عبدالله عيسى - هل تحتمل أن تكون غزّاوياً؟

هل تحتمل أن تكون غزّاويا ً ، أقصد : هل أنت جدير أن تصبح غزّاويا ً ؟
مثلاً:
أن تحاصِر ، وأنت المُحاصٓرُ من جهات الأرض والسماء الأربع ؛ فلا ماء إلا ما يتفجّر بين يديك ،وأنت تقبض على الأرض كلّها بيضاء من غير سوء ، ولا هواء ولا سماء، ولا طعام ، ولا حمام ،إلا السِرّيّ الحيّ فيك ، فيما عدوّك في قُمرة دبّابة ،أو طائرة ،أو أمام عدسة قنّاصة تترصّد غدك الماضي إلى غده بخبط نوارس ضجرت من رطنات العابرين ومن موج أتى بهم.
وكأنّك ملح الأرض ، فلا طائل لهم أن يفسدوا بعبورهم الثقيل بمزايا ربّ جندهم الخارج من وصايا العهد القديم ملحَ بحرك.
أن تكون غزّاوياً ، أو تقطن غزة ، أو أن تأتيها بكامل أوصافها ، فأنت أشبه بالبحر الميّت ، لن يقدروا على دفنك.
هل تحتمل أن تكون غزّاويا ً ،
أقصد : هل أنت جدير أن تصبح غزاويا ً ؟
مثلاً:
أن تسوق البلاغة كاملة كحوذيّ معاجمٍ ضجر ٍ كي تفسّر لأبنائك وأمّهم معهم الفاصلَ اللفظيّ بين بيانات الفصحاء من أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ، و قصاصات ورق رمتها عليك طائرات العدوّ المقنّع بجسارة الحداثة كلّها، لتترك على عجل بيتك دون أن تتمّهلك لانتقاءِ الملابس الداخليّة النظيفة خشية أن يعثروا على جثتك - الشهيدة بما لا يليق بها ، واختلاسِ الصور العزيزة من ألبوم العائلة الشخصيّة ،وأوراقِ الطابو لبيتك القديم في فلسطين ، وأعضائِك الّتي لا تخطئ الطائرات الذكيّة ،وأنت تلجأ بذاتك وذويك إلى مدارس الأونروا أو مشافيها ، أو فضاءٍ قليل لم تتمكّن بعد أمم الأرض من جعله معبراً آمناً لحلمك النحيل مثلك ، والأسمر كرغيف خبز فرن الطابون الّذي لا يزال يذكر برائحة يدي أمّك الّتي قضت بين حربين.
هل تحتمل أن تكون غزاويا ً ،
أقصد : هل أنت جدير أن تصبح غزاويا ً ؟
مثلاً:
أن تتعجّل صباحك لتلقي السلام على جارك قبل أن ترى اسمه في شريط أخبار الفضائيّات، أو تتعرّف على جثّته من خاتم في أصابعه المبتورة ، أو وشمٍ على وجهه أهملته شظيّة في الحرب ما قبل الأخيرة .
أو أن تُقسم أنك ستآخي بين أبنائه اليتامى وأبنائك الّذين قد يصبحون يتامى في حرب أخرى ، وتٓقسُم بينهم خبز عشاء أخير أعدّه قاتلك الفذّ من ألف عام.
لا يُمهلك الموت الّذي يترصّد يومك لتسرد على الرواة الضجرين تعاليم أّمك ، أو ما ورِثتَ من وصايا آلك ، فلا شأن لك بمقتلقّطي الأخبار ومؤّولي سيرتك الّتي تتجوّل في غرف الموتى مثلك أعزل ترتطم بهم موتى.
هل تحتمل أن تكون غزاويا ً ،
أقصد : هل أنت جدير أن تصبح غزاويا ً ؟
مثلاً:
أن يصبح دمك كلّه على رايات السلالة المصابة بهزائم ما قبل الحرب كلاماً فائضاً على بلاغة الفقهاء ،وفصاحة الزعماء ،وفكاهة الأوصياء . ذاته دمك الّذي دقّه قاتلك العصريّ وساماً جديداً لتتسع المسافة بين عروة بزّته العسكرية في غرفة العمليات وربطة عنقه الأنيقة في اجتماعاته الوزاريّة أو خطاباته في المحافل الدولية . وذاته أيضاً دمك المقسوم بين طاولات يتجاذبها أبناء العمومة والأشقاء والأخوة ليشربوا بدمك نخب انتصار محور أحدهم على الآخر.
كم من الدم كي تصير غزاوياً إذن ؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى