د. عادل الاسطة - سيمياء العنوان في ديوان محمود درويش "لا تعتـذر عما فعلـت"

بين يدي الديوان

يتكون ديوان "لا تعتذر عما فعلت" من ستة أقسام يشكل الأول أكثره. لقد حمل عنواناً واحداً هو "في شهوة الإيقاع" وضم سبعا وأربعين قصيدة، لكل واحدة منها عنوان، فيما احتوى كل قسم من الأقسام الخمسة الباقية على قصيدة واحدة، هي: "طريق الساحل"، "لا كما يفعل السائح الأجنبي"، "بيت من الشعر/ بيت الجنوبي"، " كحادثة غامضة"، "ليس للكردي إلا الريح" والثلاثة الأخيرة مخصصة لأمل دنقل و (بابلو نيرودا) وسليم بركات. وقد عرف درويش هؤلاء الشعراء، وكان في السبعينات رثى (بابلو نيرودا) ولم يدرج قصيدة الرثاء في أية مجموعة من المجموعات الشعرية السابقة.
الديوان ودواوين درويش السابقة:
حين يفرغ القارئ من قراءة هذا الديوان، يتذكر مجموعتي درويش "ورد أقل" (1986) و "هي أغنية... هي أغنية" (1986). هنا، في القسم الأول، سبعة وأربعون نصا، وهناك في "ورد أقل" خمسون نصا. هنا تتشكل القصيدة من صفحتين أو ثلاث، وهناك تتشكل من عشرة أسطر. هنا يغلب على القصائد تفعيلة البحر الكامل، وهناك، إلا واحدة، يغلب عليها تفعيلة فعولن. هنا يختار درويش الكلمة الأولى، أو السطر الأول، أو العبارة الأولى عنواناً للقصيدة، وهو ما فعله أيضا هناك. وإذا كان هناك اختلاف فهو، اختلاف يعود إلى تطابق الزمنين: الشعري، والكتابي أو اختلافهما. في "لا تعتذر عما فعلت" يكتب درويش عن أزمنة مضت، فيما كتب في "ورد أقل" عن زمن معيش. أعني أن الشاعر لم يسترجع في "ورد أقل" أزمنة مضت لقد كان يكتب عن الحاضر الذي يعيش، وخلافا لهذا نلحظه في مجموعته الجديدة يسترجع أزمنة مر بها قبل سنوات من الزمن الكتابي الذي يعيش.
أما القصائد الخمس الأخيرة، فهي، طولا، تذكر بقصائد "هي أغنية.. هي أغنية"، ولكنه في القصائد الحديثة لا يكتب في الموضوع الوطني الذي غلب على قصائد "هي أغنية..." إنه يكتب عن شعراء تربطه بهم صلة. يكتب عن بيوتهم، وعن فهمهم للشعر، ويكتب أيضاً عن الطريق والمكان، عن طريق البيت، وعن فلسطين.

عنوان المجموعة:
يختار الشاعر القصيدة السادسة، من القسم الأول، لتكون عنوان المجموعة. والعنوان يتكون من جملة فعلية، ويلاحظ من يتابع عناوين مجموعات الشاعر السابقة أن بعض العناوين كان يتشكل من جملة فعلية، وهو ما يبدو في "أحبك أو لا أحبك" و "أرى ما أريد" و "لماذا تركت الحصان وحيدا؟"، ويلاحظ أيضا أن الفعل ورد في عناوين أخرى، وإن لم يتصدر الجملة، وهو ما بدا في "العصافير تموت في الجليل" و "حبيبتي تنهض من نومها". لقد أصدر الشاعر سبع عشرة مجموعة أربعة منها ذات عناوين تحتوي على جملة فعلية. وأرى أن العناوين ذات الجمل الاسمية عناوين أكثر شاعرية.
هنا يتساءل الدارس: هل درويش هو الذي اختار العنوان أم أنه ترك شخصا آخر يختار العنوان؟ يروى أن الذي اختار عنوان "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" هو الفلسطيني نبيل خوري.
اجتهادات في قراءة العنوان:
نشرت بعض قصائد الديوان في الصحف، قبل وصوله إلى أيدي القراء، وذكر أنها من ديوان جديد عنوانه " لا تعتذر عما فعلت". ولم ينشر قصيدة العنوان في الصحف.
لقد تساءلت شخصيا: من يخاطب الشاعر في عبارته "لا تعتذر عما فعلت"، وذهبت المخيلة، قبل قراءة القصيدة نفسها، مذاهب شتى هي:
قلت: لعل الشاعر يخاطب الفدائي الفلسطيني بشكل عام، وقد يخاطب القيادة الفلسطينية أيضا. ثمة من يطالب هذين بالاعتذار، ويشجع على هذا الاجتهاد في القراءة ما ورد في أشعار الشاعر السابقة. ورد في "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" (1995) قصيدة عنوانها "خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس"، وفيها ترد عبارة "ضحية اعتذرت"، لنقرأ:
"أغلقوا المشهد
انتصروا
عبروا أمسنا كله
غفروا
للضحية أخطاءها عندما اعتذرت
عن كلام سيخطر في بالها،
غيروا جرس الوقت
وانتصروا" (ص156)

ثم ذهبت مذهبا آخر. قلت لعل الشاعر يخاطبني قارئاً لأشعاره أو ناقدا لها. فقد كتب في "حالة حصار" قصائد وجهها إلى القارئ وأخرى إلى الناقد، وطلب من الأخير ألا يفسر كلامه بملعقة الشاي. في القصيدة التي ظهرت في حالة حصار الموجهة إلى الناقد، قلت: الخطاب موجه إلي، وهنا تساءلت: أيطلب الشاعر مني ألا أعتذر لأحد.
أطرف الاجتهادات في تحديد هوية المرسل إليه كان في 11/11/2003، حين ظهرت القصيدة على صفحات بعض الصحف اليومية، ومنها جريدة الأيام (رام الله). في هذه الفترة كانت الصحافة تكتب بكثرة عن صفقة تبادل الأسرى المنوي تنفيذها بين حزب الله (لبنان) وإسرائيل. وورد في المقالات وفي نشرات الأخبار اسم الأسير سمير القنطار المحكوم ما يربو على (500) عام، وهو يرفض الاعتذار عما فعل حتى يطلق سراحه. يومها قلت: هل يعرف الشاعر بقصة هذا المناضل، يوم كتب قصيدته؟ وهل الخطاب موجه إلى سمير القنطار؟
هذه الاجتهادات كلها ممكنة. وهي اجتهادات تبيحها النظريات النقدية الحديثة، وبخاصة تلك التي ما عادت تقول "المعنى في بطن الشاعر"، النظريات التي نقلمت مركز الثقل إلى القارئ الذي غدت علاقته بالنص مهمة، إذ حل محل المؤلف. غير أن هذه النظريات ظلت تصر أيضا على أهمية النص، وهذا هو الذي سيكون الحكم الوحيد. هو الذي سوف يرجح تفسيرا، ويقصي تفسيرا آخر ويستبعده. فما الذي يقوله النص؟
أشير، ابتداءً، إلى أن درويش صدر ديوانه بما يلي:
"توارد خواطر، أو توارد مصائر
لا أنتِ أنتٍ
ولا الديار ديار
[أبو تمام]
والآن، لا أنا أنا
ولا البيت بيتي
[لوركا] "
وقراءة هاتين العبارتين تقول لنا أن ما يمر به درويش الآن، هو ما مر به أبو تمام ولوركا. وأن معنى لوركا وأبي تمام هو ما يعنيه درويش. هنا درويش يخاطب نفسه إذن ولا يخاطب قارئه بشكل عام، وقارئه الناقد بشكل خاص، ولا يخاطب سمير القنطار. إنه يخاطب الآخر فيه، وهذا الأسلوب كان درويش وظفه في كتابه النثري "يوميات الحزن العادي" (1973)، وكان له السبق، على ما أظن، في توظيفه في النثر العربي الحديث. إنه هنا يجرد من ذاته ذاتا أخرى ليخاطبها، وهو يفعل ما فعله أبو تمام، وما فعله الشعراء الجاهليون من قبل، وما فعله أبو نواس في عشرات من قصائده. كان زهير بن أبي سلمى يقول:
دع ذا وعد القول في هرم خير البداة وسيد الحضر
وكان أبو نواس يقول:
دع الربع ما للربع فيك نصيب وما إن سبتني زينب وكعوب
ومثل زهير وأبي نواس وأبي تمام ينهج درويش هذا النهج، لا في الأسلوب فقط، بل بالوقوف على الأطلال. [ أشير إلى أن الشعراء الجاهليين وقفوا على الأطلال، وخاطبوها، وان أبا نواس أيضا الذي ثار على الوقوف على الأطلال، وقف عليها في بعض قصائده].
ويخلص المرء، بعد قراءة قصائد من "لا تعتذر عما فعلت" إلى أن درويش هنا، مثله مثل شعراء الجاهلية، يقف أيضا على الأطلال. وإذا كان في بداية حياته الشعرية يخاطب أمرأ القيس:
" وقفة الأطلال يا شاعرها
في بلادي.. في زماني
أي عار ترتدي هذه الأغاني
عندما تهدي إلى أطلال بئر.. وأوان"
(يوميات جرح فلسطيني، ص59).
فإنه، وقد مرّ بما مرّ به منذ عام 1970حيث ترك فلسطين وعاد إلى زيارتها عام 1996، فإنه يعود إلى بيته السابق، وإلى قريته السابقة ويتذكر الماضي الذي برز في غير قصيدة هنا، وإنه يتلاعب أيضا بالضمائر، لا حبا في التلاعب، بل لأنه الآن يتذكر ماضيه، لأن أناه الآن تذكره بأناة التي كانت، وهكذا تتوارد المصائر، وتتوارد الخواطر، ليقول:
"ويا ضيفي... أأنت أنا كما كنا؟
فمن منا تنصل من ملامحه؟
و:
"قلت: يا هذا، أنا هو أنت
لكني قفزت عن الجدار لكي أرى
ماذا سيحدث لو رآني الغيب أقطف
من حدائقه المعلقة البنفسج باحترام..
ربما ألقى السلام، وقال لي:
عد سالماً (ص 24)

وهنا نتوقف أمام قصيدة " لا تعتذر عما فعلت"
المخاطب/ بكسر العين/ هو أنا المتكلم. أنا محمود درويش. والمخاطب/ بفتح العين/ هو أيضا محمود درويش في اللحظة نفسها. هل سيعتذر محمود درويش عما فعل عام 1970، عندما غادر فلسطين وقامت القيامة يومها لسلوكه هذا، وبخاصة انه هو الذي قال:
وأبي قال مرة:
الذي ما له وطن
ما له في الثرى ضريح
ونهاني عن السفر".
يطلب محمود درويش، وهو يكتب النص، من محمود درويش الحالي ألا يعتذر عما فعل. إنه المخاطِب والمخاطَب في اللحظة نفسها، وقد ينطبق سلوكه على سلوك رفاقه ممن رحلوا أيضا، فلم يكن الفلسطيني الوحيد الذي ترك فلسطين، لقد تركها شعراء آخرون مثل راشد حسين، ولكن مجمل القصائد تقول إن درويش يخاطب درويشا.
"لا تعتذر عما فعلت- أقول في
سرّي. أقول لآخري الشخصيّ:
ها هي ذكرياتك كلها مرئية:
ضجر الظهيرة في نعاس القط
عرف الديك
عطر المريمية
قهوة الأم........" (ص25)
وتحيل بعض هذه الأسطر، وبخاصة السطر الأخير إلى قصائد مشهورة للشاعر، أبرزها "احن إلى خبز أمي" و "من روميات أبي فراس".
وهنا في "لا تعتذر عما فعلت" يصف درويش بيته، بيت أمه الذي حل عليه في العام 1996 ضيفا، ويأتي على ذكر عائلته وأصدقائه. فكأنه شاعر جاهلي يعود إلى المكان، فيستثير فيه هذا كوامن الماضي، بل إنه ليتساءل: أهو الآن ذاك الذي كان، وليس من باب التزيين تصدير الشاعر ديوانه بعبارات أبي تمام ولوركا. فهل الذات هي الذات؟ وهل البيت هو البيت. ويكتب درويش مثلهما:
"هل هذا هو؟ اختلف الشهود:
لعله، وكأنه. فسألت: "من هو؟"
لم يجيبوني. همست لآخري: "أهو
الذي قد كان أنت... أنا؟" فغض
الطرف. والتفتوا إلى أمي لتشهد
إنني هو... فاستعدت للغناء على
طريقتها: أنا الأم التي ولدته،
لكن الرياح هي التي ربته.
قلت لآخري: لا تعتذر إلا لأمك" (ص26)
وثمة مفارقة ما بين العنوان ونهاية القصيدة. يطلب الشاعر في بداية القصيدة التي اختارها عنوانا، من آخره الشخصي- أي من ذاته- ألا يعتذر عما فعل، ولكنه ينهي القصيدة بالطلب من آخره أن يعتذر لأمه فقط. كورية التي خصص لها قصيدة في "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" عنوانها "تعاليم حورية".





ملاحظات:
1- نشرت هذه الدراسة في مجلة الأسوار العدد 27 من العام 2005، وهذا جزء منها، وهناك البقية، وسبب النشر، هنا، أنها هناك تخلو من صفحتين من هذه.
2- دراسات أخرى للناقد حول درويش:
- أرض القصيدة، جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره، رام الله، 2001.
- ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية، مجلة النجاح للأبحاث، 1995. عدد 9.
- محمود درويش: حذف البدايات وقصائد أخرى، مجلة مجمع اللغة العربية فلسطين، عدد2، العام 2000.
- الشاعر من خلال شعره منظرا للشعر، مجلة الأسوار، العدد 25، العام 2003.
- قراءة نصية لأربع قصائد من ديوان "ورد أقل"، الأسوار، العدد 24، العام 2002.


د. عادل الأسطة
24/2/2004


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى