بكر علوان - بئر يفشي الأسرار

كانت الطائرةُ ترصدُ المدينةَ من الجو بينما كنا نحدق رأينا القناديل الصغيرة تتلألأ في أزقةِ صنعاء.
هبطت الطائرة، أخذنا صاحب التاكسي من المطار إلى مسقط رأسي، صنعاء القديمة.
وصلنا إلى فندقٍ قديم، فندق (داؤود)، كُتبت لوحته بثلاث لغات، حجزنا غرفتين متجاورتين أنا وصديقي الألماني.
كان مندهشاً جداً لجمال هذه المدينة التي قرأ عنها، مدينة السور القديم “Old walled city”.
نمنا، وما إن استيقظنا خرجنا متنقلين عبر الأزقة، مكبرات الصوت تنداح في آذانِنا قادمةً من جوامع صنعاء، إنه وقت الظهيرة.
طُفنا في الأزقة، واحداً تلو الآخر، ما من أحدٍ كان هناك، أغلق الباعةُ محالَّهم التجارية واتجهوا نحو المساجد.
بعد فترة تجوال وجيزة، عدنا من حيث أتينا.
في الطريق ناكفني صديقي بسؤال مليء بالدهشة:”ما هذا؟”، وأشار إلى مربع صغير على الجدار، أجبت : ” إنها مجاري المياه، يستعملها سكان صنعاء لسقي الزرع في (المقشامة) أثناء هطول الأمطار.
قال بلكنته تلك: “امممم، هذه المدينة أغرب مما قرأت عنها”.
ابتسمتُ له ابتسامة مشاغبة، ثم واصلنا سيرنا عائدين إلى فندق (داؤود)، وفي لحظة وصولنا رأينا بئراً على الميمنة منا، أراد صديقي مشاهدته عن قرب، أخذنا الإذن من القائمين عليه.
فجأة، انتابني شعور غريب، كأني أعرف المكان، أو كأنه يخصني، حين سُمحَ لنا بالاقتراب منه أنزل صديقي الدلو وبدأ بالسحب للأعلى، صرخ فيّ: “إنه ثقيل! أثقل مما تصورت، تعال وساندني! “.
صدقاً، لقد كان ثقيلاً جداً.
فجأة تحول المكان إلى ظلمة قاتمة، وخرج من البئر شبح، ثم …تجلى الشبح عن فتاة ذات جمال باهر، أضاء وجودها المكان، فتحت فمها الصغير وقالت بصوتٍ يشوبه الألم: ” محمد! أنا حفصة”، تمتم صديقي بفزع: ” أتعرفها ؟!” ، أجبته ونوبة الذهول تعبث بي : ” نــــ ــعــــ ــم “.
تهاويتُ عند قدميها والدموع تنهار من عينيّ وقلت بصوت متهالك: ” إنها أول شخص أشهد موته، هي سبب هروبي إلى ألمانيا،
كنا نلعب في (المقشامة) المجاورة، هربتْ وأردتُ لحاقها، فاختبأتْ هنا، وحين جئتُ مسرعاً وأردتُ الإمساك بها، رآنا أخوها وانطلق نحونا مسرعاً، همّ بنا ورماها في البئر ظناً منه أنها دنست شرفه، أخرجوها ميتة حينها، واتهمتُ أنا بهتك عرضها وتدنيس سمعة عائلتها، حملت يراعي واستطعت أن ألوذ بالفرار، أكثر من خمسة عشر عاماً مضى، حاولت نسيانها، لكنها اليوم تعود.
قالت بصوتٍ شاحب: “لا تقل هذا يا محمد،
أنا لم أمت !”.
ركعتْ على ركبتيها وأشاحت اللثام عن وجهها، همست لي: ” لا تخبرهم أنني هنا، أرجوك! سيصمونني بالعاهرة، اختبأتُ كل هذه المدة لأجلكَ وحدك، لا تتركني وحيدة هنا أرجوك، فلم يعد باستطاعتي مصارعة الألم وحدي”.
احتضنتني بشدة، بوجه مغمور بالحزن، كانت كلما ضمتني إليها تنكمش أكثر ليصغر حجمها، بدأت تتبدد شيئاً فشيئاً حتى صارت أمامي بحجم أرنب، فمها كان يتحرك كثيراً، كأنها كانت تنقل رسالة أخيرة، لي، لأخيها، لأحد ما، لستُ أدري.
كان صديقي مذهولاً لما يحدث، كذلك أنا، أمسكتُ برأسي كمن يمسك بجرة، دموعي تسح بغزارة.
عمّ السكون واختفت حفصة رويداً رويداً، حتى صرتُ لا أتبينها واشتد المكان ظلمة، حين تحسست المكان من حولي، وقعت يدي على كأس الماء المتروك من ليلة البارحة على الطاولة الخشبية، انسكب الماء على يدي ، ونهضت فزعاً من فراشي، قفزت نحو النافذة..
كانت فرانكفورت تغتسل تحت مطر خفيف، وأنا أتصبب عرقاً من الكابوس الذي جثم على صدري.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى