مصطفى نصر - الصديقان

بعد أن تناولا طعام العشاء؛ ربت الوالي عباس ظهر ضيفه الألفي بك ودعاه إلى الجلوس في الشرفة الواسعة؛ حيث وضع الخادمان الشابان المكلفان بالخدمة في الليل؛ بعض الفاكهة والمشروبات فوق طاولة صغيرة بجوارهما.
أستطاع الألفي بك أن يكسب قلب عباس حتى صار أقرب صديق إليه، لا يرتاح إلا له، يرسل إليه من القاهرة – حيث يعمل محافظا لها – يستدعيه. يأتي به إلى قصوره العديدة والبعيدة: قصر العباسية والسويس وقصره هذا في بنها.
ضاق عباس بأقاربه الذين يطمعون في ملكه، ويتآمرون ضده، يرون أن سعيدا أحق منه بالولاية لأنه ابن محمد علي؛ بينما عباس ابن ابنه.
دخل الخادم الشاب حاملا نرجيلتين، حملهما في خفة وانثنى جسده النحيل الممشوق، شرد عباس وهو يتابع خادمه، نظر الألفي إلى عينيه وجدهما ابتعدتا عن المجلس وسارتا خلف الشاب الجميل حتى توارى وابتعد.
لم يستطع الألفي أن يمد يده إلى "مبسم" النرجيلة إلا بعد أن عادت عينا عباس إلى نرجيلته وأمسك بالمبسم، قال قبل أن يدسه في فمه:
- إنني قلق يا ألفي، لذا أرسلت في طلبك.
- كيف تقلق وأنت والي البلاد ومالكها؟!
- أسرتي تعذبني بمطاردتها، عمي سعيد يحيط نفسه بالأصدقاء الذين يسهرون في قصره بالإسكندرية ويذكرونني بالسوء- وعمتي التي هربت إلى الأستانة - مازالت تبحث عن طريقة لقتلي.
- لن يستطيعا لك ضررا.
أحس الألفي بثقل جفنيه ورغبة ملحة في النوم؛ فقد تحركت عربته التي تجرها الخيول من القاهرة قبل الظهر، استقلها بعد يوم حافل بالعمل، كما أن طعام العشاء كان دسما وعباس مضياف، يصر عليه بأن يكثر من أكل اللحوم، والألفي لا يقدر أن يعارضه، فكان يأكل حتى امتلأت معدته وثقلت حركته، والأكثر من هذا كله، أن الألفي شاخ وهرم وصحته لم تعد تساعده على السهر
قال الوالي:
- كل ما يشغلني هو ابني إبراهيم الهامي، أريد أن أطمئن على مستقبله قبل أن أموت
تثاءب الألفي ثانية حتى ضاق عباس به، فليس من الكياسة والأدب أن يتثاءب إمرؤ أمام واليه ومولاه؛ ولولا أنه واثق من حب الألفي له واخلاصه؛ لحاسبه على ذلك.
- مالك يا ألفي، أتنام في حضرتي؟!
أحس الألفي بالعتاب والخوف، فهب واقفا من أثر الصدمة وصاح معتذرا:
- لا يا مولاي.
ضحك عباس عاليا من منظر صديقه الخائف المرتعد.
اقتربت هداية – آخر من تزوجهن عباس، والمقربة إليه الآن – سارت على أطراف أصابع قدميها وتابعت من خلف الستار الشفيف زوجها الحبيب وهو يضحك، تابعت الرجل المسن الممتلىء الذي يهتز كرشه كلما ضحك.
ابتسمت هداية وتمنت لو دخلت إليهما وشاركتهما الحديث والضحك بدلا من هذه الملالة التي تحياها الآن.
صاح عباس في أحد الشابين المكلفين بالخدمة طوال الليل:
- ولد يا عمر، هات قدحين من القهوة.
وربت ساق الألفي قائلا:
- ستساعدك القهوة على التنبه والاستيقاظ.
ضاق الألفي، فقد ظن أنه سيسمح له بالذهاب إلى النوم ليستريح، ويحكي له في الصباح ما أرقه وجعله يستدعيه فجأة, وأحست هداية بالاحباط، فما دام عباس أمر بالقهوة فهو ينوي على السهر حتى الصباح؛ فسارت ثانية على أطراف أصابع قدميها وأسرعت إلى حجرتها علها تنام وترتاح من الملل.
هي في هذا القصر الكبير وحدها، إلا من بعض الجواري يخدمنها، اختارتهن بعناية ليكون عملهن الخدمة فقط، ولتبق هداية المرأة الوحيدة المرغوبة في القصر والتي يبحث عباس عنها إذا أراد.
قبل أن تأتي القهوة؛ سمع عباس صوتا غريبا، ظنه صوت آت من الحديقة تحته، لكن في المرة الثانية تأكد له أنه صوت غطيط الألفي، يأتي متقطعا كلما ارتاحت رأسه فوق مسند المقعد الكبير، فصاح غاضبا:
- ألفي، أذهب إلى حجرتك لتنام.
وصاح في الشاب الواقف بجواره:
- ألغ القهوة، لا أريد قهوة، سأذهب لأنام أنا أيضا.
وسار الألفي إلى حجرته يجر جسده الممتلىء وهو يعتذر لعباس واعدا إياه بأنه سيكون في كامل يقظته وانتباهه في الصباح؛ بعد أن يرتاح قليلا. وعباس يدفع يده التي تحاول أن تلمسه وتستعطفه.
00
ارتمى الألفي فوق سريره بكامل ملابسه التي كان يجالس بها الوالي، وسرعان ما تصاعد صوت غطيطه عاليا؛ يُسمع من خارج الحجرة الكبيرة.
لا يدري كم من الوقت مر، فقد استيقظ على إثر صرخة آتية من الحجرة المجاورة والتي ينام فيها الوالي عباس. أسرع الألفي إلى الخارج، وجد حجرة عباس مفتوحة على مصراعيها. دخلها فوجد عباسا ملقيا تحت سريره وملابسه ممزقة وكدمات واضحة فوق العنق والوجه، صاح فزعا:
- يا حراس، يا حارس، قُتل الوالي عباس.
لم يستجب أحد للنداء، فالشابان المكلفان بالخدمة في الليل؛ اختفيا (اتضح بعد ذلك أنهما طلبا من سايس الاسطبلات حصانين ليأتي بطلبات للوالي؛ فاستجاب السايس لهما، وهربا بالحصانين)
اقتربت هداية من الحجرة، بعد أن سمعت الصرخة المكتومة، ظنتها – أول الأمر – لعبد أو خادمة، أو صوت جارية تتدلل على محدثها..
دخلت الحجرة فوجدت زوجها ملق هكذا، ومظهره يؤكد أن مقاومة حدثت منه، وأدت إلى تمزق ملابسه ووقوعه من فوق فراشه. صرخت، فلم ينتبه أحد إليها، فالصرخات في القصر لا تعني بالضرورة أن أحدا مات أو قتل، الصرخات عديدة طوال النهار والليل، عبد أو خادم يضربونه طبقا لأوامر الوالي، أو لأوامر سيدة القصر، أو حتى لأوامر أحد المقربين من الوالي، أو جارية تضرب لتؤدب.
أسرع الألفي إلى ردهات القصر، لم يجد حارسا واحدا موجودا، فعباس كان يبعد الحراس، كانوا يجتمعون في ثكنات حول القصر ولا يأتون إلا إذا طُلبوا لذلك.
عاد الألفي وقد فارقه النوم الذي كاد يفسد العلاقة بينه وبين الوالي صديقه، قال لهداية:
- ساعديني لكي نحقق رغبة الوالي في أن يتولى ابنه إبراهيم الهامي عرش البلاد.
لم تجبه بشيء فقد كانت تبكي:
- لو وصل خبر موته إلى أحد، ستكون فرصة لعمه سعيد.
لم يدهشها قول الألفي، فهي تعرف أن عباسا يحاول أن تكون الولاية لابنه؛ وأرسله إلى الاستانة منذ شهور قليلة؛ ليستميل السلطان إليه.
أومأت هداية برأسها وهي مازالت تبكي، إبراهيم إلهامي ليس ابنها، وقد يكون غير راغب في زواج والده منها؛ فهي لم تره سوى مرات قليلة، ولم يكن يرتاح لها؛ لكن لابد أن تحقق إرادة زوجها الحبيب.
أسرع الألفي، رفع عباس وقال لهداية:
- احمليه معي.
انحنت المرأة وعانت حتى رفعت جسد عباس الثقيل، وضعاه فوق فراشه ثم خلعا ملابسه الممزقة والمتسخة، ومسحا فوق وجهه بقطعة قماش مبللة بالماء، ثم ألبساه ملابس نظيفة. قال الألفي:
- سنذهب به إلى القاهرة، وكأنه مازال حيا، وندبر الأمر حتى يعود ابنه.
00
وصل جثمان عباس إلى القاهرة كما أراد الألفي، عاد في نفس العربة التي جاءت بالألفي أمس, وجلس عباس فوق المقعد المجاور له، وهداية تسنده من الناحية الأخرى.
واتصل الألفي ببعض المسئولين العثمانيين الموجودين بالقاهرة؛ فأكدوا له أن السلطان لن يمانع في أن يكون إلهامي هو الوالي، لكن قناصل بعض الدول؛ خاصة قنصل أميركا عارضوا هذا وأصروا على الالتزام بنظام الوراثة المتبع، في أن تكون الولاية لأكبر أبناء أسرة محمد علي سنا.
أحس خورشيد بك (محافظ الإسكندرية) والذي كان في زيارة في القاهرة – أن شيئا غير عادي يحدث، واستطاع أن يتوصل إلى حقيقة ما حدث، فسافر إلى الإسكندرية وأبلغ سعيدا بكل ما حدث، ولم ينس أن يحرضه ضد الألفي الذي كان يغيظه بتقربه من عباس.
وعاد سعيد إلى القاهرة في موكب كبير، بينما انزوى الألفي في حجرة بعيدة من حجرات بيته، فأرسل سعيد إليه، لم يخجل الألفي وبكى أمام من أرسلهم لاستدعائه، كان يرتعش من الخوف. ماله والملوك، ما الذي حشره بينهم، يتولى سعيد أو غيره ما شأنه؟! قالت الرسل:
- والي البلاد الجديد – مولانا سعيد باشا – يخبرك بأنك مازلت محافظا للقاهرة، ولن تجد منه إلا كل خير وأمان.
المفروض أن يطمئن، وأن تنتصب قامته التي انحنت منذ أن فشلت محاولته في تعيين إبراهيم إلهامي؛ واكتشاف أمره، وأن يكف قلبه عن الدق في عنف. لكنه ظل خائفا مرتعشا، غطته زوجته بغطاء ثقيل وأخذت تهدئ من روعه، كان يتحدث من بين أسنانه المصطك بعضها ببعض، فلم تتبين قوله، قالت:
- ليتك حضرت احتفال تنصيبه واليا.
قال كلاما غير واضح، فهمت منه أنه لن يقدر على الوقوف وسط المهنئين. وعندما انطلقت أول طلقة مدفع، إيذانا بتولي سعيد عرش البلاد؛ وقع الألفي مغشيا عليه حتى فارق الحياة.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى