عمر حمداوي - قراءة مقتضبة في شعر: مصطفى غانم

مصطفى غانم

النص :


الحيه تنفث سمومها
في جسد العرب
ونحن نلعق ولا نستحي
من ديدان الجرب
فيا عرب ...
ياعرب !!!
القراءة :
********
الشاعر هنا في هذا النص التعيس والممتلئ حزنا وغيضا يصور لنا حالة جد خطيرة تمر منها الأمة العربية وهو يتألم كثيرا لهذا المصاب الجلل الذي باتت تتخبط فيه المجتمعات العربية برمتها مما أحدث في قلبه الشاعري نزيفا لا ينقطع وشرخا عميقا لن يندمل ما دامت الأوضاع الكارثية باقية وسائرة على هذا المنهج المعوج إذ أن كل الدلائل ترشح للمزيد من الكوارث وتبرهن على أن الظروف القاهرة ستظل مسيطرة ومتواصلة تلعب دورها في الهدم إلى النهاية التي خطط لها الأعداء من الداخل والخارج بكل قسوة و وحشية فسياسة شراسة الحروب الأهلية العبثية فرضت نفسها الآن كما نشاهد على أرض الواقع لما وجدت البيئة النفسية ملائمة ومناخها المتصاعد متناسب جدا مع الأفكار التي يمررها المناوؤون لغرض تفكيك الوحدة وعزل الأنظمة العربة عن بعضها البعض وإضعاف سيادتها وسلطتها ليسهل عليهم التصرف في مصائر الشعوب والتمكن من خنقها بيدها حتى لا تظهر خيوط وبصمة الجريمة في صورة وصوت الآخرين الذين يحرضون على إشعال الحرائق خفية ضد مصلحة جميع الخرائط التي تضمها الدول العربية والإسلامية عموما دون إستثناء أي بقعة من هذا العالم لأن مصلحتهم ترتكز على الفتنة و التفتية وعلى هذا الفكر المراوغ والملعون يبنون رؤيتهم ويشيدون مجدهم وظفرهم ثم بعد ذلك تراهم يتدخلون وكأنهم صالحون و رجال أطهار يقومون بوظيفة خيرة لإنقاذ أرواح الناس زاعمين أنهم يخاطرون بأنفسهم لهذا العمل الإنساني النبيل بينما الحقيقة ليست كذلك إنه الزيف والمكيدة ومحاولة الظهور بالوجه البريء والملائكي يقول الشاعر :
١ ـ الحية تنفث سمومها
٢ ـ في جسد العرب
ياله من تصوير وتوضيح عجيب لما يجري في زمننا هذا شيطنة الحكومات وتكفير كل المنتسبين إلى هذه المجتمعات التي فكرت يوما ما في فرض ذاتها الأصيلة التي تنتمي إلى العلم والإجتهاد والتنوير والتي لا تصلح حياتها إلا بشرط العلم والثقافة والمعرفة فبهذا تقوم نهضتها عبر كل العصور والأعداء من هذه الحقيقة خائفون ويرتجفون في أعماقهم لذا لم يجدوا من أسلحة الدمار سوى سياسة النفاق والدفع بكل مهاجم إلى المواجهة المحتدمة والتفرج على ما يحدث من إنهيار والتصفيق بالموافقة و بالصمت وبالجدال الذي يختص فيه إعلامهم إن المصداقية تشوهت وهم السبب الأول والأبرز في هذه الظاهرة التي يعاني منها العرب والمسلمون في جميع أنحاء العالم لقد فرض خصوم الوحدة والتطور على دول العالم الثالث البقاء في خلف الركب ومن لم يستمع إلى الأوامر وخرج على الإنضباط يتم إجباره بالقوة على الإنصياع بعد أن يدفع الثمن غاليا من ضياع للأمن وتدهور في الإقتصاد وخلق الصراعات والنزاعات بحيث أن الدول تفقد توازنها ولا يعود بإمكانها التحرك بحرية في هذا المجال الحيوي الذي يمنحها الإستقلالية التامة ويمنحها كل ما تطمح إليه في نضالها من كرامة ونجاحات إن المشاريع التي يريدها العربي تلقى القمع ويسلط عليها قانون الإعدام من الوجود لذلك التخبط في الفراغ سيظل هو العنوان العريض الذي يوضع فيه الفكر الساعي إلى النهوض بالأمة ٠
ولكن السؤال الذي يطرح هو هل من قدرة على تحقيق الذات في ظل هذه الأوضاع المانعة والقاهرة ؟ لن نذهب بعيد فهذا ما سيجيبنا عنه النص الشعري ليفهمنا العلاقة التي تربطه بصميم الموضوع وليلخص لنا أين تكمن المشكلة العويصة التي إستحال علينا علاجها ٠٠٠
يقول الشاعر :
٣ ـ ونحن نلعق ولا نستحي !
إي لو أننا فكرنا بعقولنا خدمة للمصالح العليا ونظمنا حياتنا على الإلتزام بالقوانين وإحترامها وتطبيقها حرفيا وعشنا على هذا المعتقد ولم نفرط في شيئ من قيمنا الراسخة ولا في مبادئنا الإنسانية وظللنا محافظين على الإتفاقيات التي تعاهدنا عليها لكان التوفيق والسداد من نصيبنا ولم ننخذل
ولم نسقط في إتباعية الغرب الذي يسخرنا لقضاء مآربه دون إهتمام بأمرنا إن الضياع الذي نعيشه ونتخبط في ويلاته اليوم كله جاء حصيلة إنغماسنا في اللهو الزائد عن الحد ونتيجة تبذير الوقت في ما لا يعود بالمنفعة إنشغلنا كثيرا بالجهل وبالكلام الفارغ الذي لا ينقطع وبسبب إهمال المسؤولية وعدم العناية بالشؤون الداخلية ونتيجت الخمول والتفريط لم نعد نقوى على فعل التحرر الذي كنا كلنا مطالبين به ٠
ويختتم الشاعر الكبير مصطفى غانم صرخته المدوية التي تعتبر تحذيرا وإنذارا وإيقاضا لما تبقى في قلوبنا من الشهامة والمروءة وهي كذلك صرخة ضمير واع شديد الحساسية إزاء ما يحدث من أعاصير مهولة كلفت الكثير من الخسارات التي لا تعوض إنها صرخة معذبة تبحث لها عن الخلاص :
٤ ـ من ديدان الجرب
٥ ـ فيا عرب ...
٦ ـ ياعرب !!!
على الشعوب العربية أن تعيد النظر في تصرفها وفي تفكيرها من جديد لعلها تبعث الأمل في النفوس التي تذمرت من كل شيئ حتى باتت محطمة وغير قادرة على النهوض بحجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عواتقها فليس هناك من مفر سوى مجابهة الأمر الواقع والتحاكم إلى قانون الحياة لتعود الأوضاع إلى عهدها في الإستقرار الذاتي المحمي بإستقلال الإرادة وتثبيتها في كل المعاملات الحرة بهذا وحده نقتنع ولا يصح إلا الصحيح فياأيها السادة السياسيون أرجوكم إنتبهوا إلى حركاتكم فالأقوال والأفعال هي التي تقود أي أمة إما إلى نجاتها وإما إلى هلاكها

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى