د. عمرو حلمي - مسك الختام في شهر الصيام

إذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفواْ ما عليهم من العمل وبقي مالهم من الأجر وهو المغفرة فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصلاة قسمت عليهم أجورهم , فرجعواْ إلى منازلهم وقد استوفواْ الأجور واستكملوها.

فإذا كانت الصلاة مكيال فمن وفى وُفِيّ له, ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين, فإن الصيام وسائر الأعمال على هذا المنوال من وفاها فهو من خيار عباد الله المؤمنين, ومن طفف فيها فويل للمطففين, أما يستحيي من يستوفي مكيال شهواته, ويطفف في مكيال صيامه وصلاته.

لقد كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده وهؤلاء الذين:{يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}[المؤمنون(60)]
يقول عليَّ رضي الله عنه:«كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل», ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: {إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة(27)]
و يقول فضالة بن عبيد : «لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها لأن الله يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة(27)]
قال ابن دينار: «الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل» .
وقال عطاء السلمي: «الحذر الاتقاء على العمل أن لا يكون لله» .
وقال عبد العزيز بن أبي رواد: «أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا» .وقال بعض السلف:«كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم».
كما خرج عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد فطر فقال في خطبته: «أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يوما وقمتم ثلاثين ليلة وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم» .
وكان علي رضي الله عنه ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان:«يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ومن هذا المحروم فنعزيه» .
وعن ابن مسعود أنه كان يقول: «من هذا المقبول منا فنهنيه ومن هذا المحروم منا فنعزيه».
ويقول قتادة : كان يقال: «من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما سواه».
وفي الحديث :«إذا لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر من يقبل من رد في ليلة القدر متى يصلح من لا يصلح في رمضان حتى يصلح من كان به فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان كل مالا يثمر من الأشجار في أوان الثمار فإنه يقطع ثم يوقد في النار من فرط في الزرع في وقت البدار لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسارة».

إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل ولم يبق منه إلا القليل فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام ومن فرط فليختمه بالحسنى والعمل بالختام فاستغنموا منه ما بقي من الليالي اليسيرة والأيام واستودعوه عملا صالحا يشهد لكم به عند الملك العلام وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام.

فيَا شَهْرَ رَمَضانَ تَرَفَّق دُمُوع المحبِّين تَدَفَّق, قُلُوبُهم من أَلَمِ الفِراقِ تَشَقَّق, عَسَى وَقفةٌ للودَاعِ تُطْفِئُ مِنْ نَارِ الشَّوقِ ما أَحْرَق, عَسَى ساعةَ تَوبَةٍ وإقلاعٍ تَرْفُو مِنْ الصِّيامِ كُلَّ ما تَخرَّق, عَسَى منقطعٌ عن ركب المقبولين يَلْحق, عَسَى أسيرُ الأوزارِ يُطلَق, عَسَى من استوجبَ النار يُعْتَق عسى رحمةُ المولى لها العاصي يُوفَّق.
فيا أيها المقبول هنيئا لك , ويا أيها المردود جبر الله مصيبتك.

فاللهم ربنا تقبل منا رمضان وأعده علينا أعواماً عديدة وأزمنة مديدة ونحن في أفضل صحة وأحسن حال
وسلام على المرسلين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


د/ عمرو حلمي - من علماء الأزهر الشريف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى