حاتم السيد مصيلحي - تراثنا بين الشائع المطروق والخفي المتروك :

ركب الكثيرون من أرباب الفكر، وسدنة العلم موجة التنقيب في التراث الإسلامي بحجة تنقيته مما لحق به، واندس عليه من أمور ليس لها أصل ديني ولا فصل فقهي أو تاريخي، وهذا أمر محمود ولكن البعض جرفته شطحات الفكر، ورفعته تيارات الشهرة إلى أبعد من ذلك فأظهر عورات التراث بدءا بالتشكيك في شخصياته ، وإلحاق التهم به دون مراعاة لظروف العصر أو ملابسات الحوادث التي وقعت فيه، ثم الانتقال إلى النصوص بالقدح فيها باعتبار ما يسحب على الجزء ينسحب على الكل والاستشهاد ببعضها لتكون دليلا قاطعا على شكوكه، ثم التشكيك في مقدساتنا ذاتها، بهدف صرف الناس عنها وإسقاط انتماءاتهم، وضياع القضية.

إن تراث أي أمة يحمل بين ثناياه ماهو مدسوس أو مكذوب ورغم ذلك لا يشكك فيه أحد بدعوى ألا مساس، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وتقديس الشخصيات التاريخية لحد التخليد وإن كانت عليها مآخذ، ورغم ذلك يأتي من يخالف في إطار ماألفه الناس وبوسائل من الإقناع تجعلهم يؤمنون بالفكرة، وأذكر رواية قنديل أم هاشم للروائي القدير الراحل يحى حقي، حين تحدث عن معالجة الفكر أو المعتقد الشعبي الموروث لا بهدمه بالكلية، فيقابل ذلك بالرفض والإنكار، ولكن المعالجة بحرفية وبآليه ترفض خطأ القديم الموروث وتقبل بصحيح الجديد المدروس .

إن التنويرين الجدد أو من يدعون لأنفسهم ذلك ، لا يملكون سوى الجعجعة الإعلامية والهطل العلمي عبر المنابر المختلفة ، فهم أشبه بكومبارس السينما الذي لا يظهر إلا في مشهد أو لقطة فيسجلها لنفسه ويعد نفسه ممثلا مشهورا، حتى إذا نظر إليه المارة في الطريق توهم أنه معروف أو أصبح شخصية مشهورة ، وكان من باب أولى التريث، وأن يقوموا بدراسات متخصصة عميقة بهدف خدمة الإسلام، فيكشف زيف بعض القضايا، ويثبت ماهو صحيح بالأدلة والبراهين الدامغة دون المساس بالثوابت الدينية أو تسفيه أئمة الإسلام الذين قاموا بدورهم واجتهدوا قدر استطاعتهم وإن أخطأوا في بعض أحكامهم وفتاواهم ، وهم لم يجبروا أحدا الأخذ عنهم، إلا أنه لم يأت بعدهم من يجدد الأحكام بما يتوافق مع ظروف ومقتضيات العصر وهذا ليس ذنبهم بل ذنب من أغلقوا باب الاجتهاد وجعلوه حكرا على من سبقونا دون غيرهم.

فيا أئمة الفكر وقادة الرأي اتقوا الله في الإسلام والمسلمين وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أحوالكم، وينصر الإسلام بكم.


حاتم السيد مصيلحي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى