د. محمد الشرقاوي - تهافت التهافت المغربي على "يهودية" أمريكا!

اطلعتُ مؤخّرا على العدد الأول من مجلة جوريزالم ستراتيجيك تريبيون The Jerusalem Strategic Tribune، وهي مشروع بحثي يتولى نشره المواطنُ المغربي أحمد الشرع بالتعاون مع باحثين يهودا مثل أمير أورن، ومارك ديبويتز، وإفرايم إينبار.
هي مجلة تقدم مقالات عن قضايا إسرائيل وإيران ودور الولايات المتحدة في عدة محاور في السياسة الدولية. ويقول الناشر إنه "قد يشعر البعض بالصدمة فضوليًا أنه من بين جميع الناس قد يتحرك مسلم عربي مغربي لتأسيس مجلة مقرها الولايات المتحدة حول العلاقة بينها وإسرائيل. بالكاد ألومكم: على عكس الدول الغربية حيث يصبح الكثيرون متحمسين لموضوع معين بعيد عن خلفيتهم أو تراثهم، تظل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منطقة تهيمن فيها الهويات الجماعية على نزعة العقل، ولا يُبنى فيها سوى عدد قليل جدًا من الجسور بينهم."
لا غرابة أن يمتدّ طموح هذا المواطن المغربي إلى توسيع شركته الإعلامية خلف المحيط الأطلسي بما يشبه خطوات صغرى تقتبس من تجربة اليهودي الأسترالي روپيرت مردوخ الذي حقق نفوذا إعلاميا كبيرا من خلال شركته News Corp التي تضم قناة فوكس نيوز، وسكاي نيوز، ووول ستريت جورنال، ونيويورك بوست. وتبقى أمريكا المرتع الخصب للمبادرات والمقاولات الجديدة والاستثمار في كل شيء.
غير أن المفارقة المثيرة تكمن في أن هذه "المبادرة المغربية" ذات البعد الإسرائيلي الأمريكي في تركيب معرفة استراتيجية في الوقت الراهن تثير سؤالا عن روافد الوعي السياسي لدى الرجل نفسه، وكيف يفهم طبيعةَ أمريكا وتوازنات القوة فيها، ومن وما يدير المفاتيح السياسية في عاصمتها الحيوية. ويستند هذا الناشر ومموّلو المشروع إلى أهمية الرافد اليهودي في تعددية الفكر والثقافة وتفاعل الأقليات والأغلبية البيضاء، ويقول "عندما تعرفت على الولايات المتحدة، اقتربتُ تلقائيا من الجالية اليهودية الأمريكية. وخلال زيارتي الأولى، سارع اليهود الأمريكيون إلى مساعدتي في اكتشاف بلدهم وإيجاد طريقي فيها. لقد تأثرتُ بوطنيتهم وحبهم للقيم الأمريكية، فضلاً عن التزامهم بتراثهم ورفاهية الدولة اليهودية. لقد كان اليهود الأمريكيون شركائي ومرشدي، وأيضا جسري إلى وطن أجدادهم."
هو موقفُ امتنانٍ ليهود أمريكا من قبل هذا الرجل الذي يريد أن يعلن تقديره جهارا لتوسيع علاقاته ضمن النسق الأمريكي الإسرائيلي بين واشنطن وتل أبيب باعتبار أن أصدقائه اليهود الأمريكيين كانوا "جسره إلى وطن أجدادهم". هو أيضا لا يتنكر للجميل عندما حرّكوا الهواتف والنداءات في واشنطن للإفراج عنه عقب اعتقاله في مطار دلس في فرجينيا قبل أعوام قليلة بتهمة تهريب الأموال، كما تفيد مصادر مطلعة، عندما اكتشف رجال الجمارك أنه كان يحمل معه مبلغا نقديا أكبر بكثير من 10000 دولار التي تسمح بها قوانين التصريح بالأموال النقدية عند دخول مطارات ومرافئ الولايات المتحدة.
تزداد المفارقة عندما يسعى هذا الناشر الممتنّ لإشاعة "#قيم_سمحاء" حسب المقاس والانتقاء وتوجيه الرسائل الضمنية. فهو يقول في افتتاحية المجلة "كيف يمكن لمن يحب أمريكا ألا #يقدّر_دولة_إسرائيل ولا يُعجب بها؟ في الوقت الذي يكون لكلا البلدين نصيبٌ من الاستقطاب والتطرف والسياسة المضلَّلة، فإن الإسرائيليين الذين أعرفهم وأعتبرهم أصدقاء يمثلون الوعدَ بمجتمع مفتوح وديمقراطي ومتسامح تحميه دولة قوية من المؤسسات. إنهم يشتركون في القدرة الأمريكية على التأمل. وتتجلى وطنيتهم في التعطش للوصول إلى الأشياء الأفضل والأفضل وتصحيح الأخطاء وخدمة الصالح العام. إنهم الإسرائيليون الذين ينظر إليهم العديد من العرب أيضًا على أنهم أصدقاء وشركاء محتملون، وهو اتجاه متنام تجلى بعمق في الاختراقات الدبلوماسية في العام الماضي."
قد لا تكفي عبارة "الارتماء في الأحضان" بشكل اعتباطي في وصف انغماس الرجل في سرديات متخيلة يسقطها على أصدقائه الأمريكيين اليهود المتأسرلين (من إسرائيل) أو الإسرائيليين المتأمركين في حضن اللوبي الإسرائيلي خاصة الليكودي المنحى في الولايات المتحدة. ويسعى هذا المبشّر بتقوى "المدينة الفاضلة الإسرائيلية" لتركيب خطاب أيديولوجي موحّد لا يفصل بين قيم أمريكا وما يعتقد أنه تكريس طبق الأصل لها في إسرائيل. وهذه أم المغالطات التي لا يستقيم معها منطق المقارنة.
لكن هذا الطرح يبدو تبسيطيا ومستقيلا إلى التعميم دون مساءلة عدة ممارسات إسرائيلية تتناقض واقعيا مع المثل والقيم الأمريكية ذاتها. لا تقبل الفلسفة السياسية الأمريكية بيهودية الدولة، والاحتكام إلى الميز العنصري الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في كتابه الصادر عام 2006 بعنوان "فلسطين: السلام وليس الفصل العنصري" Palestine: Peace Not Apartheid.
يثير هذا الارتماء غير المحسوب لدى صديقنا الناشر معضلة الواقع الحقيقي والمسافة بين التفسير والتأويل في واشنطن عاصمة الضوابط والتوازنات أو Checks and balances في ميزان السياسة الأمريكية. هي عاصمةٌ سياسيةٌ بامتياز وأرضُ معارك قانونية وجولات محتدمة بين اللوبيات القوية. لكن اللوبي الإسرائيلي المعوّل عليه في تقديرات أغلب العواصم العربية لم يفلح في وجه التوقعات التي لوحت بانجازات سياسية تسير به الركبان في المتخيل لدى أغلب العقول العربية ممن يُأسْطِرُون القدرات "الخارقة" للوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة.
لم ينجح هذا "اللوبي الأسطوري" في استبقاء دونالد ترمب في منصب الرئاسة أربع سنوات أخرى، ولا في ثني حكومة الرئيس بايدن عن مواصلة المفاوضات في ست جولات مع الإيرانيين في فيينا، ولا في استصدار وزارة أنثوني بلينكن تزكيةً أو تبنٍّ صريح للاعلان الرئاسي بشأن اعتراف ترمب بمغربية الصحراء. ولم يستطع حشدَ التأييد في البيت الأبيض في حقبة بايدن لتوجيه ضربة انتقامية منسقة بين واشنطن ولندن وتل أبيب من إيران التي تم اتهامها باستهداف ناقلة النفط "ميرسر ستريت" ومصرع روماني وبريطاني من أفراد الطاقم والفريق الأمني.
تستمر أسطورة اللوبي العجيب خارق القدرات. ولا يتوقف صديقنا الناشر عند أي حد في تجنيد نفسه وتمويل داعميه في الرباط محاربا صلب العزيمة في معارك الخطاب العام واللوبي الفكري من أجل المصلحة المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة. فيقول إنه عندما يتنقل بين "هذين البلدين العظيمين"، كان يجد من المدهش "عدم وجود منصة إعلامية عامة للغرض المعلن لفحص التحالف. ربما يمكن لمثل هذه المنصة أن تساعد صانعي السياسات والفاعلين المدنيين على حد سواء على فهم دورهم بشكل أفضل في ضمان أن هذه العلاقة الفريدة العريقة تعود بالفائدة القصوى عليهم وعلى حلفائهم العديدين."
يراهن مشروع هذه المجلة الجديدة على التأثير على بنية التفكير لدى صناع القرار والمهتمين بالدراسات الاستراتيجية بما يخدم مصلحة إسرائيل في أمريكا بمعية توسيع نطاق التطبيع الإبراهيمي الذي انضمت إلى ركبه أربع عواصم عربية بين الخليج والمحيط العام الماضي. ويحاول أيضا تقليصَ تأثير الخطاب الموازي الذي يقوده الجناح التقدمي وبعض مثقفي اليسار الأمريكي من أجل الحد من توجيه السياسة الخارجية الأمريكية نحو خدمة مصالح إسرائيل على حساب مصالح أمريكا أحيانا، كما كان الحال خلال حقبة الرئيس دونالد ترمب الذي مد يد إسرائيل في هضبة الجولان، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وأيضا النفخ في قربة ما سميت "صفقة القرن" و"اتفاقات أبراهام"، من أجل إقبار حلّ الدولتين وتقزيم القضية الفلسطينية.
يستطرد ناشر هذه المجلة الأنيقة في إخراجها وجاذبية عناوينها في مغازلة التحالف الإسرائيلي الأمريكي والاتكال على من وجدهم "من أكثر الممارسين كفاءة وخبرة للانخراط بين الولايات المتحدة وإسرائيل في العالم". لكن هذا "المسلم العربي المغربي" كما يصف نفسه لا يستحضر الأضلاع الأخرى في المعادلة، ولا يهتم على ما يبدو بمصالح المسلمين والعرب والمغاربة من فرط إيمانه ونضاله من أجل المصلحة الإسرائيلية الأمريكية الخالصة. ولم يقترب من مراعاة الشق الآخر في المثلث الاستراتيجي بين الدول العربية والولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يمكن تخيّل فرضية أن يستكتب أسماء عربية أمريكية أو مسلمة أمريكية في صياغة مقالات متنوعة الطرح والرؤية من أجل تأكيد مصداقية المجلة ذاتها. ويظل السؤال قائما عن جمهور قرائها والفئة المستهدفة بخطابها ونظرتها إلى اللحظة الاستراتيجية الراهنة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. هي باختصار مجلة الرؤية الاستراتيجية الواحدة، والمصلحة الواحدة، والأمل الوحيد في إنعاش ما تريده إسرائيل من أمريكا.
قد يقول صديقنا في قرارة نفسه وفي جلسات خاصة مع مؤيده ومموّليه إنه ميكيافيلي العقيدة، وأن ركوب السردية الإسرائيلية الأمريكية سيكون مدخلا مناسبا لخدمة مصلحة المغرب وبقية دول التطبيع الإبراهيمي ضمن المثلث "المقدس" الجديد: الطريق إلى واشنطن يبدأ من تل أبيب. وهذا ما أقنع أصحاب القرار في الرباط بقبول مقايضة جوفاء بين التطبيع مع إسرائيل واعترف حكومة ترمب بسيادة المغرب على الصحراء. وهي مقايضة غير متعادلة النتائج كما يلاحظ المغاربة بعد مرور أكثر من عشرة أشهر على توقيع الاتفاق الثلاثي.
غير أن هذا "المقدس" السياسي الجديد القديم لم يعد واقعا حتميا في الزمان والمكان، خاصة عندما تتغير المواسم السياسية في بلد البيت الأبيض والكونغرس والخطاب الإعلامي المتدرج من مطلقيات قديمة إلى نسبيات جديدة في تعامل أمريكا مع إسرائيل وبقية المنطقة، خاصة عندما ترتفع الأصوات بضرورة مراجعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
هو مقدس سياسي يتآكل من فرط ما دفع إليه دونالد ترمب وانجرافه مع طموحات نتنياهو. ومما يزيد في تقلب كفتي الميزان وجود فئتين يزداد تأثيرهما في صنع القرار في البيت الأبيض: فئة التقدميين مثل السناتور بيرني ساندرز والسناتور إليزابيث وورن والنائبتين أليكسندريا أوكتافيو كورتيس ورشيدة طليب. وتشمل الفئة الثانية عددا من موظفي الكونغرس والمتطوعين في حملة المرشح بايدن، وأغلبهم من الشباب الذين تحمسوا لمناصرة حملة باراك أوباما “Yes we can” عام 2008.
أصبحت هاتان الفئتان بمثابة رقيب سياسي على أداء حكومة بايدن وهي في شهرها العاشر. ولا يتردد أعضاؤهما في توجيه رسائل مباشرة في لغاتها ومنحاها النقدي، كما فعل 130 نائبا ديمقراطيا، وبعدهم 500 من موظفي الكونغرس والمتطوعين السابقة خلال حرب غزة الأخيرة.
عند تصفح المقالات وتأمل لمسات الإخراج الأنيق، يحضر سؤال من شقين: كم هي الأموال التي يتم ضخها في هذا المشروع من ميزانية بلد يعاني الفقر وارتفاع نسبة البطالة وانكماش الاقتصاد جراء تداعيات كورونا. أما الشق الثاني من السؤال فهو المفارقة الأكبر: يحضر عنوان The Jerusalem Strategic Tribune، فلماذا يغيب العنوان المرتقب منطقيا: The Moroccan Strategic Tribune؟!




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى