبِ البشريِّ المليءِ بالضجرِ والساعاتِ الصعبةِ
من النومِ إلى الموتِ نتساقطُ مثل ريشِ أجنحةِ الطيورِ
بدون كلماتٍ
كيفَ يمكنُ أن نكونَ طاقةَ النورِ التي يُضيءُ بها اللهُ القلبَ؟
تعانقُ الألوانُ عقاربَ الزمنِ المُجَعَّدةَ
الساعةُ الآنَ عديمةُ الرائحةِ واللونِ
الآنَ ينهارُ الليلُ مع إطلالةٍ على ظلامِنا المُتحرِّرِ
والنصُّ يرسمُ الاختلافَ على الصورةِ الهائلةِ للعالمِ
الفرديّةُ الجريئةُ مُكرَّسةٌ للخروجِ من الواجباتِ والمبادراتِ الصعبةِ
الآنَ النصوصُ تستنشقُ رفاهيةَ
الناسِ وأمراضَهم
لتبتعدَ بازدراءٍ عن منطقِهم وأسلوبِ حياتِهم
وأوعيةِ الأحلامِ الفارغةِ، والأوعيةِ السياميّةِ
والحبُّ ما زالَ موجودًا في هذه المساراتِ الشريرةِ للعالمِ
لنختبرْ وخزاتِ هذا الضوءِ السماويِّ غيرِ المرئيِّ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى