د. صبري محمد خليل خيري - مؤشرات تزايد احتمالات اندلاع ثورات الجياع فى واقعنا العربى المعاصر

اولا: ملخص الدراسة : قامت العديد من الانظمه السياسيه العربيه المتعاقبة ، بمحاولات مستمرة لتطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى، تحت شعارات مثل " الانفتاح أو التحرير او الإصلاح الاقتصادي/ والخصخصة / رفع او ترشيد الدعم ..." ، منذ العقد السابع من القرن الماضى. وهى بذلك قد أوجدت واقع توافرت فيه احتمالات قيام ثورات الجياع، لأنه واقع يتضمن عدم قدرة غالبية العديد من الشعوب العربيه على إشباع حاجاتها العضوية ، نتيجه لفشل هذه الانظمة السياسية في توفير السلع الضرورية ، وكمحصله لتطبيقها لهذا النظام الاقتصادى ، رغم ما تملكه من موارد وثروات طبيعية هائلة. وقد تحققت هذه الاحتمالات فعلا فى الواقع العربى ممثلة فى ما اطلق عليه اسم " انتفاضات الخبز العربيه"، والتى هى فى حقيقتها انتفاضات وثورات شعبية ضد تطبيق هذه الأنظمة السياسيه،هذا النظام الاقتصادى، تحت الشعارات المذكورة اعلاه. ومن جهة أخرى هى تمثل شكل أولى لثورات الجياع. وهناك خياران- رئيسيان- يحددان مستقبل الأمة العربية بشعوبها المتعددة. الخيار الأول يقوم - في المجال الاقتصادي - على استمرار هذه الانظمه السياسيه العربيه في تطبيق النظام الاقتصادى الرأسمالى- تحت الشعارات المذكورة اعلاه - وهذا الاستمرار يؤدي الى الامتداد التلقائى لواقع ،والذى يزيد من احتمالات اندلاع ثورات الجياع، فى شكلها النهائى او الكامل. وبالتالى يزيد احتمالات الانزلاق نحو الفوضى ، التى لا تهدد وجود هذه النظم السياسية فقط ، بل تهدد وجود الدولة ذاتها فى هذه المجتمعات. أما الخيار الثاني فيقوم على وقف الامتداد التلقائي لهذا الواقع،وهو ما يمكن تحققه بالاتى: اولا: على المستوى الرسمى: توقف هذه الانظمه السياسيه العربيه عن تطبيق هذا النظام الاقتصادى. وهو غير ممكن التحقق الا فى حالة ضغط الاراده الشعبية العربية ، على هذه النظم السياسية ، بأساليب سلمية - حتى لا تتزايد احتمالات الانزلاق نحو الفوضى – ثانيا: المستوى الشعبى: ارتقاء الاراده الشعبيه العربيه من مرحله التفعيل التلقائى " الحالية" ، والتي تأخذ شكل رد الفعل العاطفي الانفعالي، ضد مظاهر تردى النظام السياسي الرسمي العربي، والتى حققت فيها الكثير من الانتصارات ، بدون أن يمثلها أو يعبر عنها أو يسعى لتحقيق أهدافها ، اى نظام سياسي عربى معين، ومنها انتفاضات الخبز العربيه ، والتى نجحت فى وقف هذا التردى - جزئيا - الى مرحلة التفعيل القصدى" المستقبلية " ، والتي ستأخذ شكل الفعل العقلاني- المستمر – المنظم / المؤسساتي السلمي...

ثانيا: متن الدراسة التفصيلى :

[SIZE=18px]تحليل منهجى لثورات الجياع: ثورات الجياع - والتى يطلق عليها أسماء أخرى كثورات الخبز- هى الانتفاضات الشعبية والثورات التى تتصف بالخصائص التالية :
اولا: الجوع كمحرك رئيسى " وليس وحيد" : ان محركها الرئيسي – وليس الوحيد - عدم قدرة غالبية الشعب على اشباع حاجاته العضوية " الفسيولوجية " (الجوع) ، دون انكار وجود محركات اخرى لها (لان القول بوجود محرك وحيد للثورة هو رؤيه احاديه بالتالى خاطئه لأسباب الثورة ).
[/SIZE]
ثانيا:دلالات ماديه ومعنويه "الجوع والكرامة": وللجوع - محركها الرئيسي – دلالات مادية - تتمثل قى الجوع كتعبير عن حاجه عضوية "فسيولوجية " - و دلالات معنوية اهمها الكرامه – لان الوجود الإنساني ذو أبعاد ماديه ومعنويه متفاعله وغير قابلة للانفصال - يقول الكاتب محمد عبد الحافظ في كتاب "ثورات الجياع " ( ان ثورات الجياع عبر التاريخ هى مزيجً من الصراع بين الجوع والكرامة).

[SIZE=18px]ثالثا: فشل النظام السياسى فى توفير السلع الضرورية : ويرجع هذا العجز الى فشل نظام سياسى معين فى توفير السلع الضرورية( وأهمها الغذاء) ، نتيجه لأسباب متعدده، ليس منها بالضروره عدم توفر الموارد الطبيعيه، فقد تتوافر هذه الموارد الطبيعية لكن هناك لا توجد عدالة فى توزيعها نتيجه، لاحتكار أقلية لها.
رابعا:تزايد احتمالات العنف: والثورة تغيير كلى قد تكون سلميه وقد تكون عنيفه،ولكن تتزايد احتمالات ان تكون عنيفة فى حالة ثورات الجياع، لان محركها الرئيسي غزيزى – غير واعى - ممثلا فى الجوع ، فضلا عن كونها تندلع بشكل تلقائى يفتقر الى التخطيط والتنظيم العقلاني المسبق.
خامسا: تزايد احتمالات الانزلاق الى الفوضى: وبالتالي فان احتمالات الانزلاق نحو الفوضى، التى تهدد وجود الدولة ذاتها ، وليس النظام السياسي المعين فقط ، تتزايد فى حاله ثورات الجياع.
سادسا: تكرار فشل التغيير السياسى السلمى: وتحدث ثورات الجياع فى احيان كثيره، نتيجه لفشل التغيير السياسى السلمى بشكليه الاصلاحي الثورى السلمى، لاسباب عديدة اهمها انانيه النخب المثقفة والمتعلمة ،وسعيها لتحقيق مصالحها الشخصيه الضيقه "مناصب ،امتيازات مالية ..." ، وتواطئها مع القوى " الداخلية والخارجية " ذات المصالح المتعارضة مع التغيير.
[/SIZE]
نماذج لثورات الجياع عبر التاريخ:

اولا:ثورات الجياع فى العصور القديمة:

ا/ العصور الفرعونيه والبطلميه:
تشير بردية بردية (إيبوير) المحفوظة بالمتحف الوطني الهولندي للآثار، إلى أن أولى ثورات الجياع قام بها المصريون في العصر الفرعوني عام 2281 قبل الميلاد، ضد الملك بيبي الثاني الذي حكم مصر لمدة 96 سنة ،وهي الأطول في تاريخ ملوك مصر.استمرت هذه الثورة لسبع سنوات تحت شعار "الأرض لمن يزرعها، والحرفة لمن احترفها"، وبهذه العبارة أُرخت تلك المرحلة: "نامي جياع الشعب نامي.. حرستك آلهة الطعام.. نامي فإن لم تشبعي.. من يقظة فمن المنام.. نامي على زيف الوعود.. يُذاق في عسل الكلام". ثم حمل المصريون مجددًا راية الجوع في عهد رمسيس الثالث بعد ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتكرر الحدث في عهد بطليموس الثالث والرابع في سوريا.

ب/ ثورات الجياع العصور الاخشيديه والفاطميه، ثم حدثت ثورات جياع في زمن الدولة الإخشيدية والخلافة الفاطمية.

ثانيا: ثورات الجياع فى العصور الحديثه :

ا/ الثوره الفرنسيه:
في العام 1789، خرجت ماري أنطوانيت، زوجة الملك لويس السادس عشر، من على شرفة قصرها وخاطبت الفقراء الذين كانوا يحتجون على غلاء الخبز بالقول: "إذا كان الخبز ليس في متناول أيديكم، فلماذا لا تأكلون الجاتوه؟ و". هذه العبارة- التي تدل على جهلها التام بتردي الأوضاع الاقتصادية خارج القصر - كانت كفيلة باندلاع الثورة الفرنسية، والإطاحة بالملكة وزوجها والحكم عليهما بالإعدام.

ب/ثوره اكتوبر الروسيه ( 1917) : حيث رفعت شعار " الأرض والخبز والسلام"..

ج/ فتنه الخبز بدمشق ا: يتحدث ابن بطوطة في "تحفة النظار في غرائب الأمصار "عن "فتنة الخبز" بدمشق، في عهد الأمير أرغون شاه، قائلاً: "وقد قلّ الخبز وزاد الغلاء، وبعد موت أحد كبراء دمشق أوصى في وصيته أن يوزع الخبز على الفقراء في دمشق. وكان الخبز يفرق عليهم كل يوم بعد العصر، فتزاحموا واختطفوا الخبز، ومدوا أيديهم إلى خبز الخبازين. وبلغ ذلك الأمير أرغون شاه، فأخرج زبانيته، فكانوا كلما لقوا مسكيناً، قالوا له تعال وخذ الخبز. فاجتمع منهم عدد كبير، فحبسهم أرغون شاه وأحضرهم تحت القلعة، وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم".

[SIZE=18px]ثالثا: ثورات الجياع المعاصره ثوره ضد واقع اوجده النظام الاقتصادى الراسمالى العالمى : اما اغلب ثورات الخبز المعاصرة فهي محاولة لحل تناقض بين الشكل الليبرالي للاقتصاد ( الرأسمالية كنظام اقتصادي قائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع فى النشاط الاقتصادى) ومصالح اغلب شعوب العالم النامي - ومنها الشعوب العربية والإسلامية. حيث يشير كثير من الباحثين إلى أن الثورات والانتفاضات الشعبية في الدول النامية هي أساسا ثورات ضد واقع اقتصادى / سياسى / اجتماعى... مضمونه عدم قدرة غالبية الشعب على اشباع حاجاته العضوية " الفسيولوجية " ، نتيجه لفشل النظم السياسيه الحاكمه فى توفير السلع الضرورية( وأهمها الغذاء) ، نتيجه لأسباب متعدده، أهمها عدم توافر العدالة فى توزيع الموارد الطبيعيه – وليس عدم وجودها – وهو واقع أوجدته محاولات هذه الانظمه السياسيه تطبيق النظام الاقتصادى الرأسمالى ، تحت شعارات مثل ( الخصخصة او التحرير الاقتصادي او الانفتاح الاقتصادي او الاصلاح الاقتصادى او لبرله الدولة أو الليبرالية الجديدة او رفع- ترشيد - الدعم...) ، بتوصية من المؤسسات الاقتصادية الرأسمالية العالمية "كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية " .[/SIZE]
أمثلة لثورات الجياع المعاصرة:

ا/ اندونيسيا:
سقطت ديكتاتورية سوهارتو التي استمرت 32 عاماً على يد انتفاضة الجماهير عام 1998، بعد سلسلة من المظاهرات الطلابية الدامية احتجاجاً على تداعيات الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي شهدتها النمور الآسيوية ، وفى القلب منها إندونيسيا، عام 1997،والتي استندت على الخصخصة كأداة أساسية للتنمية الاقتصادية .

ب/ أمريكا اللاتينية:

بداية الألفية الجديدة سلسلة من الانتفاضات الجماهيرية أطاحت بالديكتاتوريات الحاكمة احتجاجا على الأزمة الاقتصادية التي خلّفتها الخصخصة التي جرى تطبيقها هناك تحت شعار الليبرالية الجديدة .

1- الأرجنتين: فخلال أربعة أسابيع فقط تداولت الأرجنتين 4 رؤساء ، فى أعقاب الانتفاضة التي اجتاحت البلاد فى 19ـ20 ديسمبر 2001 ، على أثر إعلان الحكومة الأرجنتينية تجميد ودائع العمال والمواطنين فى البنوك، وتخفيض الأجور والمعاشات للقطاع الحكومي، ثم إعلان حظر التجوال بعد مهاجمة العاطلين لمحلات السوبر ماركت الكبيرة للحصول على الطعام.

2- الإكوادور: شهدت أيضاً سقوط ثلاث حكومات متتالية كان أولها عام 2000 حين انتفض الآلاف من المواطنين احتجاجاً على السياسات الاقتصادية التي أفقرت قطاعات واسعة من الجماهير. وقد اجبر تصاعد الانتفاضة الرئيس "جميل ماهود" على الهروب خارج البلاد.

3-بوليفيا: انتفاضة الفلاحين المسلحين بالأسلحة البيضاء والمناجل والفؤوس، ومعهم العمال 2003 ،والتى جاءت كحصاد كموجات متلاحقة من الاحتجاجات والمواجهات الدامية بدأت عام 2000 مع إعلان الحكومة خصخصة قطاع المياه، ثم ارتفعت حدة المواجهات مع زيادة الضرائب في فبراير 2003...

مؤشرات تزايد احتمالات اندلاع ثورات الجياع فى واقعنا العربى:

[SIZE=18px]تطبيق النظام الراسمالى وتوافر احتمالات اندلاع ثورات الجياع: يمكن اعتبار الفترة الممتدة منذ عام 1970 والى الآن، مرحلة التعطيل الارتدادى للارادة الشعبية العربية على المستوى الرسمي ، وهى المرحلة التي بدأت بمحاوله الرئيس السادات الارتداد " السياسي " عن سياسات الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، المتسقة – على وجه الإجمال وليس بالضرورة التفصيل - مع أهداف الإرادة الشعبية العربية فى الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة – بدعم من الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية- والتى تضمنت انتقاله – فى المجال الاقتصادى - من محاولة إقامة تنمية مستقلة وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلى تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى- تحت شعار الانفتاح الاقتصادي- ثم سير العديد من الأنظمة العربية في نفس هذا الخط ، فقامت العديد من الأنظمة العربيه المتعاقبة بمحاولات مستمرة – وان كانت بدرجات متفاوتة - لتطبيق هذا النظام الاقتصادي ، تحت شعارات مثل (الانفتاح أو التحرير او الإصلاح الاقتصادي/ والخصخصة /لبرله الدوله او الليبرالية الجديدة/ رفع او ترشيد الدعم ...). وبهذا فان هذه الانظمه السياسيه ، اوجدت واقع توافرت فيه احتمالات قيام ثورات الجياع، لأنه واقع يتضمن عدم مقدرة اغلبيه العديد من الشعوب العربيه على إشباع حاجاتها العضوية ، نتيجه لفشل أنظمتها السياسية في توفير السلع الضرورية ، و محصله لتطبيقها لهذا النظام الاقتصادى ، رغم ما تملكه من موارد وثروات طبيعية هائلة.
انتفاضات الخبز العربيه و تحقق الاحتمالات (الشكل الاولى لثورات الجياع): وقد تحققت هذه الاحتمالات فعلا فى الواقع العربى ممثلة فى ما اطلق عليه اسم " انتفاضات الخبز العربيه"، والتى هى فى حقيقتها انتفاضات وثورات شعبية ضد تطبيق هذه الأنظمة السياسيه،هذا النظام الاقتصادى، تحت الشعارات المذكورة اعلاه. ومن جهة اخرى هى تمثل هى تمثل شكل أولى لثورات الجياع.
[/SIZE]
1- انتفاضه الخبز فى مصر( 1977): قامت فى اعقاب قيام الرئيس المصري الأسبق أنور السادات برفع جزئي للدعم عن السلع الأساسية واهمها الخبز ، في سياق محاولته إعادة هيكلة الاقتصاد المصرى، وتحويله من اقتصاد قائم على مفاهيم التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية فى عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الى اقتصاد تابع للنظام الاقتصادى الرأسمالى العالمى, وعمت الانتفاضة الشعبية أنحاء القاهرة والمحافظات واستقل السادات طائرته الخاصة وتوجه إلى أسوان خشية وصول المتظاهرين إلى بيته في الجيزة, وهناك طلب من وزير الحربية الفريق عبد الغني الجمسي تدخل الجيش لإخماد الثورة بعد عجز الشرطة المدنية عن السيطرة عليها, ووافق الجمسي بشرط إلغاء القرارات المتعلقة برفع الدعم عن الخبز, وقد أطلق السادات وجهازه الاعلامى على هذه الأحداث لاحقا اسم “انتفاضة الحرامية” بغرض تشويه صورتها .

2- ثورات الخبز السودانيه:

ا/ إنتفاضة 6 أبريل 1985 :
وقامت ضد نظام الرئيس السوداني الراحل/ جعفر محمد نميري ، ونجحت في الإطاحة به، بعد موجة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية وأسعار الوقود، نتيجة لتبنيه لسياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي .و بعد أن فقد شعبيته التي اكتسبها في مرحلته الأولى، بتبينه لشعارات حركة التحرر القومي العربي من الاستعمار ، بقياده الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ومن ثم تحوله من تأييد القضية الفلسطينية، إلى تورطه في فضيحة ترحيل اليهود الفلاشا " من شعارات الانتفاضة الفلاشا لن تتلاشى"، ومن معارضته للاستعمار إلى خضوعه للولايات المتحدة وسياساتها الامبريالية في المنطقة " من شعارات الانتفاضة لن يحكمنا السى اى ايه" . ومن رفعه لشعار العدالة الاجتماعية وانجازه للعديد من مشاريع التنمية، إلى تبنيه لسياسات المؤسسات الرأسمالية العالمية"من شعارات الانتفاضة لن يحكمنا البنك الدولي".

ب/ ثوره 19 ديسمبر 2018: كانت بدايتها سلسلة من الاحتجاجات الشعبية التلقائيه ، وبدون ان يقودها فعليا اى تنظيم نقابي او حزبى ، فى عدد من المدن الولائيه ككسلا وكوستى وسنار والدمازين وعطبره... احتجاجا على رفع سعر الخبز، ثم انتقلت الى العاصمة الخرطوم ، وانتهت بإعلان وسائل الإعلام الرسمية سقوط نظام الرئيس عمر البشير وحزبه الحاكم " المؤتمر الوطنى"، والذى هو واجهة وذراع سياسى لتنظيم سياسى سودانى، يتبنى مذهب التفسير السياسي للاسلام، الذى يختزل الدين فى بعده السياسى ، والذى هو بدعة فى ذاته وفيما يلزم منه من مفاهيم ، والذى يطلق عليه البعض خطأ اسم "الاسلام السياسى، والذى استمر فى الحياه السياسيه السودانيه، تحت مسميات متعددة "( جبهة الميثاق الاسلامى، الاتجاه الاسلامى، الجبهه الاسلاميه القوميه ، الحركه الاسلاميه السودانيه ، المؤتمر الوطنى...). والذى استولى على السلطة فى السودان عبر انقلاب عسكري عام 1989.

3- انتفاضة الخبز إلى المغرب 1984م : وحدثت عندما خرج تلاميذ المدارس في مظاهرات غاضبة بمدن الشمال المغربية, وانضم إليهم أعداد كبيرة من العمال والفلاحين والموظفين ؛ احتجاجا على قرارات الحكومة برفع الدعم عن الخبز تنفيذا لاتفاق أبرمه المغرب آنذاك مع البنك الدولي أدى لارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية مما أثر على تكاليف المعيشة وفرض رسوما إضافية على التعليم, في الوقت الذي عم الجفاف المغرب لسنوات متلاحقة وأثر على إنتاجه من الحبوب والمحاصيل الزراعية, واستدعى الأمر تدخل قوات الأمن لفض المظاهرات واعتقال أعداد كبيرة من المتظاهرين.

4- انتفاضه الخبز فى تونس ( 1984م): وكانت بدايتها في مدينة دوز بالجنوب التونسي, عندما خرجت مظاهرات عنيفة اعتراضا على زيادة أسعار “العجين” وانتقلت الاحتجاجات لمعظم المدن التونسية واستدعت الحكومة الجيش للتدخل لإخماد الانتفاضة بعد فقد الشرطة السيطرة على الوضع وسقوط قتلى وجرحى وعم الإضراب الشامل. و لم تتوقف الاحتجاجات إلا بعد إعلان الحبيب بورقيبة الرئيس التونسي الأسبق التراجع عن تلك القرارات .

5- انتفاضة الخبز في الجزائر 1988م : رفع المتظاهرون أكياس الدقيق الفارغة عوضا عن أعلام بلادهم في العام 1988م , احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغلاء الأسعار نتيجة تدني أسعار النفط التي شهدها العالم عام 1986م , وعمت المظاهرات المدن الجزائرية الكبرى وهاجم المتظاهرون المقرات الحكومية والأمنية وأسفرت الأحداث عن مقتل وإصابة المئات وأجبرت الرئيس الجزائري حينئذٍ الشاذلي بن جديد على التعهد بالتراجع عن رفع الأسعار وتنفيذ إصلاحات سياسية واجتماعية لينقذ البلاد من دوامة العنف والاضطرابات.

6- ثورة الشباب العربي بموجتيها:

[SIZE=18px]الموجه الأولى: وتتمثل في سلسلة الانتفاضات الشعبية العربية شبه المتزامنة ، التي كان طليعتها الشباب ، وكانت أداه الإعلام بها والتعبئة فيها الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي فيه ، والتي اندلعت شرارتها الأولى في تونس ، ومنها انتقلت إلى مصر، والتي نجحت في إسقاط عدد من الانظمه العربية الاستبدادية " نظامى مبارك وبن على" سلميا وبأساليب التغيير السياسي الديموقراطى، قبل أن تنجح القوى والنظم العالمية والاقليميه والمحلية ،ذات المصالح المتعارضة مع أهداف الاراده الشعبية العربية ، واستخدامها العديد من الاساليب ومن أهمها اسلوب الاسقاط العنيف ، في تحويل مسارها في دول عربية أخرى ، من المسار الجماهيري السلمي ،إلى مسار طائفي مسلح - دموي " سوريا، ليبيا، اليمن.."، بهدف تشويه صورة هذه الثورة الشعبية السلمية، ومن ثم منع انتقالها إلى دول عربيه أخرى.
الموجه الثانيه: الحراك الشعبي السلمي ، والذي طليعته الشباب أيضا، في العديد من الدول العربية كالسودان" ثورة 19 ديسمبر 2018" والجزائر، والحراك الشعبي المطلبي في المغرب وتونس والأردن ولبنان والعراق ... وقد نجحت هذه الموجه ايضا فى اسقاط عدد من النظم السياسية الاستبدادية ، سلميا وبأساليب التغيير السياسي الديمقراطي "نظامى عمر البشير وبوتفليقة" . والذى تعمل القوى والنظم العالمية والاقليميه والمحليه، ذات المصالح المتعارضة مع أهداف الاراده الشعبية العربية ، على إجهاضه و إفراغه من مضمونه، من خلال العديد الاساليب ، وأهمها اسلوب الهبوط الناعم ، والذى مضمونه ، اجراء تغيير شكلى يشمل تغيير الاشخاص ، دون اى تغيير حقيقى للسياسات الاقتصاديه والسياسيه والاجتماعيه.. التى تتعارض مع أهداف الاراده الشعبيه العربيه فى الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية ، وأهمها السياسات الاقتصادية التى تفرضها المؤسسات الاقتصادية الرأسمالية " صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية" على الدول النامية ، بهدف ضمان استمرار تبعيتها للنظام الراسمالى العالمى،واستمرار نهب ثرواتها الطبيعيه، ومنها سياسات الخصخصة ورفع الدعم.
[/SIZE]
خياران : هناك خياران- رئيسيان- يحددان مستقبل الأمة العربية بشعوبها المتعددة.

الخيار الاول: الامتداد التلقائى للواقع وتزايد احتمالات اندلاع ثورات الجياع( ثورات الجياع فى شكلها النهائى او الكامل): يقوم هذا الخيار - في المجال الاقتصادي - على استمرار هذه الانظمه السياسيه العربيه في تطبيق النظام الاقتصادى الرأسمالى- تحت الشعارات المذكورة اعلاه - والسياسات الاقتصادية التى توصى بها المؤسسات الاقتصادية الرأسمالية الدوليه - المذكورة اعلاه - وهذا الاستمرار يؤدي الى الامتداد التلقائى لواقع عدم مقدرة اغلبيه العديد من الشعوب العربيه على اشباع حاجاتها العضويه ، نتيجه لفشل انظمتها السياسية في توفير السلع الضرورية ، و محصله لتطبيقها لهذا النظام الاقتصادى ، رغم ما تملكه من موارد وثروات طبيعية. وهذا الامتداد التلقائى يزيد من احتمالات اندلاع ثورات الجياع ، فى شكلها النهائى او الكامل. وبالتالى يزيد احتمالات الانزلاق نحو الفوضى ، التى لا تهدد وجود هذه النظم السياسية فقط ، بل تهدد وجود الدولة ذاتها فى هذه المجتمعات.

.

الخيار الثاني: وقف الامتداد التقائى للواقع : أما الخيار الثاني فيقوم على وقف الامتداد التلقائي لهذا الواقع،وهو ما يمكن تحققه بالاتى:

على المستوى الرسمى: توقف هذه الانظمه السياسيه العربيه- كليا او جزئيا / فورا او تدريجيا - عن تطبيق هذا النظام الاقتصادى وهذه السياسات الاقتصاديه . وهو غير ممكن التحقق الا فى حالة ضغط الاراده الشعبية العربية ، على هذه النظم السياسية ، بأساليب سلمية - حتى لا تتزايد احتمالات الانزلاق نحو الفوضى - بهدف دفعها نحو التوافق "المشاركة" ، والإصلاح " التغيير السلمي التدريجي – بشرط عدم اكتمال توافر الشروط الذاتية والموضوعية للثورة " ، مع الالتزام بالسلمية حتى في الحالة الأخيرة"اى حالة الثورة ".بهدف إخراجها من الطريق الرأسمالي الذي أثبت الواقع التاريخي أنه طريق مسدود ،والبدء فى السير فى الطريق المفتوح،الذى يضمن تحقيق الاراده الشعبيه العربيه لغاياتها فى الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة والجمع بين الأصالة والمعاصرة.

المستوى الشعبى: ارتقاء الاراده الشعبيه العربيه من مرحله التفعيل التلقائى " الحاليه" ، والتى تأخذ شكل رد الفعل العاطفي الانفعالي، ضد مظاهر تردي النظام السياسي الرسمي العربي ، والتي حققت فيها الكثير من الانتصارات ، بدون أن يمثلها أو يعبر عنها أو يسعى لتحقيق أهدافها اى نظام سياسي عربى معين، ومنها انتفاضات الخبز العربيه ، والتى تضمنت الموجات الكمية لثورة الشباب العربى "الموجتين الأولى والثانية لثوره الشباب العربى " التى نجحت فى وقف هذا التردى - جزئيا - الى مرحلة التفعيل القصدى" المستقبلية " ، والتي ستأخذ شكل الفعل العقلاني- المستمر – المنظم / المؤسساتي- السلمي . والتى ستتضمن الموجات الكيفية لثورة الشباب العربى - وهذا الارتقاء لا يمكن ان يتحقق إلا بالالتزام بشروط التفعيل القصدي وأهمها :

· محاربة أنماط التفكير الخرافي والأسطوري والبدعى . والالتزام بأنماط التفكير العلمي والعقلاني – التي لا تتناقض مع المفاهيم وقيم وقواعد الوحي كلية - والفهم الصحيح للدين .

· قيام الاراده الشعبية العربية بكل الخطوات الممكنة تجاه أهدافها في الوحدة و الحرية والعدالة الاجتماعية والحرية والأصالة والمعاصرة ،على المستوى الشعبي قبل المستوى الرسمي .

· ضغط الاراده الشعبيه العربيه بأساليب سلمية ،على النظام السياسى العربى- كما اشرنا اعلاه- من اجل حثه على الالتزام - فى المجال الاقتصادى- بما هو ممكن من الاتى:

[SIZE=18px]1. التأكيد على دور الدولة الرئيسي في إدارة الاقتصاد الوطني، مع العمل
على إصلاح القطاع العام و تطهيره من البيروقراطية والفساد .
2. العمل على نقل الاقتصاد الوطني من علاقة التبعية الاقتصادية- من خلال فك ارتباطه بالنظام الرأسمالي العالمي ومؤسساته - إلى علاقة التعاون الاقتصادي -من خلال إقامة علاقة تبادل اقتصادي بين دول العالم، قائم على أساس المصالح المتبادلة.
3. .الوقوف ضد خصخصة المؤسسات الإستراتيجية والسلع الضرورية..
4. تفعيل مؤسسات الضمان الاجتماعي.ودعم الشرائح الفقيرة والمهمشة في المجتمع .وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني( النقابات).
5. تحديد أسعار السلع والخدمات الأساسية والضرورية ودعمهما ، بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمواطن، وعدم تضرر التاجر .
6. إنشاء وتفعيل مؤسسات حماية المستهلك الشعبيه المستقلة عن السلطة. واستخدام آليات المقاطعة الشعبية والبحث عن بدائل من أجل ضبط الأسعار على المستوى الشعبي. وتفعيل الجمعيات التعاونية والاقتصاد التعاونى، من خلال وضع التشريعات التى تدعم وتحمي الاقتصاد التعاوني.
7. حماية المنتجات الوطنية ، وكشف التناقض بين الرفض النظري للمجتمعات الرأسمالية للسياسات الحمائيه المتضمنة لفرض ضرائب جمركية على السلع الأجنبية ، والدعم الحكومي للسلع المحلية ، والقبول العملي لهذه المجتمعات لهذه السياسة الحمائيه، والذي كشفته مؤخرا الحرب التجارية الاخيره بين الدول الرأسمالية ،الناتجة عن السياسات الحمائية التي تتبعها.
8. توجيه القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي نحو المجالات الإنتاجية ، التي تحقق الفائدة للمجتمع ، وليس نحو المجالات الاستهلاكية على حساب المجتمع، مع وضع ضوابط ومعايير اجتماعية وبيئية لنشاطهما.
9. تفعيل دور المثقفين وعلماء الدين في الكشف عن تناقض النظام الرأسمالي" المادي/ الربوي /الفردي " مع الهوية الحضارية - الدينية " الاجتماعية " للمجتمعات العربية الإسلامية ، والكشف عن الآثار المخربة لهذا النظام الاقتصادي لمعتقدات وقيم وأخلاق هذه المجتمعات
10. تفعيل ما هو متاح وممكن من تعاون اقتصادى عربى ووحده اقتصادية عربيه ، وإلغاء ما ما يمكن الغائه من حواجز اقتصادية بين الدول العربية.

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعة الخرطوم



*********************************
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات الموقع الرسمي للدكتور صبري محمد خليل خيري
[/SIZE]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى