عبير سليمان عبدالمالك - متاهة الطفولة المراوغة: الخيال والمقاومة في قصص علي بنساعود

عندما بدأت قراءتي لقصص علي بنساعود، شعرت كمن دخلت إلى متاهة، يا للعجب! ها أنا من جديد أمام تجربة أدبية عجيبة ذات خيال جامح.
ينبهنا بنساعود إلى ما سنقبل عليه، من خلال التمهيد الذي يأتي على لسان أحمد بوزفور: "أنا مهووس بالمعنى الذي يتحول كالجني بين الأشكال والسياقات، ولا تكاد تقبض عليه حتى يتفلت".
إذن نحن أمام اعتراف بأننا أمام قصص تتسم بالمراوغة بداية من العناوين التي جاء بعضها مبتوراً مثل جملة تنتظر القارئ أن يكملها وفق ما رآه أو ما تشكلت أمامه اللوحات والرؤى، أو أحجية أقرب إلى "البازل" الذي أحبُّه كثيراً وأجد فيه متعة كالأطفال.
لقد بدأ شعوري بالدهشة والذهول منذ رأيت العنوان " لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" وهو بالفعل ما ينطبق على المعاني وراء القصص، فالحكايات هنا تحتوي على تفاصيل متشابكة وصور متنوعة لأنماط مختلفة من البشر ومعاناتهم اليومية التي تضغط عليهم باستمرار، ونتأكد مع توغلنا أكثر داخل هذا العالم، أن هذا العرض لا ولن ينتهي بإسدال الستارة، بل تظل الحياة تمارس خداعها وألاعيبها مع الأبطال، وتواصل عروضها التراجيدية والعبثية داخل الكواليس التي نجد فيها بعض التفاصيل لعالم أشد غرابة من الحكايات المَروية.
بل إن ما نظنه أحياناً مجرد حكايات هو في أغلبه انعكاس لما يحدث على مسرح الحياة من دراما كثيراً ما يكون أكثر تراجيدية وإيلاماً وغير قابل للتصديق.

Messenger_creation_71898D75-5F42-48B3-B2A9-2F065C6D1F69.jpeg

يتميز العالم القصصي لدى علي بنساعود بأهم ما يميز فن القصة القصيرة، وأهم سمات تيار ما بعد الحداثة، مثل هيمنة تيار الوعي والمونولوج الداخلي الذي نلمح فيه تصاعد نبرة الخوف والقلق والتوتر، فالذات الساردة في معظم القصص تتهامس ظلالها، وتستنطق هواجسها بلغة مسكونة بالغضب والسخط، هو هروب إلى أحلام اليقظة، ومزجٌ واعٍ بين الحقيقة والحلم، واستدعاءٌ للخيال الطفولي، وتجليه في حالات مختلفة ومتنوعة من الشخصيات، كأن الأديب يرى أن الخيال هو الملاذ الأخير من واقع ضاغط لا يرحم.
فالطفلة في قصة "بوصلة في مهب الريح"، والتي لم تتخط خمسة أعوام تتماهى مع صورة خلقتها من وحي خيالها حتى كادت تصدقها، ومن فرط براءتها نجد رفيقاتها صدقنها، مما أغضب المعلمة، والمدهش أننا نجدها تعترف أنها تكذب وتشعر في عمق عقلها أنها مذنبة، لكنها تبحث عن مبررات للكذب، ونراها تصارح نفسها: "أحرص على تجديد أكاذيبي وتلميعها، وأحاول أن تكون مقنعة!"، وفي لحظة قرب النهاية، تقول: "انهمرت دموعي وهمست لي نفسي ألا ترين أنك كذبت وصدقت كذبتك؟!".
لتنتقل بنا إلى لحظة الصدق وانجلاء سحب الخداع، فالطفلة لم ترد إلا الهرب من واقع الغرفة الضيقة والحمام المشترك، مما دفعها لأن تخلق في خيالها البريء عالماً آخر أكثر رفاهية، لا يخضع لقوانين الواقع، العالم البديل يوجد به ما تتمناه وهو بسيط ومشروع، هي فقط ترغب بأن تعيش في بيت به حمام كبير يكفي مغطسه لتربية تمساح، ليس كلباً ولا قطة مثلاً.
نستنتج من الصورة الفكاهية المغلفة بالكوميديا السوداء أنها تعبر عن غضبها ورفضها للبيت المتواضع ولأسلوب الأم الجاف في التعامل معها، وهو مما يستعصي على إدراك الطفلة الصغيرة، مما يولد لديها شعورا بالدونية وعدم الاستحقاق، ووسط حديثها المسترسل تقدم لنا بعض الإشارات على الدافع وراء أكاذيبها البريئة، فالأم بعدما أنجبت الشقيقة الثانية للراوية، أصبح كل اهتمامها موجهاً للصغرى، وتزيد في إهمالها لابنتها الأولى بأن تقارن بينها وبين أبناء وبنات الجيران، فوصل الغضب بالطفلة حداً من الألم أن ادعت أن هذه ليست أمها بل هي أمها بالتبني، ثم تعود لتؤنبَ نفسها فتقول: "هي أمك وتحبك، فقط قدري ظروفها ثم حين هدأْتُ تبين لي أني فقدت البوصلة واختلطت علي الأمور".
ثم تختم حديثها بجملة تعكس البراءة التي دفعتها لما فعلته: "كل ما أعرفه أنني كلما استيقظت أتفقد لساني".
كما يظهر ملمح الخيال الطفولي بقوة في قصص "فجأة انقطع التيار"، "ما خلف الباب"، وهنا أيضاً نجد صوراً أخرى وأشكالا متنوعة لرفض الواقع، واللجوء للخيال للبحث عن ملاذ من قسوة الشعور بالوحدة والاغتراب وتجاوز ألم الفقد "تحديداً في قصة الدمية"، بينما في الأولى رأينا الطفلة الغاضبة من معلمتها، فلجأت للخيال كوسيلة للتنفيس عن مكنونات النفس، ولتفريغ طاقة الغضب الكامنة في تجاويف عقلها، فعاقبتها بالضرب عندما صنعت دمية تشبهها، وفي خيالها وأحلامها صورتها كساحرة شريرة تطير فوق مقشتها التي لها رأس قطة!
• حين ضاق البيت علي:
تلجأ بطلة الحكاية هنا للحلم بديلاً عن واقعها، ولأن في بداية القصة، وحتى قرب نهايتها، لا يوجد ما يفصل الحلم والخيال عن الواقع، فصدقت بالفعل –كقارئة- أن هناك امرأة حاملاً آتية في زيارة لأهلها، أنها تنتظر مولوداً، وتفاعلت مع عالمها الخيالي بكل مشاعري وحواسي.
لكن العالم الذي أدخلتني بحكاياتها إليه جعلني أشك أن هناك فخاً وقعت فيه، عندما بدأت تحكي عن أهلها وعن غرفتها التي تحاول اللجوء إليها كملاذ عن المسؤوليات التي تقوم بها وحدها، بينما إخوتها لا يقومون بأي جهد لمساعدتها بل هم يبعثرون ما رتبته!
خلقت الراوية هنا عالماً يحقق لها طموحاتها، ووصل بها الحلم إلى شطحات هائلة، أدت بها للانسلاخ عن ذاتها وعن واقعها الذي ترفضه وتعجز عن تغييره، فوجدناها تعيش في بيت آخر أكثر اتساعاً وتنظيماً، يتوفر به عدد من الخدم" ليس خادماً واحدًا"، مما يتيح لها استضافة صديقاتها نهاية الأسبوع، فيقضون وقتاً ممتعاً، وتنقلت الراوية من حلمٍ إلى آخر حتى عندما وصلنا قرب النهاية أفقنا معها على نظرة الجارة وجملتها المعبرة عن الشفقة والتعاطف فرددت من فرط ذهولها: "لاحول ولا قوة إلا بالله" وعند النهاية نعود معها للواقع، حيث تقرر الأم أن الحالة قد تفاقمت ووصلت لدرجة من التدهور تحتاج أن يأخذها الأب للطبيب!
وفي قصص "واقترب الفرج "، "مجرى ولا ماء "، أيضا نلمس حالتين لفتاتين تعانيان من صور أخرى من القهر، ونجد فيهما أيضاً أحد سمات فن القصة القصيرة وهو رفع درجة التوتر لدى الراوية في القصة الأولى، لكنه يتركنا معلقين إلى نهاية مفتوحة تاركاً لنا الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام حرية الاستنتاج والتأويل، فلا نتيقن من مصير الفتاة في "واقترب الفرج" هل ستحسم أمرها أم سيغلب عليها الشعور بالخوف على الأم، وتركها مع الأب القاسي الغضوب الثائر دائماً لأتـفه الأسباب، بينما يفجعنا بمصير الفتاة في القصة الثانية "مجرى ولا ماء"، ويضعنا في حالة من التفاعل والتأثر لما حدث للفتاة المراهقة من مصير مأساوي، نتيجة لمجازفتها بحياتها أملاً في استعادة الفتى التي أحبته!
قصة أخرى من القصص المراوغة التي أوقعتني في حيرة هائلة، هي "لوحي المحفوظ"، نحن من البداية نرى رجلاً يشعر بالوحدة، وتهاجمه مشاعر مرتبكة لا نقدر على الإمساك بها، وهنا تتجلى ملامح ما بعد الحداثة، فالقصة كلها يتجسد فيها تيار الوعي، حيث يتحاور البطل مع نفسه، يستدعي ذكرياته البعيدة، يتخيل شقيقته وهي تتحدث معه لتشتكي من أبيهما ومن خيانته لأمهما، لكن كيف لرجل مثل بطلنا أن يمتلك والده "هاتفا خلوياً" أو "محمولاً" وله شفرة أيضاً.
عند هذا المشهد توقفت لأتساءل: "كيف لرجل له أبناء كبار استقلوا بحياتهم أن يكون له أب مازال قادراً على المغامرات العاطفية؟"
العنوان نفسه "لوحي المحفوظ" يحمل دلالة على محاولة الراوي تغيير قدره المحتوم، ويحاول أن يتغلب على أزمة شعوره بإهمال زوجته وأبنائه له، نحن أمام رجل يحاول إثبات وجوده، يستمتع باستدعاء ذكرياته مع أبنائه وهم صغار من خلال مشاهدته لصورهم والفيديوهات التي سجلها لهم ليراقب نموهم وحركتهم وتطور خطواتهم الاولى، فيرى نفسه وقد عاد صغيراً، بحاجة للرعاية والشعور ببهجة الحياة، وأنه مازال يتطلع للاستمتاع بما تبقى له فيها، ربما في عمق اللاشعور لديه يتردد سؤال: "ترى ماذا كُتب في لوحي المحفوظ؟ هل ما أعيشه الآن من وحدة وغربة داخل منزلي كان مكتوباً منذ زمن بعيد، ومن قبل أن أولد؟"
ولأن الأديب هنا بارع في دق جرس الإنذار، فيجبرنا على الانتباه لألاعيبه السردية، نجده ينهي حكايات بطله المختلقة، بأنه أعاد المذكرات إلى مخبئها، ليدفعنا للتساؤل: من كتب هذه المذكرات؟ هل هم أبناؤه؟ وهو يتماهى معها لينكر أنه عاش في يوم ما دور الزوج الخائن؟ هل هو الأديب يراوغنا لينقل لنا كم هو ثقيل شعور الرجل رب الأسرة عندما يجد نفسه محاصراً بين جدران بيته، يفتقد الصحبة والونس، فيدلي باعترافات تأتي من أعماق ذاكرته، يحاول فيها أن يلتمس لأبنائه العذر في نسيانهم له، أم ترى هو يحاول تغيير مصيره الذي كُتب في لوحِه المحفوظ، فيربت على روحِه، ويواسي نفسه، ويقول جملة أقرب للغز: "بقي أن أشير إلى أن والدي ووالدتي لم يسبق لهما أن التقيا، بل لا يعرف أحدهما الآخر، وما أخشاه هو ألا يتزوجا إذا قدر لهما أن يطلعا على ما خططته لهما في لوحي المحفوظ هذا!".
• "قصة هذا ليس أنا"
نجد أنفسنا هنا أمام نص مراوغ، جعلني أدخل إلى عقل الراوي، أعيش معه تجربته، أكاد أصدقه لولا بعض الإشارات التي أوحت لي أن هناك خدعة ما، ستظهر تفاصيلها لاحقاً.
ما جعلني أشك في صدق حكايته "عشت معها سنوات من المتعة والتمزق"، "في الجلسة الأخيرة تغير كل شيء"، عندما غاب المنطق والتتابع الزمني الطبيعي عن روايته، إذ ليس معقولاً أن تحبه الطبيبة من أول زيارة مثلاً، ولماذا هو بالذات الذي تهيم به حباً؟
تتجلى الأزمة النفسية وأبعادها المخيفة لدى الراوي بانسلاخه التام عن واقعه، واندماجه في حالة الخيال والرغبة، لقد اندمج في حالة حب رومانسية لأقصى حد، النهاية جعلتني عند انتهاء القراءة الأولى في حالة صدمة، فالنقلة إلى هذه الحالة العاطفية حدثت في خيال الراوي فقط، هنا الأديب يراوغنا بحيلة الانتقال عبر الزمان والمكان إلى عالم اخترعه المريض المنتظر في عيادة الطب النفسي في خياله فقط، وحلم اليقظة يبدو أنه يراوده وقد نبع من أثر احتياجه العاطفي وعجزه عن إشباعه في الواقع، ونلاحظ أبعاد الأزمة الحادة التي يعاني منها المريض عندما يكاشف نفسه قائلاً: "لم أتوقع أن تنتهي قصتنا هذه النهاية الصادمة المبهمة، ولا أن تتخلص مني مثل منديل ورقي في أول حاوية." و"من طبعي أنني أخاف من النهايات!"
الجمل التي يرددها الراوي لنفسه تجسد تيار الوعي، فهو يدير حديثاً داخلياً مطولاً مع ذاته، يستغرق زمن الحوار سنوات، بينما في الحقيقة لم تدم مدتها إلا ساعة فقط هي زمن انتظاره ليأتي دوره بالدخول للعيادة!
هناك قصة توقفت عندها كثيراً :"سيف ديموقليس".
تحلِّق في أجواء القصة روح فرانز كافكا في روايته الشهيرة "المحاكمة"، فالراوي يخبرنا أنه متهم بالسرقة، يغلف الأديب هنا مشاعر السخط والغضب المكتوم بالسخرية والتهكم، فيعرض لنا كيف تحول الصحفي لمتهم، وكيف وصل به الحال أن يفاجأ بنفسه يقرأ اعترافات كتبها بخط يده، يعتبرها وكيل النائب العام دليل إدانة، وندخل في تفاصيل القصة ما بين اتهام النيابة ودفاع المحامي، حتى يكتمل الشكل الدائري للقصة، فنحن من البداية نلمح إشارة إلى أن الراوي يعمل في مهنة تتضاعف متاعبها كلما كان مجال عمله في قسم الصحافة الاستقصائية.
لذا، بالطبع، هناك من يراقبه، ويعلق فوق رأسه سيف ديموقليس "وفق الأسطورة الإغريقية"، حتى إن ثبتت إدانته يهوي السيف على رأسه، أو أن ينجو بمعجزة ما، أو يخدمه حظه ويتمكن من إثبات براءته من تهمة باطلة، وتُقفَلُ الدائرة بجملة على لسان المحامي تلخص أسباب محاكمة الصحفي وتتركنا أيضاً معلقين ما بين الأمل في النجاة أو المصير التراجيدي الذي نعلمه جيداً.
"حين قررت أن أتعايش معها"، "بعوض بلا طنين"، وصفتا حالة الصراع داخل الراويتين، الأولى تعيش في قصة خيالية افتراضية، تحاول كما فهمت من العنوان أن تتعايش مع ذاتها وتتكيف مع اغترابها عنها، فتخلق حالة أمومة افتراضية.
أما الثانية فهي أيضاً عن فتاة تعيش حالة تماه مع أم غائبة، وتبتكر في خيالها تفاصيل قريبة من الواقع، تكاد من فرط تعايشها مع هذا الخيال أن ترى أمها تحاول قتل البعوض الذي يتسبب في أَضرار مخيفة ويسبب إزعاجاً بطنينه المتواصل، لم أملك إلا الإشفاق عليها وعلى الوحدة وربما ما يصيبها من تناول أدوية، تؤدي لحالة من الهلاوس والتخيلات التي قد تصل بصاحبها أحياناً للجنون.
وختاماً فإن قصص علي بنساعود ليست هروباً سلبياً من الواقع، بل هي مقاومة له بأدواته. الخيال هنا فعلُ تعافٍ ومساءلة، وبناءٌ لعوالم بديلة تفضح هشاشة الواقع وقسوته. إنه يمسك بمرآةٍ مقعرة ليرينا ذواتنا المتشظية، ويُعلن أن الستارة لا تُسدَل أبداً، لأن المأساة مستمرة، مادام الإنسان سجينَ حاجته إلى المعنى والشعور بأهمية وجوده، ورغبته في واقع يحقق له الحياة السوية، ورهين حلمه بالخلاص.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى