الدكتورة سحر عبدالمجيد - حين يُعاد اختراع الواقع: (هل ننقذ أنفسنا بالكذب أم نفقدها؟)* قراءة في (لا شيء ينتهي بإسدال الستارة) لعلى بنساعود

هل يبدأ الانهيار النفسي من لحظة واحدة، أم من تراكمات صغيرة لا ننتبه إليها؟ وهل يكون ما نسمّيه “كذبًا” في بعض الأحيان محاولة أخيرة للنجاة؟
يضعنا نص «لا شيء ينتهي بإسدال الستارة» أمام ذاتٍ تتشظّى بين ما تعيشه وما تتمنى أن تعيشه، بين واقعٍ قاسٍ وعالمٍ موازٍ تصنعه لتحتمي به.
في البداية، نواجه جذر الجرح: كيف يتكوّن الإحساس بالدونية داخل فضاء يفترض أنه تربوي؟ حين تقول الطفلة:"هذا مستواك الحقيقي وتتعالى ضحكات الآخرين" (ص 76)، هل يكون الخطأ في الإجابة أم في الطريقة التي تُقال بها الحقيقة؟ وكيف تتحول لحظة عابرة إلى خوف دائم: " صرت أخاف من المشاركة" (ص 76)؟ أليس الخوف هنا بداية انسحابٍ طويل من الحياة؟

Messenger_creation_44B84FDF-02BF-4BBF-B59D-A66983131061.jpeg

ثم ينتقل النص إلى سؤال أكثر قسوة: ماذا يفعل العنف حين يأتي من أقرب الناس؟ حين يتكرر التأنيب الداخلي: "خنتِ أباك… خنتِ من منحك الحب والحنان" (ص 139)، هل هذا صوت الضمير أم صدى سلطة قاسية استقرت داخل النفس؟ ولماذا يتحول الحب نفسه إلى مصدر للذنب؟ أيمكن أن نحب ونشعر في الوقت نفسه أننا مذنبون؟
لكن الأخطر: ماذا يحدث حين يصبح الغائب أكثر حضورًا من الحاضر؟ حين تسمع: "هيا حبيبتي… فطورك جاهز" ثم تكتشف: "لا أجد أبي ولا الفطور" (ص 140)، هل نحن أمام ذكرى، أم محاولة لإعادة خلق واقع مفقود؟ وهل يمكن للعقل أن يكذب ليحمينا؟ أم أن هذا الكذب بداية فقدان السيطرة على الحقيقة؟
هنا يطرح النص سؤالًا فلسفيًا عميقًا: لماذا يلجأ الإنسان إلى الكذب؟ أهو ضعف أخلاقي، أم آلية دفاع؟ حين يشتد العنف، ويصبح الواقع غير محتمل، أليس من الطبيعي أن يخلق الإنسان عالمًا موازيًا؟ عالمًا "أجمل من اليقظة"، يستطيع فيه أن يعيش ما حُرم منه؟ أليس الكذب هنا تعويضًا عن حياة لم تتحقق، أو محاولة للنجاة من واقع لا يُطاق؟
ويتجلى ذلك في المشاهد التي تتداخل فيها الحواس: "ألمس حشرجته… أتنسم خطواته" (ص 141). هل هذه هلاوس مرضية، أم شكل من أشكال التماهي مع ما نحب؟ وهل يمكن أن يكون الوهم أحيانًا أكثر رحمة من الحقيقة؟
ثم نصل إلى سؤال أكثر إيلامًا: ماذا لو اضطر الإنسان إلى التخلي عن أقرب الناس إليه؟ إذا كان هذا “القريب” — حتى الأم — لا يدافع عن وجوده، ولا يحميه من القسوة، فهل يصبح الرحيل خيانة أم ضرورة؟ وهل يمكن أن نختار حياة جديدة على حساب روابطنا الأولى؟ أم أن هذا الاختيار نفسه جرح آخر يُضاف إلى ما سبق؟
وفي سياق آخر، تتكرر الازدواجية داخل التجربة الإنسانية: "سعيدة ومرعوبة، مقبلة ومدبرة" (ص 90). لماذا لا تكون مشاعرنا واضحة؟ ولماذا نعيش دائمًا بين نقيضين؟ هل لأننا لا نعرف ما نريد، أم لأن الواقع لا يسمح لنا بأن نريده حقًا؟
هكذا يتكامل النص ليطرح شبكة من الأسئلة:
هل نحن ما نعيشه، أم ما نهرب إليه؟
هل الكذب سقوط، أم وسيلة للبقاء؟
هل التخلي ضعف، أم محاولة أخيرة لإنقاذ الذات؟
لا يقدّم النص إجابات جاهزة، بل يتركنا أمام حقيقة مُقلقة:
قد لا يكون أخطر ما نعيشه هو الألم، بل الطريقة التي نحاول بها الهروب منه، حين يصبح الواقع غير قابل للعيش، لا يكذب الإنسان ليخدع الآخرين، بل ليمنح نفسه سببًا إضافيًا للبقاء… لكن الخطر أن يعتاد هذا العالم البديل، فيفقد الطريق إلى الحقيقة.
إن لغة النص متماسكة إلى حد كبير، لأنها تسير بخيط سردي واضح رغم تداخل الخواطر. الجمل قصيرة أحيانًا ومباشرة، وهذا يعطي إحساسًا قريبًا من الواقع كما هو، بلا تزيين أو تعقيد. القارئ لا يشعر أنه أمام خطاب نظري، بل أمام تجربة تُروى لحظة بلحظة، وكأنها تُلتقط من الذاكرة مباشرة.
كما أن الانتقال بين الأحداث يتم بسلاسة، حتى مع تغيّر المشاهد من البيت إلى المدرسة إلى الداخل النفسي، لأن اللغة تعتمد على الربط الشعوري أكثر من الربط المنطقي الصارم. وهذا يجعل النص قريبًا من التجربة الإنسانية اليومية، حيث تتداخل الأفكار والمشاعر دون ترتيب مثالي.
في التعبير عن الواقع، ينجح النص في نقل الإحساس لا الحدث فقط؛ فنشعر بالخوف، بالارتباك، بالذنب، وكأنها حالات نعيشها لا نقرأ عنها. لذلك تبدو اللغة بسيطة لكنها مشحونة بالدلالة، وتبتعد عن التنظير أو الشرح المباشر، وتترك للقارئ أن يلتقط المعنى من التجربة نفسها.
تكمن قوة النص في صدقه، وفي قدرته على جعل الواقع النفسي يبدو حيًا ومباشرًا دون وسائط معقدة.
العنوان "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" بوصفه فكرة فلسفية تقوم على أن الحياة لا تُغلق مشاهدها كما في المسرح، بل تستمر داخل النفس حتى بعد انتهاء الحدث الظاهري.
فاللغة البسيطة والمتماسكة في النص ليست مجرد اختيار أسلوبي، بل تعبير عن هذه الفلسفة: الواقع لا يُقدَّم كخطاب نظري منظم، بل كخبرة إنسانية متدفقة، تتداخل فيها المشاعر والأحداث دون "ستارة" تفصل بينها. لذلك تأتي الجمل قريبة من الكلام اليومي، كأنها ترفض الإغلاق النهائي وتبقى مفتوحة على الاحتمال.
ومن هنا يصبح تماسك اللغة نفسه انعكاسًا لفكرة عدم اكتمال التجربة؛ فالأحداث تنتقل من الألم إلى الذكرى، ومن الواقع إلى الوهم، دون قطيعة حادة، وكأن النفس لا تعرف أين تبدأ الحكاية وأين تنتهي. وهذا ينسجم مع العنوان: لا نهاية حقيقية، بل استمرار داخلي للحدث حتى بعد غيابه.
أما التعبير عن الواقع ببساطته، فيحمل بعدًا فلسفيًا أعمق: الواقع ليس شيئًا ثابتًا، بل تجربة تُعاد صياغتها داخل الوعي. لذلك يظهر العنف، والخوف، والذنب، والحنين، لا كوقائع خارجية فقط، بل كحالات نفسية تعيد تشكيل الحقيقة. وهنا يصبح السؤال: هل الواقع هو ما حدث فعلًا، أم ما بقي في داخلنا منه؟
حتى فكرة اللجوء إلى الكذب أو خلق عالم موازي يمكن فهمها فلسفيًا ضمن هذا الإطار؛ فحين يصبح الواقع قاسيًا أو غير محتمل، لا يجد الإنسان "ستارة" ينهي بها الألم، فيلجأ إلى صناعة واقع بديل يحميه من الانهيار. الكذب هنا ليس نقيض الحقيقة فقط، بل محاولة لاستمرار الحياة بشكل يمكن احتماله.
وكذلك فكرة التخلي عن الأقرب - حتى الأم - إذا لم يمنحنا الحماية أو الاعتراف، تعكس سؤالًا فلسفيًا حول معنى الانتماء: هل العلاقة تُقاس بالدم أم بالفعل؟ وهل يمكن أن نستمر في علاقة لا تحمينا نفسيًا، أم أن الانفصال يصبح شكلًا آخر من البحث عن الذات؟
لا شيء يُغلق تمامًا، لأن ما نعيشه لا ينتهي عند الحدث، بل يستمر داخلنا كذاكرة، كخوف، كحلم، أو كبديل عن واقع لم نقدر على احتماله...


____________
⁎نص المداخلة التي تقدمت بها الدكتورة سحر عبد المجيد، خلال اللقاء الذي نظمه موقع "صدى ذاكرة القصة المصرية" لمؤسسه الكاتب المبدع الأستاذ سيد الوكيل، ضمن فقرة "قصة أونلاين" التي تعدها الكاتبة مرفت يس، فلهما بالغ الشكر والتقدير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى