أحمد عبدالله إسماعيل - إيهاب الورداني يخلد سيرة الإنسان والوطن، يعبر الزمن والتاريخ ويصعد إلى مصاف الكونية الرفيعة في رواية "نخلة الهيش"

مقدمة
تتحرك الرواية العربية الحداثية وما بعد الحداثية في فضاءات تجريبية تسعى جاهدة إلى الانعتاق من أسر المحاكاة الفوتوغرافية الجافة للواقع، مولية وجهها شطر آفاق رحبة تمتزج فيها تفاصيل الواقعي العيني بظلال الرمزي والأسطوري والوجودي. وفي هذا السياق التجريبي المتقدم، يتجلى منجز القاص والروائي المصري الراحل إيهاب الورداني (1957-2020م)، ولا سيما في عمله الروائي الأخير "نخلة الهيش"، بوصفه مختبرًا سرديًا ناضجًا يسهر على تفكيك المركزيات السردية التقليدية لصالح بنيات شبكية متشظية تلاحق أسئلة الفناء، والزمن، والهوية.
تسعى هذه الدراسة النقدية إلى رصد وتحليل المعمار الروائي عند إيهاب الورداني من خلال سبعة مرتكزات بنيوية ودلالية، تتقاطع لتكشف في نهايتها عن أطروحة فنية بالغة الأهمية: كيف يمكن للغوص العمودي المتطرف في الخصوصية المحلية والمكان الهامشي أن يرتد كأسًا كونية تلامس أعمق الجروح الإنسانية المشتركة.

المبحث الأول: استراتيجية "الموضوع" والتحول من الأدب المحلي إلى الأفق الكوني
تنهض المعالجة للموضوعات في منجز الورداني السردي عمومًا، وفي رواية "نخلة الهيش" ومجموعته "ثمة حارس يفزعه الوقت" خصوصًا، على خلخلة الفهم السائد لـ "أدب القرية" الذي هيمن على الرواية الواقعية في منتصف القرن العشرين. ويمكن تفكيك هذا التميز الموضوعاتي عبر ثلاثة محاور أساسية:
أولاً: آلية التسامي بالمحلي إلى الكوني
في الرواية العالمية الفذة، كأعمال غابرييل غارسيا ماركيز في قرية "ماكوندو" أو نجيب محفوظ في فضاء "الحرافيش"، لا تعني العالمية التنصل من الجذور أو البحث عن جغرافيا هلامية، بل تعني الغوص في أقصى التفاصيل المحلية المحسوسة حتى تلمس الجرح الإنساني المشترك.
لم يبتكر الورداني فضاءً هلاميًا متخيلاً، بل عمد إلى اختيار قرية "مجول" الواقعة في عمق ريف الدلتا بمصر (مركز سمنود - محافظة الغربية). وتتبدى العبقرية النقدية للموضوع في كونه لم يقدم هذا الفضاء بوصفه رصدًا فلكلوريًا أو تسجيليًا جافًا لعادات الفلاحين وتقاليدهم، بل جعل منه "نسخة كربونية" للقرية العربية والمستضعفة والمهمشة في كل مكان، مما نقل الموضوع من حيز الإقليمية الضيقة إلى رحابة الرمز الكوني، حيث تصبح القرية المنسية مساوية للوطن، وتغدو حدود جغرافيتها المحدودة هي حدود الأمة المأزومة بأسرها التي تبحث عن هويتها في عالم متخم بالتحولات الحادة.
ثانيًا: جدلية (الزمن/الموت) كقلق وجودي طاغٍ
إن الموضوعات الروائية العالمية الكبرى تتمحور دومًا حول الأسئلة الوجودية المفتوحة التي لا إجابات حاسمة لها. إن موضوعات الورداني لم تكن ترفًا فكريًا باردًا، بل كانت نتاج تجربة حياتية مفعمة بالمرارات والأحلام الموءودة المسرودة كشفًا أو تأويلاً.
يتجلى "هاجس الوقت" بوضوح في عتبات نصوصه، وتحديدًا في عنوان مجموعته الأخيرة "ثمة حارس يفزعه الوقت"، وهنا يتقاطع النص مع الفلسفة الوجودية (خاصة أفكار مارتن هايدجر حول الزمانية والموت كأفق حتمي للوجود). الوقت هنا ليس مجرد تقويم زمني خطي يحصي الساعات والأيام، بل هو "خصم" و"حارس" يطارد الذات المبدعة ويفزعها. ومن ثم، يتحول فعل الكتابة عند الورداني من مجرد حكاية مشوقة إلى "شهادة ضرورية" وسياق محموم لمسابقة الزمن وتدوين "السيرة الزمكانية"، وهي تيمة عالمية كلاسيكية ترى في الكتابة الفعل المقاوم الأوحد ضد الفناء والعدم، ليصبح السؤال الموضوعاتي الجوهري: كيف يخلد الإنسان المبدع أثره قبل أن يسدل القدر الستار؟
ثالثًا: تحويل السيرة الذاتية إلى سيرة جمعية
من أخطر المآزق البنيوية التي تواجه أدب السيرة الذاتية هو السقوط في فخ النرجسية الضيقة أو الاجترار الذاتي الفردي. بيد أن المعيار الروائي العالمي يتجلى بوضوح حين تذوب "الأنا" الفردية في الـ "نحن" الجمعية.
في "نخلة الهيش"، تبدو الشخصية المركزية في ظاهرها سيرة ذاتية للورداني بوصفه مبدعًا وفارسًا مشتبكًا مع قريته، غير أن الدخول إلى البنية العميقة للنص يكشف أن هذه الذات ما هي إلا مرآة عاكسة للآخرين. إن الورداني لا يؤرخ لآلامه الفردية المعزولة، بل يُسرّب من خلالها المرارات الجمعية لأهل قريته، معاناتهم مع التهميش، وأحلامهم المجهضة، لتتحول الرواية من مذكرات شخصية إلى وثيقة إنسانية عابرة للأجيال يتمازج فيها الخاص بالعام بشكل عضوي لا انفصام فيه.

المبحث الثاني: معمارية "الشخصيات" وجدلية القناع وتذويب الأنا
تكشف المقاربة النقدية لمعيار "الشخصيات" في عالم إيهاب الورداني السردي عن تجاوز لافت للأنماط التقليدية الجاهزة التي استقرت في أدب الريف. فلم تعد الشخوص مجرد نماذج مسطحة للفلاح الصابر أو المقطوع من شجرة، بل تحولوا إلى ذوات مركبة نفسيًا ودلاليًا عبر مستويات ثلاثة:
أولاً: جدلية "الذات السافرة والمقنعة"
يُعد توظيف "القناع" في الرواية الحديثة من أرقى وسائل التعبير السردي؛ حيث يستعير الروائي ملامح شخصية تاريخية أو أسطورية، أو يخلق شخوصًا متخيلين يمرر من خلالهم مواقفه الفكرية وهواجسه العميقة.
تتحرك الشخصية المركزية في "نخلة الهيش" بمرونة فائقة بين مستويين هندسيين: السفور (حيث تتطابق التفاصيل الحياتية بوضوح مع سيرة الكاتب الواقعية كمثقف ونقابي عاش طيلة حياته في قريته ولم يبرح ناسها)، والمراوغة/القناع (حيث ترتدي هذه الذات عباءة الفارس الرمزي). هذا التذبذب المتعمد يمنح الشخصية عمقًا نفسيًا هائلاً، كونها تعاني من قلقين متوازيين: قلق المبدع الذي يرى الوقت يفزعه، وقلق الفارس المثقل بهموم الجماعة وعبء تمثيلها التاريخي.
ثانيًا: تذويب الأنا في المجموع
إن تراجع البطل الأوحد في الرواية العالمية المعاصرة جاء لصالح "الذات المتشظية" التي تعكس هويات متعددة ومتداخلة. لقد كانت ذات الورداني السردية بمثابة "المركز لعوالم النصوص"، لكنه مركز جاذب لا مركز استعلائي.
حين تبوح الشخصية بسيرتها، فإنها لا تنغلق على نرجسيتها، بل تبدو هذه "الأنا" محملة بأصوات الفلاحين والمنسيين في الهامش. هذا التذويب البنيوي يحول الشخصية إلى نموذج إنساني بدئي يختزل مأساة جيل كامل من المبدعين والمثقفين الذين كابدوا آلام التهميش وعاشوا أحلامهم الموءودة، فصارت الآلام الفردية للشخصية هي عينها الآلام الجمعية للمجموع.
ثالثًا: "شخصية المكان" وأسطورة سيرة "مجول"
من أبرز تقنيات البناء الروائي حداثة هي تقنية "أنسنة المكان"، وتحويل الحيز الجغرافي الصامت من مجرد ديكور خلفي إلى شخصية درامية نامية تملك سيرة حياة وتتفاعل مع الأحداث بصفتها بطلاً فاعلاً.
الورداني لم يتعامل مع "مجول" كخلفية مكانية تمر أمامها الأحداث، بل غدت القرية عنده هي "الشخصية البطل". وبدلاً من الرصد الفوتوغرافي الجاف لملامح القرية الريفية، اختار الورداني "التخليد الأسطوري" لهذه الشخصية/المكان، ليحقق تقاطعًا دلاليًا مع تجارب عالمية فذة كجغرافيا "كومالا" عند خوان رولفو في رواية "بيدرو بارامو". غدت "مجول" رمزًا للإنسان الأرضي المتشبث بطينه وجذوره، والذي يناجي مكانه شعريًا؛ ليصنع من ذاته صرحًا يرفع هذا المكان المنسي إلى مصاف البقع الكونية المرئية.

المبحث الثالث: المعمار الزمكاني: الفضاء الأسطوري وتدمير الزمن الخطي
لا يعمل "المكان والزمان" في تجربة الورداني الروائية كوعاء خارجي تصب فيه الأحداث، بل يتحولان إلى شبكة دلالية معقدة تتداخل فيها جغرافيا الدلتا بالتاريخ الفرعوني السحيق، مما يرفع النص إلى مستويات التجريب العالمي.
أولاً: أسطرة الفضاء وجغرافيا الرمز
يكون المكان في العمل الروائي عابرًا وفاشلاً فنيًّا إذا أمكن استبداله بفضاء آخر دون أن تختل بنيته الدلالية. أما لدى الورداني، فالمكان شرط وجودي صارم. من هنا نبعت تقنية "التمجيل" (تحويل فضاء قرية مجول من حيز جغرافي محدود إلى رمز دلالي مطلق).
المكان عند الورداني مكان فاعل ومناجٍ للذات، يملك صوتًا وهُوية؛ حيث تحول الهامش المنسي إلى مركز للأمة برمتها، محققًا معيارًا إبداعيًا يشبه كسر العزلة الجغرافية في الآداب اللاتينية. إن العلاقة الجدلية بين "الصرح" و"الطين" في مناجاته لقريته: (فأوقدي لي على طينكِ، أجعل مني صرحًا ليروكِ) تعكس رغبة المبدع في تحويل الطين (بوصفه المادة الأولية الفانية) عبر فعل الإبداع إلى "صرح" (بناء شاهق عابر للزمن) يجبر العالم على إبصار هذا المكان المجهول.
ثانيًا: تدمير الزمن الخطي
تعتمد الرواية العالمية الحديثة (كما عند مارسيل بروست أو فرجينيا وولف) على تقويض الزمن التعاقبي الخطي الأرسطي (أمس، اليوم، غدًا) لصالح زمن نفسي داخلي وتاريخي متداخل.
يتسق البناء الزمني عند الورداني مع هاجسه الوجودي الأكبر "فزع الوقت"، مما أنتج بنية زمنية مرعوبة ومسرعة تسابق اللحظة الحاضرة، وتتداخل فيها الذكريات الماضية بالراهن المعيش بالهواجس المستقبلية المهددة بالفناء. ويتجلى هذا الوعي الحداثي في رفض "الإغلاق الزمني"؛ فنهاية رواية "نخلة الهيش" المفتوحة ترفض إسدال الستار التقليدي على الحوادث، بل تجعل الزمن دفقًا مستمرًا ومتصلاً، يلتحم فيه العمل بالأعمال الأخرى ضمن "متوالية روائية" عابرة للنص الواحد لتوحيد الهم والمرمى الفني.
ثالثًا: وحدة الزمن التاريخي والامتداد الحضاري
تتبدى كونية الورداني في قدرته الإبداعية على ربط اللحظة الراهنة المأزومة بالجذور الحضارية الأولى للمكان، مما يمنح الرواية عمقًا أنثروبولوجيًا غائرًا. إن انطلاق السرد من الأساطير والبرديات المصرية الهيروغليفية وصولاً إلى الراهن الزماني ليس مجرد استعراض تاريخي مجرد، بل هو إيمان عميق بـ "وحدة الزمن التاريخي لا انفصاله".
هذا التكنيك يجعل إنسان "مجول" المعاصر الذي يصارع الأوبئة والمرارات والفقر امتدادًا حيًا ومباشرًا للمصري القديم المدون على البرديات. هذا الربط يحقق معيار "الزمن الدائري" أو المتصل، حيث يصبح التاريخ الإنساني دفقًا واحدًا لا ينقطع، وتغدو هموم الإبداع والوجود قديمة ومتجددة في آن واحد.

المبحث الرابع: مستويات "الصراع الدرامي" وتعدد جبهات المعركة الوجودية
نقل الورداني معيار "الصراع الدرامي" من مستواه الخارجي الأفقي البسيط إلى منطقة الرواية النفسية والوجودية الحديثة، حيث تدور المعارك الكبرى في وجدان الذات وضد نواميس الفناء الكوني، متوزعة على ثلاثة مستويات مشتبكة:
الصراع الوجودي ضد الفناء: وهو الصراع المحوري المحرك للمشروع بأكمله، حيث تتحرك الذات مدفوعة بـ "هاجس الموت". الصراع هنا ليس استسلامًا قدريًا، بل هو معركة ضارية لمسابقة الوقت لانتزاع الخلود عبر الحكايات والكتابة بوصفها السلاح الوحيد لمواجهة الفناء والعدم، مما يضفي على الصراع طابعًا مأساويًا، يدرك فيه القارئ والكاتب معًا أن الموت يتربص بالذات وهي في أوج تجليها الإبداعي.
الصراع الداخلي وتفتت البطل الإشكالي: تعاني ذات الورداني السردية من "التشظي" والتشتت في عالم قلق مليء بالمرارات، ويظهر هذا بوضوح عبر تقنية "المناجيات الباطنية" مع الذات ومع الآخر. إنها حوارات سيكولوجية عميقة تكشف عن تمزق المبدع بين طموحات مشروعه الروائي الكوني وبين واقعه المثقل بالخيبات والآلام الفردية والجمعية.
الصراع الاجتماعي والثقافي (الهامش ضد المركز): يتجلى خارطيًا في الصراع الصامت والمرير بين فضاء القرية المنسية (مجول) وفضاء العاصمة المستعلية (القاهرة). إنه صراع لانتزاع الاعتراف بالهامش، وجعله ملء الأسماع والأبصار؛ فالكاتب يرفض تهميش مكانه وناسه، ويجعل من روايته صوتًا مسموعًا ومؤثرًا لمن لا صوت لهم.

المبحث الخامس: هندسة "الحبكة" والتحول نحو البنية الشبكية المتوالية
تتجاوز هندسة "الحبكة" في منجز الورداني المفهوم الكلاسيكي الهرمي القائم على التعاقب الزمني والتصاعد الدرامي التقليدي نحو "الحبكة الشبكية المتوالية" التي تميز الروايات المعاصرة، وذلك عبر محاور ثلاثة:
أولاً: كسر الهيمنة الأرسطية وجماليات النهاية المفتوحة
في معايير الرواية الحديثة، لم يعد النص مطالبًا بتقديم إجابات حاسمة أو إغلاق مصائر الشخصيات، لأن الواقع ذاته قلق ومتشظٍ.
تبدو رواية "نخلة الهيش" غير منتهية الفصول لأنها لم تسدل الستار التقليدي على الشخوص والحوادث، وهذا يعكس وعيًا حادًا بتبني "الحبكة المفتوحة". هذه التقنية تمنح القارئ دورًا تأويليًا تفاعليًا؛ فالرواية ترفض تقديم حلول جاهزة، وتترك الأسئلة معلقة في فضاء التلقي، متقاطعة مع روايات تيار الوعي والرواية الوجودية العالمية.
ثانيًا: مفهوم "المتوالية الروائية" والاتصال السردي
تتقاطع تجربة الورداني البنائية هنا مع تجارب عالمية كبرى (كثلاثية نجيب محفوظ أو مشاريع مارسيل بروست)، حيث لا تنتهي الحكاية بانتهاء الغلاف. إن الرؤية النقاشية التي ترى الرواية جزءًا أولاً من سلسلة أو متوالية روائية تتسق تمامًا مع آليات البناء الحداثي، حيث الحبكة ممتدة تتوزع على عدة نصوص روائية وقصصية، تتصل وتلتحم نتيجة لـ "وحدة الهم والمرمى"، ليغدو منجز الكاتب بمثابة "نص واحد كبير" تتكامل أجزاؤه وتفسر بنيته العميقة.
ثالثًا: تقنية التشظي والالتحام الدلالي
المعيار التجريبي الأهم في الحبكة الحديثة هو قدرتها الفائقة على التفتت والتشظي الظاهري دون أن تفقد تماسكها العضوي الداخلي. إن حبكة الورداني تتشظى تقنيًا لترسم معالم تشظي الذات والوطن، حيث يتحرك السرد عبر مساحات متفتحة وقفزات زمنية داخلية تبدو متباعدة.
بيد أن العبقرية الهندسية تكمن في أن هذا التشتت لا يصيب النص بخرق أو اختلال فني، نظراً لوجود خيط سري رابط يتمثل في "الرمز المجولي" ووحدة الموقف الوجودي، لتصبح الحبكة أشبه بلوحة الموزاييك التي لا تكتمل صورتها الكلية إلا بنظرة شاملة من الأعلى يقوم بها وعي التلقي.

المبحث السادس: مختبر "اللغة" وصهر الأنواع الأدبية
لم تكن "اللغة" عند إيهاب الورداني مجرد أداة وظيفية تزيينية ناقلة للأحداث، بل كانت هي "الحدث الإبداعي" ذاته في مستواه الاستثنائي، حيث حقق مصاهرة فريدة بين طاقة الشعر وكثافة النثر الروائي من خلال ثلاثة محاور:
أولاً: شعرية السرد وعقد المحاكمة النقدية
ترفض معايير الرواية العالمية اللغة السردية الجافة بوصفها لغة قاصرة عن رصد القلق الوجودي. من هنا، تبنى الورداني المقولة النقدية للشاعر عذاب الركابي: (السّردُ مِن دُون أن تَمُرّ تقنياتُه مِن بوّابة الشِّعر، لا يُعوّل عليه).
يتنفس السرد عند الورداني الشاعرية، وتتحول الجملة الروائية إلى ومضات مكثفة مشحونة بالإيقاع الداخلي والنبر والتفعيلة، كما يتضح في مناجاته لقريته: (يا مُجُول / ما علِمتُ لَكِ مِن مُحِبٍّ غيرِي / فَأوْقِدِي لِي عَلى طِينِكِ / أَجْعَلْ مِنِّي صَرْحًا لِيَرَوْكِ). تفارق اللغة هنا النثرية التقريرية الجافة لتدخل فضاء ومضة الشعر، مما يحول فعل القراءة من ملاحقة الحدث العابر إلى استبطان جماليات التعبير.
ثانيًا: التناص وإنتاج الدلالة العميقة
يُعد التناص مع النصوص الغائبة آلية حداثية لتوسيع أفق النص وجعله متعدد الطبقات الدلالية. لقد اتكأ الورداني بوضوح على التناص القرآني المستلهم من آية بناء الصرح في قصة فرعون وهامان {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا}.
يمارس الورداني هنا لعبة "القلب الدلالي" أو التعالق المجازي؛ فالصرح في السياق القرآني كان رمزًا للاستعلاء والادعاء الفرعوني، بينما الصرح عند الورداني هو صرح الإبداع والتضحية والخلود الذي يقدمه المبدع كقربان فني لتخليد قريته المنسية. هذا التناص يعمل كجسر لغوي رفيع يعبر بالواقع الملموس إلى عوالم الأسطورة والتاريخ المحفوف بالخلود.
ثالثًا: العلاقات المجازية والترميز السيميائي
تكمن عالمية اللغة الإبداعية في قدرتها على زحزحة المفردات من معانيها المعجمية الجافة إلى فضاء المجاز المتجدد. يبرع الورداني في تفكيك "الدوال الحقيقية" وإعادة تركيبها عبر علاقات مجازية؛ فـ "الطين" لا يعود مجرد تراب وماء، بل يصبح أصل الوجود الإنساني والجذر الحضاري الذي يتشبث به المبدع، و"مجول" تتحول من بقعة ريفية إلى "رمز مشفر" يحمل قضايا الأمة كلها من تهميش وأصالة وخصوبة. هذا البناء السيميائي يجعل اللغة محملة بمرامٍ ظاهرة وخفية، فلا يستهلك النص نفسه من القراءة الأولى، بل يظل يفرز تأويلات متجددة.
المبحث السابع: "التقنيات السردية" المعاصرة بين تيار الوعي وأسطرة الواقع
تكشف المقاربة البنيوية لمعيار "التقنيات السردية" عن ترسانة من التقنيات الحداثية وما بعد الحديثة التي طوعها الورداني لخدمة قلقه الوجودي، متجاوزاً دور الحكواتي التقليدي:
السرد المتشظي تفكيك البنية الحكائية المتصلة وترك مساحات وفجوات متفتحة في السرد. يعكس موضوعيًا تشظي الذات وانقسام الوطن، ويمنح القارئ دورًا فاعلاً في ملء البياضات عبر التأويل.
تيار الوعي والمونولوج: تدوير المناجاة الداخلية في ثلاث دوائر: مع الذات (لرصد المرارات)، مع الآخر (لردم العزلة)، ومع المكان والزمان. يحول السرد من رصد بارد للمظاهر الريفية إلى رحلة غوص سيكولوجية، تتمازج فيها الاعترافات الوجودية بالشعرية.
أسطرة الواقع: الانطلاق من الأساطير والبرديات الهيروغليفية القديمة وصولاً إلى الراهن الزماني عبر جسر التناص. يكسر جدار الواقعية الضيقة، ويربط الفلاح المعاصر بجدّه الفرعوني القديم للتعبير عن وحدة الزمن التاريخي.
يمثل منجز إيهاب الورداني الروائي، ولا سيما في عمله الأخير "نخلة الهيش"، نموذجًا فذًا لتحقيق معايير الرواية العالمية، وذلك من خلال معادلة جمالية بالغة الصعوبة تعتمد على "المحلية الشديدة التي تولد الكونية". لم يكن استخدام الورداني للتقنيات الحداثية (كالتشظي، وبوابة الشعر، والترميز السيميائي، وأسطرة الفضاء بالاتكاء على الموروث الفرعوني القديم) مجرد استعراض تقني بارد، بل جاء هذا الشكل الفني الحداثي مرآة وانعكاسًا موضوعيًا لتشظي الذات والوطن في واقع مأزوم وقلق.
لقد غيب الوباء إيهاب الورداني وهو في أوج عطائه الإبداعي والنقابي، لكنه ترك خلفه أسطورة سردية حية، نجح فيها عبر "نخلة الهيش" وسائر سردياته في إثبات أن الرواية ليست حكاية تُزجى بها الأوقات للترفيه، بل هي صرح متين يُبنى من الطين المحلي ليخلد سيرة الإنسان والوطن، عابراً للزمن والتاريخ وصاعدًا إلى مصاف الكونية الرفيعة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى