د. خالد محمد عبدالغني - علماء الاسلام الذين عرفتهم -13- فضيلة الشيخ الإمام عبداللطيف مشتهري

-13-

فضيلة الشيخ الإمام عبداللطيف مشتهري حضرت له أحد الدروس بعد صلاة المغرب وقد اعطونا كتابه "هذه دعوتنا" هدية لكل الحضور وما زلت احتفظ به الى الان بالرغم من مرور أكثر من 35 سنة على هذا اليوم .
مولده ونشأته
الشيخ عبداللطيف مشتهري
صدق مَن قال: ولم يبق من اللذات إلا مُجالسة الرجال ذوي العقول، وقد كنا نعدهم قليلاً، وصاروا اليوم أقل من القليل.
وفضيلة الشيخ عبداللطيف مشتهري واحدٌ من أولئك القلائل الذين تحلَّى بهم جِيدُ عصرنا، وأسهموا بعلمهم ووقتهم إسهامًا كبيرًا وأعطَوا عطاءً لدعوتهم وإسلامهم ليس تحصره حدود.
وُلِدَ فضيلة الشيخ عبداللطيف مشتهري رحمه الله في أغسطس عام 1915م في قرية كوم حلِّين مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، وكان ميلاد الشيخ في ربوع بيت متواضع، بين أسرة تَميَّزت ببعض رجالها الحافظين لكتاب الله، وكان والد الشيخ رحمه الله من بينهم.
نشأ الشيخ في بيتٍ رَبُّه حافظٌ لكتاب الله، وكان عدد من أفراد الأسرة كذلك، لهذا كان ليس غريبًا على البيت أن يُتِمَّ فيه الشيخ عبداللطيف وهو ابن العاشرة من عمره حفظَ كتاب الله عز وجل، والتحق الشيخ بمعهد الزقازيق الديني الأزهري فكان أنبغ قرنائه وأنبههم في العلوم الشرعية والعربية، واستمرَّ في التعلم الأزهري يُتبع مرحلةً بأخرى في تفوُّقٍ وريادةٍ؛
حتى تخرَّج في كلية أصول الدين عام 1944م، فكان أولَ دفعته، وكان الشيخ رحمه الله من العلماء العاملين المطبِّقين لما يتعلمون من هدي القرآن والسنة النبوية الشريفة، فأحبَّ الشيخُ السنةَ المطهرة، وتمسك بها أيُّما تمسك، وكان هذا الحب مترجَمًا بصورة عملية في كل شئون حياته حتى البسيط العادي منها، فعمل بالسنة المطهرة قولاً وتطبيقًا وسلوكًا وهيئةً حتى في مظهره، فقد حرص على إعفاء لحيته منذ صغره، وإرخاء طرف عمامته عذبةً، وتقصير ثوبه، ونشأ نشأةً تعبديةً لله عز وجل كما أمر؛ اتباعًا للنبي- صلى الله عليه وسلم وهديه، فنَبَذَ البدعة وأحيا السنة بتأصيلٍ وتطبيقٍ.
وكان رحمه الله حريصًا على العلم حرصًا كبيرًا، فكان كما ذكرنا أولَ دفعته في كلية أصول الدين، وكان حريصًا على حضور مجالس علماء عصره، ومن أبرز مَن حضر لهم الشيخُ الإمام الشهيد حسن البنا، فكان الشيخ مواظبًا على درس الثلاثاء لا ينقطع عنه وغيره من دروس الإمام البنا، وكان حريصًا على حضورها، واقفًا دون جلوس أو تراخٍ؛ إجلالاً وإعظامًا لهذه الدروس، ولما فيها من علمٍ ونفعٍ عظيم، وكان لهذه الدروس الأثر في شخصيته الدعوية.
تدرجه الوظيفي
لم تنفصل حياة الشيخ الوظيفية ولم تختلف أي اختلاف عن حياته الدعوية، فكان من نعم الله عليه أن كانت الدعوة إلى الله عز وجل هي محور وظائفه التي تقلدها، فقد بدأ الشيخ رحمه الله تدرجه الوظيفي بإدارة الدعوة في الأزهر الشريف، وترقَّى فيه إلى أن أصبح مديرًا عامًا للوعظ بالأزهر، وعمل خطيبًا للجامع الأزهر ذاته ردحًا من الزمن، وأُحيل الشيخ للتقاعد وهو بدرجة مدير عام، وهي إحالة رسمية على الورق فقط، فقد صدع بالحق وبالدعوة إلى الله عزَّ وجل في كل منبر من منابر الجمهورية، وصدق مَن قال: من أراد الله به خيرًا جعل هوايته في وظيفته. فقد كان الشيخ كذلك داعيةً إلى الله داخل الوظيفة وخارجها.
نشاطه الدعوي
أتمَّ الشيخ حفظه القرآن وهو في العاشرة وجزءًا غير يسير من السنة النبوية؛ لذلك كان مؤهلاً رحمه الله لإلقاء الكلمة الطيبة في الناس وهو لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره بعد، فقد ارتقى المنبر وخطب في الناس وهو في هذه السن الصغيرة، لكنه كان كبير العقل واسع الأفق ذا بلاغة وبيان ورؤية بصيرة بحقائق الأمور.
وفي هذه السن أيضًا كان الشيخ قد انضم وانتسب للجمعية الشرعية، وبذلك يُعَدُّ الشيخ عبد اللطيف مشتهري من السابقين إلى هذا الميدان، ولكن يمكننا أن نقول إن هذا الاتصال لم يكن رسميًا حتى أثناء دراسة الشيخ بالكلية.. ففي ذلك الوقت اتصل بالجمعية الشرعية وانتسب إليها رسميًا.
وقد بُويع الشيخُ بالإجماع بعد اجتماع هيئة علماء الجمعية الشرعية ليكون إمامًا لأهل السنة بالجمعية الشرعية ورئيسًا لها، وذلك في مساء يوم الخميس الثالث من شهر ربيع الأول عام 1396هـ الموافق الخامس من شهر مارس عام 1976م.. كذلك عقد الشيخ عديدًا من اللقاءات العلمية والإيمانية، فضلاً عن خطبه الرنانة المؤثرة قولاً وعملاً في نفوس سامعيها.
منهجه الدعوي
كان الشيخ ذا منهج بيِّنٍ واضحٍ، ظهر جليًا في خطبه ومواعظه، فضلاً عن سلوكياته وتصرفاته الدعوية وفتاواه وكتاباته، فكان يتبنَّى الفكر الوسطي الشامل في نظرته للإسلام ويكفي للتدليل على ذلك موضع واحد من كتبه؛ فقد ختم الشيخ كتابه (هذه دعوتنا) بمبحث صدَّره بالمقولة التالية: (الإسلام دين ودولة.. قضاء وسياسة.. مصحف وسلاح.. معاش ومعاد).
اعتزاز الشيخ بعلمه
كان الشيخ مشتهري يُجلُّ العلم الشرعي إجلالاً كبيرًا والعلم عامة ليس الشرعي فقط، ويرى دائمًا أن من واجب صاحب العلم أن يعتزَّ به ليس من باب الفخر والتباهي، وإنما من باب إحقاق الحق، ونسوق موقفًا واحدًا يكشف عن إباء الشيخ واعتزازه بالعلم، فقد أُقيم لأوائل الخريجين حفل تكريمي بقصر عابدين في العهد الملكي، وكان البروتوكول أن يطأطئ المُكرَّم رأسه أو يحني ظهره أمام الملك؛
ولكنَّ الشيخ وكان أحد أفراد الحفل وأحد المكرَّمين فيه رفض أن يفعل هذه أو تلك، بل رفض أن يُقبِّل يدي الملك فاروق كما فعل بقية الأوائل، فما كان إلا أن احترمه الملك وقدَّره وحُسِبَ الموقف للشيخ لا عليه كما ظنَّ ضعاف النفوس، وتناقلت ذلك الحدث وكالات الأنباء العربية والإسلامية وقتها، وعظَّم الناسُ الشيخَ واحترموه واحتشدوا حوله ينتفعون بعلمه، فإنَّ من عظُم الله في قلبه سخَّر الله له قلوب البشر تعظِّمه وتجله، وهكذا ظل الشيخ طول حياته يعتزُّ بعلمه وشخصيته، وهذا شأن العلماء المخلصين في كل زمانٍ ومكانٍ،
وصدق مَن قال:
ولو أنَّ أهل العلم صانوه صانهم
ولو عظَّموه في النفوس لعظَّما
مكانته وتكريمه
وقد تمَّ تكريم فضيلة الشيخ عبداللطيف مشتهري من جانب الدولة في أول عيد للدعاة أقامته وزارة الأوقاف المصرية سنة 1988م، وقد تمَّ منح فضيلته نوط الامتياز من الطبقة الأولى تقديرًا لجهوده في مجال الدعوة الإسلامية.
وقد تم ذكر فضيلة الشيخ مشتهري كأحد الشخصيات المصرية البارزة في مجال الدعوة الإسلامية في الموسوعة القومية للشخصيات المصرية البارزة والتي أصدرتها وزارة الإعلام المصرية.
آثاره وتراثه الدعوي
لم يكن الشيخ عبداللطيف رحمه الله خطيبًا تقليديًا، ولا داعيةً يخطب الخطبة ويكررها في مسجدٍ آخر، بل كان مجددًا، تأبى شخصيته وسعة علمه أن يكرر أقواله أو يسطِّح أفكاره؛ من أجل ذلك حظيت الساحة الدعوية بمسلسلاته العلمية الدعوية؛
ومن أبرزها ما يلي:
تفسير القرآن الكريم تفسيرًا تحليليًا.
تفسير القرآن الكريم تفسيرًا موضوعيًا.
قصص الرسل عليهم السلام أجمعين.
الدار الآخرة من الموت إلى البرزخ والمصير بعد البعث.
الفقه الإسلامي.
السيرة المحمدية العطرة.
المواسم الإسلامية.
الخطب المنبرية والدروس.
تحديد الملكية أمام الدين والعقل والقانون.
مدرسة الصوم.
سيد شباب أهل الجنة.
الإيمان والمؤمنون.
شريعة الله في الصوم والصلاة.
الدنيا مع الآخرة.. على طريق الإسلام.
المسجد الأقصى ومعركة النصر والفتح.
من نور القرآن.
أنت تسأل والإسلام يجيب.
هذه دعوتنا.
وغيرها الكثير من الآثار الدعوية والعلمية، جعلها الله قدمَ صدقٍ لفضيلته في الآخرة ولسانَ صدقٍ له في الدنيا.
وفاته
كان فضيلة الشيخ عبداللطيف مشتهري قد اشترى قطعة أرض قبل مماته بحوالي عام أقام عليها لَحدًا غير مُميَّز ليدفن فيه بمفرده وقد أشرف على هذا الأمر بنفسه، وقد كان حريصا رحمه الله على التزام السنة النبوية في هذا الأمر.
وقد انتقل فضيلة الشيخ رحمه الله إلى رحاب ربه في ليلة الإثنين غرة ربيع الآخر عام 1416هـ الموافق 28 أغسطس عام 1995م عن عمرٍ يناهز الثمانين عامًا، بعد أن قضى حياةً كلها حافلة بالعطاء الزاخر والدعوة إلى رب العالمين، فرحم الله فضيلة الشيخ رحمةً واسعةً، وأسكنه فسيح جناته.

1624212374344.png




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى