عبد الجليل بدزي - الشيخ محمد بن سليمان الفاسي : شمس أفلت قبل وقت غروبها

-1-

شيخ من أشياخ الملحون في عهد "صابت لشياخ"، شغل الناس كثيرا، وأعجب به البعض، وكرهه كثيرون، نسجت حوله العديد من الروايات منها التي تفتقر إلى أدلة من أجل تأكيدها، خاصة وأنها تتميز بالعجائبية والغرائبية، وروايات أخرى أثِرَتْ عن أشياخ عاصروه، أو جايلوا الذين عاصروه، ولكنها أيضا تحتاج إلى تنقيح، ذلك أنه عندما يغيب التوثيق، وتغيب القراءة الموضوعية للأحداث ولحيوات الناس ــ خاصة الشخصيات البارزة منهم ــ، يفسح المجال أمام التأويلات واختلاق الحكايات التي غالبا ما تكون مجانبة للمنطق والصواب، مما يؤسطر الشخصية أو الحدث، ويبعده عن الإدراك الموضوعي، وهي أشياء عندما نتعرض لبعضها هنا، فليس في ذلك ادعاء بأننا سنقول فيها القول الفصل، أبدا، فذاك ليس هو الهدف من هذه الورقات، ولكن فقط لكي نقرب صورة الشيخ ما أمكن من الحضور الموضوعي في أذهان الناس، ليستطيعوا أن يعقلوه كشخصية حقيقية وواقعية، بعيدة عن التناقضات التي تسير وراء الأقوال المتضاربة حوله دون تمحيص، وهو ما نعتبره مساهمة منا في محاولة تطهير هذا الموروث وما يحيط بمجاله من خرافات وشعوذات يمجها العقل، ويرفضها منطق المتلقي، الذي تصبح نظرته للملحون وثقافته نظرة تحمل في طياتها الكثير من التشكيك والقدح، معتبرا هذه الثقافة التي يقدمها منتوجا شعبيا بسيطا وبائسا، لا يصلح إلا للفرجة والترويح عن النفس، في مقابل ثقافة عالمة جديرة بالاحترام والتقدير، وقادرة على استيعاب كل قضايا الجماهير وتقديم حلول معقولة ومنطقية لها، وهي مسألة لا أجد موقعا لتقديم موقف حولها آنيا، باعتبار الغاية التي استهدفتها منذ بداية الخوض في مواضيع التراث عامة وفن الملحون على الخصوص، والتي تبتعد كليا عن الخوض في هذه المسألة العميقة جدا، لهذا وعود على بدء، أخلص إلى أن هذه الأخبار الكثيرة والمتناقضة حول الشيخ المقصود في هذا الموضوع، هي أخبار ذات فائدة كبيرة، ذلك أنها تؤكد لنا على هذا الشيخ كان عبقرية فذة، ومبدعا متميزا جعل الأنظار تلتفت إليه، وآمال التطوير والتجديد في مجال النظم تتعلق به، إنه الشيخ محمد بن ادريس بن سليمان.

****


– 2 –

هو شاعر مجيد من أهل فاس، ولد أواخر عهد السلطان محمد بن عبد الله[2] سنة ست وثمانين ومائة وألف هجرية (1186هـ)، وتوفي على عهد السلطان المولى سليمان[3] سنة تسعة عشرة ومائتين وألف هجرية (1219هـ)، بعد أن أصيب بمرض تضخم القلب، مات أبوه وتركه طفلا، فتكفلت أمه بتربيته، حيث أدخلته الكتاب ليحفظ القرآن، وبعدها التحق بجامعة القرويين التي نهل منها ما تيسر له من العلم، زيادة على علاقة الصداقة التي كانت تربطه آنذاك بالشيخ الكبير محمد بن علي ولد أرزين[4]، والذي عرفه على الشاعر الكبير وأستاذ الجيل وشيخ أشياخ مدينة فاس لوقته الحاج محمد النجار[5]، فجاء عبقرية فذة في نظم قصائد فن الملحون ـ كما أشرنا ـ مع ظروف لم تسمح له أن يُظهر كل إمكانياته في الخلق والإبداع، وذلك لأسباب كثيرة أختزلها في معطيين اثنين:

1/ انشغاله بالتهاجي مع خصومه الكثيرين، والذين قيل أنهم بلغوا أربعين شاعرا وأكثر، وكما لا يخفى على القارئ أن الدخول في معارك جانبية يحد من القدرة على الانطلاق والتحليق في مجال تحقيق الرسالة الأصلية التي يجري وراءها المبدع، وتتمحور لدى الشيخ ابن سليمان حول وضع بصمة متميزة خاصة به على مستوى نظم قصائد الملحون، الشيء الذي يؤكده نظمه لقصيدة “السنسلة”[6] التي سلسل بها أشياخ عصره، حيث رغم انتمائه لحضيرة الملحون، إلا أنه كان مجددا في الكثير مما كتب وأبدع شكلا ومضمونا، وهو الشيء الذي لم ترتح له العقليات التقليدية التي تشتغل بالميدان، فعارضه أشياخ وقته وهاجموه بقوة، وكانت النتيجة اشتعال نار التهاجي بينه وبين هذه العقليات المتحجرة، مما حد من انطلاقته وتحليقه في مجال الإبداع، وفوت علينا فرصة التمتع بتجديداته وابتكاراته التي تظهر من خلال ما خلف من قصائد، على أنها تمثل تحولا على مستوى الشكل والمضمون في مجال نظم الشعر الملحون، رغم أن غالبية إنتاجه قد ضاع نتيجة إحراق أمه لديوانه بعد وفاته، ولم يبق مما نظم سوى الذي ألقي على الناس فحفظوه، أو الذي كتب على جدران وأثات بيته.
2/ والسبب الثاني الذي حد من انطلاقة ابن سليمان التجديدية، وأوقف إبداعاته، تمثل في موته المبكر، حيث يُجمع كل المهتمين على أنه قد فارق الحياة على عهد السلطان المولى سليمان، وعمره قد تجاوز الثلاثين سنة بقليل، حوالي (ثلاثة وثلاثين سنة).


*****

– 3 –

قال عنه الأستاذ المرحوم عبد الله شقرون، “… أمير شعراء الملحون في كل زمان ومكان بدون خلاف ولا نزاع …”[7] ، وعلى الرغم من الاختلاف الحاصل بين المهتمين حول الحالة الاجتماعية لأسرته، حيث “هناك من الأشياخ من يرى أن أباه كان رجلا رقيق الحال، يشتغل (بالدرازة)، ويرى آخرون أن أباه كان من أكبر أغنياء وأعيان فاس…”[8]، ورغم هذا الاختلاف حول هذه النقطة، إلا أننا نطمئن للآراء التي تؤكد أن الشاعر “…عاش… في فاس عيشة الترف والدلع والدلال والبذخ… سهر الليالي وأفناها تمتعا ماجنا قبل أن تفنيه هي الأخرى ألما وتوجعا … وصعقا…”[9] ، وهذا الرأي هو الذي يرى أن والد الشاعر كان ثريا من أعيان مدينة فاس، وقد نشأ ابنه في بيت عز وثراء، وورث عن والده حبه لحياة الطرب وعشق الملحون ولقاء أشياخه الكبار، ولا يستبعد أن يكون لقاؤه الأول بأستاذه محمد بن علي ولد أرزين في بيت الأسرة، حيث بدأ يتلقى على يديه مبادئ هذا الفن وأصوله، ويتعرف إلى أشياخه، ولما مات والده، ترك له ثروة طائلة وهو في ريعان الشباب، فانطبق عليه قول الشاعر أبو العتاهية[10] يصف مثل حالته:

إن الشباب والفراغ والجِدهْ * مفسدة للمرء أي مفسدهْ[11]

والحقيقة أن موت والده ترتب عنه أمران حاسمان في حياته:

1/ حدوث القطيعة بينه وبين شيخه محمد بن علي ولد أرزين، ووصول الأمر بينهما إلى مستوى الهجاء الفاحش، والذي استمر طيلة حياة الشيخ ابن سليمان القصيرة، وكان يفحش له ولخصومه الآخرين في القول حتى لقب لحدة لسانه ب “الشـّْلِيمَانْ”[12]، فترتب عن ذلك قولة سارت مثلا بين أهل الملحون تقول:”الشّلِيمَانْ وَلَا اكـْلَامْ ابْنْ سْلِيمَانْ”، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بالغ ابن سليمان في التنكيل بأستاذه حين تنكر له، وأنكر فضله في تلقينه أصول فن الملحون، مشيرا إلى أن شيخه الحقيقي وأستاذه هو الحاج محمد النجار، وفي ذلك يقول في قصيدته “التوبة” التي حربتها:
أرَاسِي لَا تَشْقَى * يَا الطـَّامَعْ لَابُدّ مْنَ الفْرَاقْ * لَا تَامَنْ فَالدّنْيَا بْنَاسْهَا غَرَّارَا[13]
ويقول في القسم الأخير منها مشيرا إلى أن شيخه هو الحاج محمد النجار:
أحَفّاظِي نَسْقَا*
وَارْتْوَى مَنْ مَايَا * فَنّْ فِي اطـْرِيزْ المَايَة * للغْشِيمْ دَرْتْ أوُصَايَة *
كِيفْ وَصَّاوْا اللـِّي قَبْلِي عْلَى الغْدَرْ * مَنْ اصْمِيمْ القَلْبْ وَالصّْدَر*
وَاللي هُو قَارِي * إِوَرَّخْ ارْمُوزِي وَاشْعَارِي * مَا اخْفَى شِيخِي نَجَّارِي *
لـْبِيبْ دِيوَانْ * وِيقُولْ ابْنْ سْلِيمَانْ
قـُلـُوا المَنْ اجْحَدْ مَا نَبَّتْ غُصْنُه أورَاقْ *
مَالـُه ضَاعْ اخْطِيَة * وُجَاحَدْ الشعَارَا


***

– 4 –

ومع ذلك، نؤكد على أن الشيخ محمد بن سليمان كان ينصف شيخه محمد بن علي ولد أرزين أحيانا، ويعترف بفضله بين الفينة والأخرى وبشاعريته التي لا تجارى، وذلك على غرار قوله:
رَجْلِي عْلى اقْفَاتْ العُكـْلِي * حُجَّة إلى اوْطِيتْ ابن علي[14]
2/ الأمر الثاني الحاسم في حياة الشيخ ابن سليمان بعد وفاة والده، انطلاقة الشاب الغر في الحياة انطلاقة اللاهي العابث، حيث أصبح ماجنا مسرفا حتى تعب قلبه ومرض، ومات من جراء ذلك وهو ابن الثلاث وثلاثين سنة كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
وقد تضاربت الروايات حول عمره عند موته، هل مات وهو شاب جاوز الثلاثين سنة بقليل، أم امتد به العمر حتى جاوز السبعين سنة كما يقول البعض، ورغم أن إجماع الأشياخ والمهتمين كان على صغر سن الشاعر لحظة وافته المنية، حيث يقول الدكتور عباس الجراري مشيرا إلى هذه المسألة “… فلم يلبث ـ وهو في أول الشباب ـ أن انطلق للحياة اللاهية الماجنة في غلو وإسراف كانت نتيجتهما أن أصيب بداء القلب الذي أودى بحياته ولما يتجاوز الثلاثين من عمره…”[15]، أما الشيخ الحاج أحمد سهوم فيقول في هذه النازلة “…فلكأنني به يحس بإحساسه الصادق، أن هذا الحب القوي، العنيف المتنمر سيودي بحياته لا محالة، وكذلك كان، فلقد بكته حضيرة الملحون ولما ينتهي العقد الثالث من عمره، رحمه الله من شاب…”[16]. وهذا رأي غالبية الأشياخ والمهتمين، والذين يؤكدون على وفاة الشيخ في ريعان شبابه.
إلا أن هناك أقوال شذت عن هذه القاعدة، يشير من خلالها البعض إلى أن ابن سليمان لم يمت وهو صغير السن، بل كان عند موته قد جاوز التسعين سنة، مشيرين إلى أنه لا يعقل أن يكون هذا الشيخ الذي ذاع صيته على الألسن، واكتسب شهرة كبيرة، حتى اعترف له أشياخ وقته بالبراعة، خاصة عندما أخرسهم بقصائده الطنانة التي تحمل بصمة التجديد واختراق القواعد التقليدية ـ على سبيل المثال قصيدة “السنسلة” ـ يقولون أنه لا يمكن لمثل هذا الشيخ أن يكون قد مات في سن مبكرة، وقصائده تشهد على براعته المبهرة في النظم، فكيف تعلم كل هذا؟ ومتى اكتسب هذه الخبرة الكبيرة في هذا الميدان؟، ويستدلون على أنه لم يمت إلا بعد أن بلغ من الكبر عتيا بقراءتهم في قصيدتين لابن سليمان نفسه، استنتجوا منهما ـ كما يقولون ـ أن الشيخ لم يمت إلا بعد أن شارف على الثمانين سنة من عمره، القصيدة الأولى هي قصيدة “القلب”، والتي يقول في حربتها:
وَعْلَاشْ هَكْذَا صَابَرْ يَا قَلـْبِي * غِيرْ سَلـَّمْ فَطـْرِيقْ الحُبّْ مَا تْرَى بَاسْ[17]
حيث يقول في قسمها السادس:
قال ينا سيدي كَانُوا ازْمَانْ لـَجْوَادْ يِرَفـْعُوا شَانْ كـُلّْ نَاظـَمْ *
وَاليُومْ رِيتْ قوْلْ الشَّاعَرْ مَهْمُولْ * فـْجِيلْنَا غَابُوا هَلْ لعْقُولْ * مَا بْقَى مَنْ يَصْغَى للقولْ
أمَهْبَلـْنِي[18] فِي عَامْ شَرْط[19] فَأبَجَدْ بَالتَّحْقِيقْ * قَلبِي عَاشَقْ وَهْلْ الغْرَامْ طبْعِي عَرْفـُوهْ ارْقِيقْ
غِيرْ السَّاكـَنْ مَدْهِي عْلى اشْغَالـُه
شَغْلِي امْدِيحْ طهَ وَالهَزْلْ عْلِيهْ جَايْرْ أُوكَانْ * نَعْمْ الغْنِي الجُوَّادِي
يُوقِي مَنْ الهْزَلْ عَثْرَاتِي حَتَّى انْرُومْ لرْمَاسْ
ويستنتج أصحاب القول بأن ابن سليمان قد مات عن سن عالية، أن الشاعر قد أشار إلى تاريخ نظمه لقصيدة القلب بعام (شرط)، وهو الذي يوافق تسعة ومائتين وألف هجرية (1209هـ)، وأنه كان شابا غرا عندما نظم هذا النص، حيث لا يتجاوز عمره الثالثة والعشرين سنة، وعن ذلك يقول في سياق القصيدة: (أمهبلني في عام شرط)، وكلمة (أمهبلني) مأخوذة من (لهبال) وهو (الحمق) حسب اللهجة المغربية، وفي ذلك إشارة إلى أنه كان يصف نفسه بالشاب الغر الصغير السن، والذي لم تحنكه التجارب، وقد حدد السنة هاته بالحروف الأبجدية من خلال كلمة (شرط)، والتي عندما نخضعها ل(حِسَابِ الجُمَّلِ)[20] الذي كان يستعمله أشياخ الملحون كثيرا وكان شائعا بينهم، فإننا نحصل على التالي: فالكلمة الرمز هنا تتكون من ثلاثة حروف هي (ش ـ رـ ط)، حيث (حرف الشين) قيمته ألف (1000)، و(حرف الراء) يساوي مائتين (200)، أما (حرف الطاء) فقيمته تسعة (09)، ومجموع هذه الحروف التي تحدد لنا تاريخ كتابة النص هو تسعة ومائتين وألف، هكذا بالأعداد ( 1209 هـ) كما رصد ذلك المرحوم دلال الحسيكة الذي أخذنا عنه هذا النص، لكن برجوعنا إلى القصيدة، ومقاربتنا لهذا المقطع فيها، فإننا لم نجد ما يشير من خلاله الشيخ ابن سليمان إلى أنه كتب هذا النص في هذا التاريخ، حيث أشار فقط ـ حسب ما هو واضح ـ إلى أنه كان شابا غرا في هذه الفترة التاريخية، وقد يكون كتب هذا في أواخر حياته أو في أي فترة من فترات حياته على سبيل الإخبار فقط، كما لا نجد ما ينفي أن يكون قد كتبه أيضا في بداية حياته، مما يجعلنا لا نطمئن كثيرا لكون هذا النص قد كتب بالفعل في هذا التاريخ، ذلك أن هذا التاريخ يؤكد فقط على الفترة الزمنية التي كان فيها الشيخ شابا غرا بدون تجربة.
أما القصيدة الثانية فهي قصيدة “التوبة”، والتي اعتبرت من أواخر ما كتب ابن سليمان حسب الأشياخ والحفاظ والمهتمين بمجال الملحون، ويقول في حربتها:
أرَاسِي لَا تَشْقَى * يَا الطـَّامَعْ لَابُدّ مْنَ الفْرَاقْ * لَا تَامَنْ فَالدّنْيَا بْنَاسْهَا غَرَّارَا
حيث يقول في قسمها الأخير:
أحَــفّـــاظِــي نَــسْــقَـــا
وَارْتْوَى مَنْ مَايَا * فَنّْ فِي اطـْرِيزْ المَايَة * للغْشِيمْ دَرْتْ أوُصَايَة *
كِيفْ وَصَّاوْا اللـِّي قَبْلِي عْلَى الغْدَرْ * مَنْ اصْمِيمْ القَلْبْ وَالصّْدَر*
وَاللي هُو قَارِي * إِوَرَّخْ ارْمُوزِي وَاشْعَارِي * مَا اخْفَى شِيخِي نَجَّارِي *
لـْبِيبْ دِيوَانْ * وِيقُولْ ابْنْ سْلِيمَانْ
قـُلـُوا المَنْ اجْحَدْ مَا نَبَّتْ غُصْنُه أورَاقْ * مَالـُه ضَاعْ اخْطِيَة *
وُجَـــاحَــــدْ الـشـــعَـــارَا


***


– 5 –

وهذا النص ـ كما يزعم البعض من أنصار قولة أن الشيخ ابن سليمان مات وهو طاعن في السن ـ يحمل إشارة على تاريخ نظمه كما هو الشأن بالنسبة للنص السابق، وهذه الإشارة/الرمز تمثلوها في قوله: (إورخ ارموزي واشعاري)، حيث اختاروا من هذه الجملة كلمة (واشعاري) معتبرينها الكلمة التي يلمح بها الشيخ لتاريخ نظم هذا النص، وبواسطتها يستدلون على قولهم بأن الشيخ عاش طويلا، حيث بعد تفكيك شفرتها حسب طريقة حساب الجمل، يصلون إلى النتيجة التالية: (حرف الواو) قيمته ستة (06)، و(حرف الشين) يساوي ألف (1000)، أما (حرف العين) فقيمته سبعين (70)، و(حرف الراء) يساوي مائتين (200)، وعند تجميع الحاصل من هذه الأعداد، نحصل على تاريخ نظم هذا النص وهو ستة وسبعون ومائتين وألف، هكذا بالأرقام (1276هـ).

وبالمحصلة يصل أصحاب هذا الرأي إلى أن الشيخ ابن سليمان مات عن سن عالية، اعتبارا من الوضع الزمني الفارق بين تاريخ نظم القصيدتين: قصيدة “القلب”، التي يشير من خلالها إلى أنه كان صغير السن (أمهبلني)، مستخلصين من خلال الرمز إلى تاريخ نظمها، والذي حددوه في (1209هـ)، وقد سبق لنا التعليق على ذلك في موضع سابق من هذا المبحث، وقصيدة “التوبة” والتي نظمها حسب ما استخلصه أصحاب دعوى أن الشيخ لم يمت صغير السن سنة (1276هـ)، ليكون الفرق بين نظم قصيدة “القلب” ونظم قصيدة “التوبة” هو سبع وستون سنة (67 سنة)، وإذا أضفنا إليها بالتقدير مدة طفولته وسنة شروعه في النظم، محددين هذه الفترة مثلا في ثلاث وعشرين سنة (23 سنة) ، والمدة التي عاشها بعد نظم قصيدة التوبة اعتبارا من أنها من آخر ما نظم، ونحصر هذه المدة في عامين بالتقريب (02 سنتين)، ليكون المجموع خمس وعشرون سنة (25 سنة)، نضيفها إلى سبعة وستين سنة السابقة (67 سنة)، عندها يصبح عمر الشيخ عندما مات ـ حسب القائلين بكونه مات شيخا ـ حوالي اثنين وتسعين سنة، (92 سنة)، وكما تلاحظون فالحساب جد مضبوط يستند إلى قراءة منطقية، لولا أن هناك بعض الملاحظات التي يصعب معها اعتماده كوسيلة لتحديد عمر الشاعر عند موته.


***


– 6 –

او قاري كي يؤرخ له أشعاره ويستخرج تاريخها، على غرار ما فعل الذين اعتبروا كلمة (واشعاري) مؤشرا على تاريخ نظم هذه القصيدة، واجتهدوا في ضم حرف لا ينتمي للكلمة وهو حرف (الواو) الذي يعتبر هنا حرف عطف للتفسير، أي أن الكلمة بعده تشرح الكلمة قبلها، وذلك حتى يكون الحساب تاما حسب ما يعتقدون وهو (1276 هـ)، ويبنون على ذلك قناعتهم التي تشير إلى أن الشيخ محمد بن سليمان مات وهو شيخ مسن جاوز التسعين سنة، وهي كلها مزاعم مبنية على أدلة سهل نفيها بالحجة والمنطق السليم، ثم نتساءل مع أصحاب هذا الرأي قائلين: على ماذا استندتم عندما اجتزأتم كلمة (واشعاري) من السياق لكي تشيروا من خلالها إلى تاريخ نظم النص؟ خاصة وأن الكلمة مرتبطة دلاليا بكلمة سابقة (ارموزي) مما يجعلهما تتكاملان لتشيرا معا إلى المعنى الذي يرمي إليه الشاعر، ثم لماذا لا نأخذ مثلا كلمة (ارموزي) بدلا من كلمة (واشعاري)؟ والأصوب إن كانت ستكون قراءة في هذا الجانب أن نأخذ الكلمتين معا (ارموزي واشعاري)، حيث يقول الشيخ ابن سليمان: (واللي هو قاري + إيورخ ارموزي واشعاري)، فنحن سواء أخذنا كلمة (ارموزي)، أو كلمة (اشعاري) بدون واو، أو أخذنا الكلمتين معا لا نستطيع أن نصل إلى شيء مما استخلصه هؤلاء، مما يكشف على أن كلمة (إورخ ارموزي واشعاري)، فيها إشارة إلى رغبة الشاعر في حث قارئ شعره على أن يعرف السياق التاريخي الذي قيل فيه، كما يحثه في الشطرة الأخرى أن يعرف من هو أستاذه وشيخه كما أشرنا إلى ذلك سابقا، وهذا لرغبة الشيخ ابن سليمان في أن يقطع كل العلاقات بينه وبين شيخه ولد أرزين، وينفي نفيا قاطعا أن تكون له به أي صلة.





****


– 7 –

من خلال هذه الأبيات، نلاحظ كيف يخاطب الشيخ محمد بن علي ولد أرزين الشيخ محمد ابن اسليمان، ويقول عنه في النص: (ما خوفي إلا نيتم اشبابُه)، وهي إشارة صريحة إلى أن لحظة نظم هذا النص من طرف الشيخ ابن علي ولد أرزين كان الشيخ ابن سليمان شابا صغير السن، وأنه مات كمدا أياما قليلة كما أشرنا بعد اطلاعه على هذا النص، ألا يكفي هذا دليلا على أن الشيخ قد مات في ريعان شبابه؟.

والقضايا الخلافية حول حياة وشخصية الشيخ محمد بن سليمان لم تقف عند هذه النقطة، بل طالت أيضا أسباب وفاته، حيث ذهب فيها المهتمون مذاهب شتى، ملتقطين بعض الإشارات لباحثين ماهدين أشاروا إلى أن ابن سليمان رثى نفسه قبل موته[21]، وذلك من خلال قوله في حربة قصيدته “الوردة”:
لا اتلوموني في ذا الحال جيت نشهد وانودي * يا اعدولي فالموت اسبابي خال فوردة
وهذا ما دفع ببعض الذين تعرضوا للقصيدة انطلاقا من هذه القولة إلى الترويج لكون ابن سليمان كان مريضا بالسل، وكان يعرف أن أجله قد أزف، وسيموت قريبا، ويستدلون على ذلك بقولهم: (أعدولي فالموت اسبابي خال فوردة)، فاعتبروا حسب تقديرهم أن (الوردة) هي رئة الشاعر، وأن (الخال) هي النقطة السوداء التي تشير للمرض الذي أصاب رئته، وبدأوا في تأويل ألفاظ النص وصيغه ومعانيه لكي تلائم وتساير مفهومهم ذاك، والذي ينطلق من كون موضوع قصيدة “الوردة” هو رثاء الشاعر لنفسه وتحديد سبب وفاته.

ولو أننا عدنا لهذا النص وقرأناه بطريقة موضوعية مضبوطة، سنجده بعيدا كل البعد عما يشير إليه هؤلاء، وأنه لا علاقة له بما يشيرون إليه من ربطهم له بموت الشاعر وسببها ورثاء نفسه فيه قبل موته، بل النص عشاقي محض، وكل المعاني المولدة من أساليبه موجودة سواء في الشعر العربي القديم، أو تم تداولها بين رجالات الملحون قبل الشيخ ابن سليمان وتم توظيفها من طرفه، بل إن منها ما هو عالمي كما هو الشأن بالنسبة لسهام الحب، والتي انطلقت من الأسطورة العالمية (سهم كيوبيد) المعروفة، وحتى لا نكون ممن يلقون القول على عواهنه، فإننا سنعود للنص، ونقاربه بطريقة موضوعية، معتمدين على المشيرات الدالة التي تضعه في خانته السليمة، وهكذا نجد القصيدة تنقسم منهجيا إلى ست حركات هي كالتالي:
الحركة الأولى: [تتضمنها حربة القصيدة أو لازمتها]، فالشاعر من خلال هذه (الحربة) توجه بالخطاب للذين جاؤوا لعيادته أثناء مرضه، وأخذوا يلومونه على الحال التي وصل إليها، وأن عليه الاهتمام أكثر بصحته مخافة أن يموت وينقضي أجله سدى، يعترض الشاعر على أقوال لوامه راجيا منهم أن يقصروا في لومهم، ويكفيهم أن يكونوا شهود عيان وهو يحتضر أمامهم، وعليهم أيضا أن يعرفوا أن السبب في موته شيء واحد وهو حبه الجارف لفتاة جميلة بخال فوق خدها المتوهج الجميل، والذي يشبه الوردة المتفتحة، وهو في هذا التعبير الأخير قد لجأ أولا للاستعارة، حيث شبه خد المحبوبة بالوردة المنقطة بنقاط سوداء تزيدها بهاء وجمالا، وحذف خد المعشوقة ببعد استعاري لتصبح الاستعانة [22] تصريحية، كما لجأ أيضا إلى الكناية[23]، حيث لم يذكر المحبوبة، بل كنى عنها بالوردة، وهي كناية الموصوف، مادام قد أطلق اللفظ وأراد من ورائه موصوفا، وهذا تطبيق بلاغي غاية في الروعة والبهاء.
الحركة الثانية: [ونحصرها في القسم الأول من القصيدة]، حيث جسد الشيخ ابن سليمان معاناته مع هذا الحب، وصورها بشكل مادي، حتى يدركها عاذلوه ويقلعوا عن لومه، فقد صور الآلام التي يكابدها جراء هذا الحب بضربات النبال التي تَصْدُرُ عن رام متمرس لا تخطئ سهامه، متوسلا هنا أيضا بالاستعارة، عندما شبه هُدُبَ (أشفار) عيون المحبوبة ب(السهام)، و(حواجبها) ب(القوس)، والرامي المتمرس هو المعشوقة ذاتُها، وحذف المشبه لتصبح الاستعارة تصريحية، وليت الأمر وقف عند رشق ذاته بسهم فقط، بل إن هذه السهام تكاثرت وتتابعت من كل جهة حتى أنهكت جسده المكلوم، وأصبح حاله كما قال الشاعر العباسي أبو الطيب المتنبي[24]:
رماني الدهــر بالأرزاء حتى ** فـؤادي فـي غـشاء مـن نبـال
فصــرت إذا أصابتـني سهــام ** تكسرت النصال على النصال
وهــان فــما أبالــي بالــرزايا ** لأني مــا انتـفـعــت بأن أبالي




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى