أحمد رجب شلتوت - حينما تصبح الخرافة نظامًا للحكم - قراءة في رواية نقطة نظام لصبحي موسى

حينما تصبح الخرافة نظامًا للحكم

أحمد رجب شلتوت

أسرتني الرواية البديعة "نقطة نظام" للمبدع "صبحي موسي" منذ فقرتها الأولى، فواصلت القراءة بشغف مستمر، لكن في الفصل الخامس توقفت للحظة؛ لأن اسمًا باغتني: "أبو النمرس"، هو اسم قريتي، عندها نهضت الذاكرة تلقائيا، وتزاحمت الصور والوجوه والطرقات القديمة، قبل أن أعود سريعًا إلى الرواية، فالكاتب استعار الاسم، ليؤسس عالمًا آخر اعتمادا على الذاكرة الشعبية والأسطورة.

بالطبع واصلت القراءة، ليس بحثًا عن القرية التي أعرفها، بل بحثًا عن قرية الرواية؛ بما تختزنه من أساطير، وبالطبع أيضا، ليست كل رواية تستدعي الأسطورة رواية عن الماضي، ولا كل رواية تستثمر الخرافة تنحاز إلى العجائبي. ففي "نقطة نظام" يتعامل "صبحي موسى" مع الخرافة باعتبارها قوة فاعلة، ليس لأنها صادقة بالضرورة، ولكن لأن الجماعة آمنت بها. ومن هنا أرى أن "نقطة نظام" رواية عن نشأة السلطة.

السلطة باعتبارها سردية

منذ الصفحات الأولى يؤسس صبحي موسى عالمًا تتجاور فيه الوقائع اليومية مع المرويات الشعبية، والأساطير مع تفاصيل الحياة اليومية، بحيث ننتقل من مستوى ظاهر للواقع إلى مستوى آخر أكثر عمقًا. فالشخصيات تتحرك داخل شبكة كثيفة من الحكايات المتوارثة، فالأسطورة تمنح الجماعة لغة مشتركة، وتحدد لكل فرد مكانه داخل البنية الاجتماعية، وتخلق شعورًا بأن النظام القائم يشكل امتدادا لترتيب يسبق وجود الجميع.

هكذا يتضح أن السلطة في "نقطة نظام" تستند إلى القبول الرمزي وإلى القوة في نفس الوقت، فالناس يخضعون للسلطة ليس فقط لخوفهم منها أو عجزهم عن مقاومتها، وإنما لأنهم يرون النظام الذي يعيشون في ظله جزءًا من طبيعة الأشياء. وما يبدو في ظاهره خرافة، يتحول مع الزمن إلى يقين اجتماعي، فكل حكاية تُروى، وكل طقس يُمارس، وكل رمز يكتسب قداسة، يضيف حجرًا جديدًا إلى بناء السلطة. وبالتالي يصبح المجتمع نفسه شريكًا في إنتاج السلطة التي تحكمه.

هكذا تخبرنا الرواية ضمنًا، أن السلطة والخرافة تنموان معًا؛ فكل سلطة تبحث عن قصة تمنحها الشرعية، وكل قصة تحتاج، بدورها، إلى سلطة تحفظها من النسيان. وهكذا تنشأ بينهما علاقة تبادلية تجعل من الصعب معرفة من منهما ينتج الآخر.

أنماط للسلطة

لم ينشغل "صبحي موسى" في روايته برسم مصائر أفراد يعيشون في قرية مصرية، وإنما جعل منها تجسيدًا لأنماط مختلفة من ممارسة السلطة، ولهذا يكتسب الميرزا مثلا، أهميته لأن الحكايات المروية عنه صنعت له مكانة تجعل الناس يتعاملون معه باعتباره حقيقة قائمة قبل أن يروه بأعينهم. إن السلطة هنا تتولد من الصورة التي استقرت عنه في الوعي الجمعي.

والأمر نفسه ينطبق على شخصية ذي السيفين، إنها تمثل الوجه الآخر للسلطة؛ الوجه الذي يحتاج إلى رمز استثنائي يمنحه الناس صفات تتجاوز الطبيعة البشرية وهنا تصبح الأسطورة هي الشخصية الحقيقية.

ولذلك فإن إسقاط حاكم لا يعني بالضرورة سقوط النظام، فالنظام الحقيقي يقيم داخل المخيلة التي أعادت إنتاجه طويلًا. ومن هنا تبدو السلطة، في الرواية، أشبه بنهر خفي يجري تحت الأحداث، بينما الشخصيات ليست سوى الوجوه الظاهرة لمياهه.

الواقعي والعجائبي

ليست "نقطة نظام" رواية عجائبية رغم حضور الشخصيات التي تبدو خارجة عن المألوف، والحكايات التي تتجاوز حدود المنطق. فهذه العناصر تعمل كوسيلة لاختراق طبقات الواقع العميقة، وصبحي موسى يحاول أن يكتب ما يؤمن الناس بوجوده، حتى وإن لم يكن مرئيًا. وهنا يتحول العجائبي إلى أداة واقعية من نوع آخر، لأنه يكشف البنية الذهنية التي يعيش المجتمع داخلها. فالكاتب لا يقول لنا إن الكرامات وقعت بالفعل، أو إن الأساطير حقائق تاريخية، بل يقول إن الإيمان بها هو حقيقة اجتماعية لا يمكن تجاهلها إذا أردنا فهم المجتمع نفسه، وهذا فارق جوهري بين الرواية والعجائبية التقليدية.

ففي الرواية يشرح الحدث العجائبي ما تعجز اللغة الواقعية عن شرحه، حتى نفسر هيبة شخصية بعينها، أو استعداد جماعة كاملة للخضوع، أو نفهم سر استمرار سلطة ما رغم تبدل الأشخاص، هنا تتدخل الأسطورة لتفسر الواقع من داخله.

وهنا تتجلى براعة الروائي في عدم وضع حدود فاصلة بين العالمين، فالأسطورة جزء من الحياة اليومية، كما أن الحياة اليومية تعيد باستمرار إنتاج الأسطورة. وبالتالي قد تكون أكثر الأحداث غرابة في الرواية، على المستوى الاجتماعي، أكثر صدقًا من أكثر الوقائع اليومية المعتادة.

ومن هنا لا تبدو الخرافة مجرد أداة للسيطرة، بل استجابة لحاجة إنسانية إلى المعنى، وهو ما يجعلها قابلة لأن تتحول، في لحظة تاريخية معينة، إلى أداة للسيطرة. لذلك يبتكر الإنسان الحكايات، ثم يورثها لأبنائه، ومع الزمن تتحول هذه الحكايات إلى يقين اجتماعي، فتصبح جزءًا من تعريف الناس لأنفسهم.

ولهذا فإن مقاومتها تمثل زعزعة للنظام الرمزي الذي يستند إليه المجتمع في فهم ذاته. ولعل هذا هو السبب في أن الرواية لا تنتهي بانتصار العقل على الخرافة، ولا بانهيار النظام الذي صنعته الحكايات. لأن الكاتب يدرك أن الأسطورة حين تسقط فإنها تفسح المجال لأسطورة أخرى، وأن يستمر ليس مضمون الحكاية، وإنما الحاجة إليها.

وأخيرا فإن التأمل في الرواية يجعلنا نميل للقول إن السؤال الحقيقي الذي يطرحه صبحي موسى هو سؤال الشرعية وليس سؤال السلطة، ولذلك لا تنشغل الرواية بالعنف بقدر انشغالها بالسردية التي تجعل العنف مشروعًا، وهنا يصبح الماضي نفسه مادة لإنتاج الشرعية. ويتحول التاريخ إلى وسيلة لإنتاج الحاضر، وهذه العملية تتجسد في التفاصيل الصغيرة، في الأسماء، وفي الطقوس، وفي تكرار الحكايات، وفي طريقة انتقالها من جيل إلى آخر.

وهكذا تتجاوز الرواية حدود القرية، وتتجاوز التاريخ الذي تستحضره، لتصبح تأملًا في آلية إنسانية لا تزال تعيد إنتاج نفسها في كل زمان ومكان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى