حسام الحداد ـ تشريح الغياب: قراءة في قصيدة "يد الريح" لزكية المرموق

تأتي قصيدة "يد الريح" للشاعرة زكية المرموق كخريطة شعورية متداخلة، تتجاوز في جوهرها البوح العاطفي المباشر لتستحضر جدلية الذاكرة والغياب في أبهى تجلياتها الحداثية. إن النص لا يكتفي باستعادة مشهديات الماضي، بل يعمل على تفكيكها وتجريدها من أبعادها الواقعية، ليحولها إلى كيانات وجودية مأزومة. ففي هذا الفضاء النصي، تتحول العناصر اليومية المألوفة -كالبيت، النوافذ، والسقف- إلى أيقونات دالة على الفقد، حيث يصبح الغياب بطلاً درامياً يفرض سطوته على الذات الساردة، محولاً البيت من ملاذٍ آمن إلى "تابوت" مسكون بالأشباح، ومعيداً تعريف العلاقة بين الفرد والمكان في ظل انكسارات التكوين النفسي.
على مستوى البناء الفني، تقدم المرموق بنية درامية متماسكة تتسم بالتكثيف اللغوي والنزوع نحو الصورة المركبة التي تبتعد عن الحشو العاطفي لصالح الرؤية الفلسفية. إن القارئ للنص يلمس تحولاً جذرياً في مسار الذات؛ حيث لا تقف القصيدة عند حدود رثاء الذات أو الانغماس في "أنيميا الحب"، بل تتجاوز ذلك لتجعل من الألم "خارطة" للعبور. ومن خلال هذا التشريح النقدي، نسعى إلى تتبع كيف انتقلت الشاعرة من حالة "الجثة" المستسلمة لقاتلها إلى حالة الذات الفاعلة التي تستنهض الحبيب للنجاة، مستخدمةً لغة إيعازية ورموزاً صوفية حداثية للتحرر من قبضة الزمن/القناص، مما يجعل من "يد الريح" نصاً وجودياً بامتياز يتجاوز حدود الزمن ليلامس كينونة الألم الإنساني في أسمى صورها.

دلالة الفراغ وتفكيك "مقدس" البيت
تفتتح زكية المرموق نصها بتجريد المشهد من أبعاده الواقعية، حيث يتحول "الضباب" من ظاهرة مناخية عابرة إلى غشاء وجودي يغلف تفاصيل الحياة، واصفةً يومها بأنه "لا لون له، لا طعم، ولا رائحة". إن هذا التوصيف ينقل القارئ من الحيز المادي إلى حيز "اللاشيء"؛ فالضباب هنا ليس حائلاً بصرياً بقدر ما هو إعلان عن تآكل الهوية وتلاشي المعنى. هذا "اللاشيء" يختار البيت مسرحاً له، ليصبح السكون فيه "صامتاً لا يقول شيئاً"، محولاً المسكن من ملاذٍ آمن إلى مساحة فارغة تعاني من انعدام الدفء الإنساني.
تُحدث الشاعرة صدمة شعورية عبر توظيف التناص مع موروث شعبي أو اجتماعي، حين تستحضر مقولة أمها: "البيت بلا أطفال تابوت". هذا الاستحضار ليس مجرد تداعي ذكريات، بل هو إعلان عن "تابوتية" المكان رغم صخبه الظاهري؛ فوجود أربعة أطفال لم يمنع البيت من أن يكون تابوتاً لأن الروح المفقودة لم تكن في عدد الأفراد، بل في نوعية الحضور. إن "البيت" هنا ليس جدراناً وطوابق، بل حالة شعورية محبطة، مما يعكس رؤية حداثية ترفض اختزال السكن في المأوى الجسدي، وتدعو للبحث عن السكن الروحي المفقود في علاقات الأفراد ببعضهم.
في سياق نقدي لاذع، تفكك الشاعرة بنية "الأبوة" التقليدية التي تختزل الرعاية في "حقن الدراهم" و"كثرة الفيتامينات". إنها تصور الأب ككائن يعتقد أن "البيت يصمد بالعضلات القوية والوفرة"، في إشارة إلى السلطة المادية الذكورية التي تتجاهل الاحتياجات العاطفية. هذا النقد الحداثي يضع اليد على الجرح؛ فالأب في القصيدة هو "من يزرع الريح في السقف"، أي أنه يبني الفراغ ويستثمر في المادة الزائلة، غافلاً عن أن البيوت لا تستمد ديمومتها من متانة الإسمنت، بل من عمق الروابط الإنسانية التي تمنع تصدع الجدران من الداخل.
تصل المرموق إلى ذروة التكثيف الفلسفي حين تضع "أنيميا الحب" في مقابل "شيخوخة الحديد". هذا التعبير هو جوهر الرؤية الحداثية في النص؛ فالموت الحقيقي للبيت لا يأتي من تقادم الزمن على مرافقه المادية، بل من فقر العاطفة الذي يؤدي إلى "شحوب" الحياة داخله. إنها دعوة لإعادة تقييم معايير البناء؛ فالمكان الذي يتسع مادياً (ثلاثة طوابق) يضيق روحياً كلما "اتسع الغياب"، مما يؤدي في النهاية إلى أن يبتلع هذا الفراغ ساكنيه، محولاً إياهم إلى "حبات قمح في حقل مليء بالأحجار"، دلالة على قسوة البيئة العاطفية التي نشأوا فيها رغم مظاهر الرفاهية.

رمزية "الريح" وإشكالية الأب
تتجاوز الشاعرة في قصيدتها التوظيف الوصفي للريح، لتصيغ منها استعارة وجودية مكثفة تعبر عن "الغياب". فالأب في ذاكرة الساردة ليس جسداً ملموساً، بل هو "ريح" تتسلل إلى "السقف"، في صورة تعكس تغلغل العدم في فضاء العائلة. هذا الأب لا يقدم استقراراً أو طمأنينة، بل يمارس فعلاً سريالياً بـ"زراعة الريح"، وهو تعبير يحمل دلالة العبث؛ فالريح لا تُزرع، والبيت الذي يُبنى على الريح لا يملك جذوراً. إن الأب هنا هو القوة غير المرئية التي تشتت كيان العائلة، فهو "يختفي في الشقوق"، مما يجعله رمزاً للحضور الذي لا يترك خلفه إلا أثراً من فراغ.
تجسد الشاعرة حجم الألم الطفولي المتوارث من خلال ردة فعلها الفسيولوجية والنفسية تجاه مفردة "ريح"؛ فكلما طرقت هذه الكلمة مسامعها، تتداعى صور الماضي القاسي، وتندفع لإغلاق دفاترها "كما يغلق ميت باب الجحيم". هذا التشبيه البليغ ينقل الحالة من مجرد ذكريات إلى "عطب وجودي" مستقر في أعماق الذات. إن إغلاق الدفاتر هنا يرمز إلى رغبة الساردة في حماية نفسها من استحضار جحيم الأب الغائب، حيث تتحول الذاكرة إلى مساحة مظلمة لا تريد لها أن تُفتح، خوفاً من مواجهة النيران التي تركها الأب وراءه.
في النظرة الحداثية للمرموق، لا يمثل الأب السلطة التقليدية التي تحمي أو تسيطر، بل يمثل "التبدد". هو الكائن الذي لا يترك وراءه إرثاً مادياً أو عاطفياً، بل يترك "شساعة" ابتلعت الأبناء. إن وصفه بأنه كان "من رجل كان دوما يزرع الريح" يحيلنا إلى صورة الأب التائه في تطلعاته أو في غيابه الروحي، الذي لا يستطيع أن يكون "جداراً" يستند إليه الأبناء. إنه يمثل "الفقد المطلق"؛ إذ لم يعد الأب مرجعية للتربية أو للقيم، بل أصبح مرجعية للتيه والضياع داخل الفراغ العائلي.
تكمن عبقرية النص في قدرة الشاعرة على تأثيث هذا "الغياب"؛ فالأب هنا حاضر بوضوح في أثره السلبي، إذ أصبح الغياب "حبيباً" وملازماً لها. إنها تصف صراعاً وجودياً؛ فالأب الذي تبدد في الريح ترك وراءه ابنة لا تزال تحاول تعريف هويتها عبر التخلص من طيفه. ومن خلال قولها "منذ سنين وأنا كلما سمعت كلمة ريح تذكرت أبي"، تؤكد الشاعرة أن الأب قد تحول من شخص إلى "مفهوم" أو "لعنة" تلاحقها في كل زاوية، حيث يصبح فعل "الاستذكار" هو الطريقة الوحيدة التي يمارس بها هذا الغائب وجوده الثقيل في حياتها.

تحول الذات من "ضحية" إلى "صائدة للسكين"
تصل الشاعرة في قصيدتها إلى ذروة التوتر الدرامي حين تعيد تعريف علاقتها بـ "الغياب"، لا كحالة سلبية مستسلمة، بل كعلاقة وجودية حادة بين "جثة" و"قاتلها". إن تحول الذات من ضحية تنتظر الفناء إلى كائن يبحث عن صانع موته هو تحول حداثي بامتياز. فالساردة هنا لا تهرب من ألمها، بل تلاحقه، لتؤكد أن الضحية لا يمكن أن تتحرر من عبء الذاكرة إلا إذا واجهت المصدر الذي تسبب في انكسارها، في عملية استرداد شجاعة لزمام المبادرة من يد القدر أو "الأب".
تحمل استعارة "البحث عن أين ينام السكين" دلالات عميقة تتجاوز الثأر التقليدي؛ فهي بحثٌ عن المعرفة، عن "أصل الجرح". إن الشاعرة تدرك أن السكين -الذي رمزت به لسبب فنائها العاطفي- لا يزال يمتلك القدرة على التسبب في ألم جديد طالما بقي متوارياً. ومن ثم، فإن محاولة "إيجاد السكين" هي محاولة لتعرية الأسباب الحقيقية التي حولت حياتها إلى ما يشبه القبر. إنها دعوة حداثية لاستبطان الوجع بدلاً من تجاهله، فالمواجهة تبدأ دائماً بوضع اليد على الأداة التي قطعت حبال الروح.
تطرح المرموق مفارقة مدهشة حين تقول: "الآن أنا والغياب حبيبان". هذا الحبيب الذي لا يشبه غيره هو في الحقيقة "الندّ" الذي يجب أن تخرجه من حياتها. إن تصوير الغياب كحبيب يلاحقها وتلاحقه هو وصف دقيق للمأزق النفسي الذي يعيشه الإنسان عندما يصبح ألمه جزءاً من تكوينه، حتى يكاد لا يعرف نفسه بدونه. لذا، فإن محاولة الرجال في النص "إخراج الغياب" من حياتها تواجه بالرفض أو بالتعثر، لأنها تدرك أن التخلص من هذا الغياب يتطلب عملية "جراحية" مؤلمة لا يقوم بها إلا صاحب الجرح نفسه.
في الفقرات الأخيرة، تتحول الشاعرة من "جثة" ميتة إلى صوتٍ يأمر ويطالب: "هيء سفينتك، دمي بحر، وقلبك مجداف". هنا نجد عملية "بعث" حداثية؛ فالساردة تخرج من قبرها لتكمل سرد الحكاية، ليس بصفتها ضحية، بل بصفتها صاحبة القرار. إن دعوتها للحبيب أن يشاركها هذا العبور ليست استجداءً، بل هي محاولة لاستخدام "قلب الحبيب" كمجداف للنجاة في "بحر دمائها". إنها لحظة الانتصار حين تتوقف الجثة عن التحلل، وتبدأ في قيادة سفينتها الخاصة بعيداً عن صقيع الغياب، مدركة أن "الوقت قناص مأجور" لا يرحم المترددين في اتخاذ خطوة الخلاص.

اللغة والنداء الاستشرافي
تحدث المرموق انعطافة أسلوبية حاسمة في خاتمة النص، حيث تترك وراءها ضجيج الذاكرة والسرد التأملي للماضي، لتنتقل إلى لغة "النداء الإيعازي". هذا التحول من "الحديث عن" إلى "الخطاب المباشر" يعكس رغبة الذات في الخروج من حالة السكون إلى حركية الفعل. فالأفعال الطلبية مثل "هيئ"، "تعال"، و"لا تنسَ"، تمنح القصيدة قوة دافعة، حيث لم تعد الشاعرة مكتفيةً بوصف جراحها، بل أصبحت تدير دفة الحدث، محولةً اللغة من وعاء للشكوى إلى أداة للتغيير والعبور نحو ضفة أخرى.
تدمج الشاعرة في خطابها رؤية حداثية ذات مسحة صوفية حين تصف الجرح بأنه "خريطة"، مستحضرةً حكمة "الدراويش" الذين يرون في الألم طريقاً للوعي. هذه الاستعارة تلغي النظرة السطحية للجرح كعطبٍ يجب إخفاؤه، وتجعله "دليلاً" يرسم معالم الطريق الذي يجب سلوكه. فالباب، الذي تصفه بأنه "جرح في الجدار"، ليس مجرد مخرج، بل هو نقطة انطلاق جوهرية. إن هذه الرؤية تحول المعاناة من حالة تدميرية إلى أداة معرفية، حيث يصبح كل جرح في جسد الذاكرة خارطة تمنع الضياع في فضاءات الحياة الشاسعة والباردة.
تضفي الشاعرة على النص صبغة وجودية قلقة من خلال تصويرها للزمن ككيان معادٍ، حيث تقول: "الغد طريدة والوقت قناص مأجور". إن تحويل الزمن من متوالية طبيعية إلى "قناص" يتربص بالفرص المتاحة، يمنح القصيدة طابع الاستعجال والضرورة القصوى. في هذا الزمن المأجور، لا تملك الذات ترف التباطؤ أو التردد؛ فالوقت لا يرحم الضعف، وكل لحظة تمر دون اتخاذ قرار بالخلاص هي لحظة مُهدرة. هذا التصور للزمن يضفي طابعاً تراجيدياً حداثياً يعزز من حالة القلق التي تحيط بالذات الساعية للتحرر.
تتوج المرموق نصها بنداء جريء للحبيب ليشاركها عملية الخلاص، واصفةً دماءها بأنها "بحر" وقلبه بأنه "مجداف". هنا يتحول النداء إلى استعارة كونية للنجاة؛ فالشاعرة لا تستجدي الحماية، بل تعرض "بحرها" (ألمها/عمقها) وتطلب "مجداف" (إرادة/حب) الحبيب للمضي قدماً. إن عبارة "هيئ سفينتك.. بسرعة" تختزل التوق الوجودي للهروب من قاعة الأشباح والذكريات، مؤكدة أن النجاة عمل مشترك يتطلب شجاعة المواجهة، وسرعة البديهة في استغلال الزمن، قبل أن ينال "القناص" من طريدته المتمثلة في الغد المأمول.

خلاصة
إن قصيدة "يد الريح" لزكية المرموق هي مرافعة شعرية ضد الغياب. استطاعت الشاعرة أن توظف "المنزلي" (البيت، النوافذ، السقف، الدفاتر) لتصيغ قضايا كبرى (الوجود، الفناء، الحب، السلطة الأبوية).
اللغة في النص اقتصادية، موحية، وتجنب الحشو العاطفي لصالح الصورة المركبة. إنها نص يكتب "أنيميا الحب" بدم حار، ويحول الجرح من حالة عجز إلى "خارطة" للعبور نحو الآخر (الحبيب/المنقذ). لقد نجحت المرموق في أن تجعل من بيتها "جرحاً في الجدار"، ومن قصيدتها سفينة للنجاة من "قناص الوقت".

نص القصيدة
يد الريح ...
يوم كباقي الأيام
لا لون له
لا طعم
ولا رائحة
الضباب يلف كل شيء
كما يلف حياتي
الطريق صامتة لا تقول شيئا
مثل بيت بلا أطفال
كانت أمي دوما تقول
البيت بلا أطفال تابوت
لهذا أنجبت أربعة
من رجل كان دوما
يزرع الريح في السقف
ويختفي في الشقوق
منذ سنين وانا كلما سمعت كلمة" ريح "
تذكرت أبي
وأغلقت دفاتري
كما يغلق ميت باب الجحيم
كان يعتقد
مثل كل الذكور
إن الأطفال يكبرون أكثر
بحقن الدراهم
وكثرة الفيتامينات
وإن البيت يصمد بالعضلات القوية
والوفرة
إذ كان بثلاثة طوابق
رغم أننا لم نتجاوز ستة أفراد
حتى ابتلعتنا الشساعة
وأصبحنا مثل حبات قمح
في حقل مليء بالأحجار
كنا نرفل في الورد
نسكر بالنجوم
نأكل من عسل الأيام
ونغفو في حريرها
لكن يا أبي
ألم تعلم أن النوافذ
تضيق كلما اتسع الغياب
وأن البيوت تموت
بأنيميا الحب
لا بشيخوخة الحديد
الآن أنا والغياب حبيبان
وكلما حاول رجل أن يخرجه من حياتي
خرجت إلى الشوارع
أبحث عنه
كما تبحث جثة عن قاتلها
إذ كيف للجثة أن تعود إلى الحياة
إن لم تجد أين ينام السكين
فيا حبيبي
وأنت تخرجني من قبري
لأكمل سرد الحكاية
كي تفرغ القاعة من الجمهور
ومن الأشباح
لاتنس أن الباب جرح في الجدار
أن الجراح خرائط
كما يقول الدراويش
هيء سفينتك
دمي بحر
وقلبك مجداف
هيء سفينتك
بسرعة
وتعال
الغد طريدة
والوقت قناص
مأجور

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى