د. بهاء حسب الله - رؤية تحليلية لرواية (أنا خير منه) للروائي المستشار بهاء المري

رواية ( أنا خير منه ) للروائي المستشار بهاء المري هي واحدة من أهم الروايات التي خرجت حديثًا لمعالجة فكر الإرهاب المعاصر على كافة أشكاله وألوانه وتعقيداته ، وبلغة جديدة نستحق أن نسمها ونصفها بكونها لغة ( هادئة ) في معالجة درامية سلسة ومنطقية ومتدرجة على درجة من درجات الوعي والحكمة والرصانة ، رغم أنها تعالج قضايا محورية بالغة التعقيد والتداخل والتشابك ، وظني أن تحكم الإبداع في بناء لغة العمل ، وتخريجه في مثل هذه اللغة الهادئة والوصافة بالدرجة الأولى إنما جاء لهدف موضوعي ومقصود ألا وهو امتصاص الصدمات التي يزجي بها العمل طيلة فصوله ، خاصة أننا أمام عمل يجمع ثلاثة أطراف من أطراف البنية الموضوعية والفنية في الوقت نفسه ، فالطرف الأول .. طرف ظهرت فيه الرواية في نسيجها الأولي بـ ( صورة اجتماعية ) من خلال علاقات أسرة البطلة ( زينب ) وأخيها (حمزة ) وابوهما ( عمدة القرية ) إلى جانب الأبطال الثانويين ، ثم يأتي الطرف الثاني لتظهر فيه الرواية بصورة ( موسوعية ) تعالج من خلال موسوعيتها أخطر قضايا العصر منذ مطلع القرن العشرين ألا وهي قضايا الإرهاب والتطرف ، وجاء وعي الإبداع في هذا العمل ليربطها بمسارب أخرى مثل مسارب الثأر والانتقام والتربص والقتل بالنية ، ثم يأتي الطرف الثالث في هذه الرواية ليمثل الجانب ( الواقعي ) وهو ما يعكس أو يمثل جانبًا من جوانب السيرة عند المؤلف أو راوي العمل ، أو ينقل تجاربه الحقيقية التي مرت أمام عينيه في سياق عمله وانعكست بوعي على كتاباته ، وعلى طبيعة بنائه الأسلوبي الخاص به ، والذي مال فيه كثيرًا إلى لغة الوصف من الخارج مع قراءة الشخصية من الداخل بوعي واستنارة واستبطان وتدبر واستقراء ، وإدراك نفسي لطبيعة الشخوص ، وهذا الذي دفعه لأن يُغلب المنهجية السردية المستغرقة مع الدفع بمساحات السرد المفصل ، والقائم على افتنانه بطاقات الحكي المتولدة من نمو (المحرك الحدثي ) وتراكمات التراسل اللغوي النابعة من رصده الخارجي لحركة الأحداث وتناميها في قلب العمل ، وحركة الشخصيات ذاتها ، مع محاولته الدؤوبة لفك عقدته بطريقة جدلية منطقية واعية .
والعُقد طوال العمل هي عُقد ( الفكر العقيم والمغلق ) لدى جماعات التكفير والجماعات الوهابية والمتشددة ، والرائع في ذلك كله أن تأتي المعالجة ضمن بنيات الحوار ، باعتبار أن الحوار هو أول معالج سحري لفك نظريات العقم الفكري بتوظيف طاقات الجدل والمنطق والفكر بتركيز مقصود ومتجدد ونشط وواع ، إذن فنحن ببساطة أمام عمل نجح فيه الإبداع أن يميل فيه كثيرًا لما يمكننا أن نسميه بـ (ذوبان النوعية ) فيما أنتجه وأخرجه ، ونقصد به التداخل بين الروائية بصفتها الاجتماعية الواقعية ، وبين فن من فنون السيرة والتجارب والرؤية الحقيقية للأزمات الكبرى ومن أهمها أزمات الإرهاب وبطلان الفكر الضال ، ولذا نجد تقنيات الرواية تحرك الأحداث على درجة من درجات الوعي ، ومنها التركيز والتكثيف ، وحضور الشخصيات بكامل مواصفاتها الرئيسة والثانوية ، والدوران بوعي في فلكي الزمان والمكان ، واستحضار دور الراوي بعناية فائقة ، ومحاولته الركيزة في رصد الأحداث من الخارج مع إعطاء شخصياته حق الحديث عن نفسها ، تاركًا فكرة الحكم عليها للمتلقي ، والتزامه مذهب الحياد بذكاء شديد ، وفي خلق أدوار للشخصيات ، وفي توظيف الضمائر كصيغة سردية للحكي عن شخصياته مع ملاحظة سياقات التحول في بنية الشخصية نفسها بين ما كانت عليه ، وما أصبحت فيه ، وقراءة دواخلها وصراعاتها وأدوارها ، مثل شخصية البطلة ( زينب ) الهادئة العاقلة التي مثلت العقل الجمعي المصري إن صحَّ التقدير ، وشخصية أخيها (حمزة) التي جاءت في دور يماثل أدوار المتلقي ، الذي يحتاج دائمًا إلى جرعات التفسير والوعي والتمثيل للحقيقة لشاب في مقتبل العمر يعيش أجواء متناقضة في حركات الفكر ما بين الانفتاح الحقيقي على العالم ومجرياته وتطلعاته ، وبين الردة والانغلاق والعودة إلى الخلف والتقوقع في أزمنة المتحجرين من أصحاب الفكر المتشدد ، والحبس في سجن الوهابيين ، وشخصية ( مصعب ) صديقه الوهابي والمعقد والرجعي محدود الفكر ، والذي نجحت الجماعات المتطرفة في إقناعه بمنهجهم وتلقينه أفكارهم على درجة من درجات الإيمان والتقديس .
إذن فالشخصيات الرئيسة الثلاثة ( زينب وحمزة ومصعب ) هم وجوه العقدة ، وهم وجوه الحل في الوقت نفسه ، زينب أخت حمزة التي تحاول طيلة العمل فك عقده وأزماته عن طريق إقناعه بدلالية الحق وواقعية المنطق ، والرد على مزاعم المُنغلقين الذين قبل أن يحاربوا مجتمعهم حاربوا أنفسهم بجلهم وتشددهم الأعمى ، وسيرهم وراء أئمتهم أنصار الضلال والعنف ، والذين دفعوا الشباب إلى القتل والموت تحت راية الاستشهاد ، وهم أبعد ما يكونون عنها ، وفي تحويل شاب مثل ( مصعب ) خريج كلية العلوم إلى إرهابي ينتهي به المطاف إلى قتل صديق طفولته ( حمزة ) في مشهد صادم دامٍ تعلقت به القلوب وانفطرت حزنا ، وهي تجد الصديق يقتل صديقه في سيناء تحت راية من رايات الضلال والتغييب والظلم والحقد والانتقام من دم بريء لا ذنب له .
ومن أجمل تقنيات العمل في هذه الرواية تقنية ( الاسترجاع الحدثي ) أو ( الفلاش باك ) لتاريخ الإرهاب في مصر منذ مطلع القرن العشرين ، وإلى يومنا هذا والتدقيق في أدوارها ، وطرح رؤية كلية أو داخلية يتحرك المؤلف / الراوي من خلالها ، والاعتماد في ذلك كله على فنون ( المونولوج ) وعلى الحوارات المفتوحة أيضًا بين شخصيات العمل المحمورية ، وحتى الهامشية إلى جانب شخصية ( زينب ) البطلة المعتدلة المحركة لمعظم الأحداث ، وقد كشفت هذه الحوارات عن جرائم الجماعات الإرهابية وخططها وأفكارها واتجاهاتها وما يدور في وعيها ، وباعتماد الإبداع على تقنيات ( الاسترجاع الحدثي ، والمونولوج الذاتي ، والحوارات المفتوحة ) نجح في أن يدفع بشخصياته لأن تكون حاضرة أمامنا مباشرة دونما رتوش ، ودون تدخل في بعض الأحيان من قبل الراوي ، كما نجحت تقنية الحوار في التحام المتلقي بالخطاب الروائي ، كطرف فعال يشارك في إنتاج المعنى ، ولا يكتفي بموقع المستقبل السلبي .
ومن تقنياته الروائية في صناعة هذا العمل تقنيته في صناعة العنوان ( أنا أفضل منه ) ، وهو العنوان المختار من قول إبليس المتكرر في القرآن في سياق حسم الصراع بينه وبين آدم ، ولو نظرنا إلى بنية العنوان سنجد أننا بالفعل بصدد لغة تقابلية بين ( أنا / منه ) تكشف عن البعد النفسي بين طرفي الصراع في الرواية (مصعب / حمزة) ، فنحن أمام الأنا الصارخة ( أنا ) بلغتها الخبرية اليقينية هنا من زاوية المتكلم ، و ( منه ) وهي تمثل الطرف المقابل أو المناقض للطرف الأول وإحكام تلك التناقضية بالخيرية ( خير ) منه ، وهو لفظ تفضيلي بحت أتى في سياق العنوان على غير حقيقته ، كما جاء في القرآن على المنهجية نفسها ، فالشيطان بطبيعة الحال ليس بخير من آدم ، وكذلك في العمل فليس ( مصعب ) القاتل المتطرف بخير من ( حمزة ) المعتدل الذي يمثل الوجه الحقيقي لكل المصريين ، والذي استشهد دفاعًا عن وطنه في سيناء ، إذن فالعنوان بصيغته التقابلية أضفى دلالة مزدوجة على العمل ذاته وعلى بنياته الموضوعية والفنية ، ورغم أنه اعتمد على لعبة الضمائر ( أنا / منه ) وهي ترمز دائمًا إلى الفراغ الدلالي باعتبارها ضمائر سواء كانت للحضور أو للغيبة ، إلا إن توظيف الآية القرآنية في العنوان دفع هذه الضمائر إلى سياق الامتلاء الموضوعي والاكتمال الرمزي ، وجعل العنوان وهو عتبة النص يشي بدلالات الحدث وتراتيبه وتكاثف المواقف والشخصيات والتفاصيل وإحكام العقدة والوصول إلىا الانفراجة .
كذلك مثلت الرواية البُعد الملحمي أو الموسوعي من خلال معالجة قضايا الإرهاب والتطرف من زاوية شديدة العقلانية ، واضحة المعالم عبر الوقوف على أسبابها ووضع الحلول لها من أكثر من خط منها الخط التأصيلي ، والخط الثقافي الداعم له مثل معالجة الإبداع لأفكار المتشددين ومنها قضايا زيارة أولياء الله الصالحين والرموز الدينية في مصر أو فكرة هدم التراث الإثري ، وتراث الفراعنة والرومان واليونان ، وجاءت قراءة الحدث التاريخي عبر الرواية بمستويات مختلفة ، منها ما جاء على السياق المباشر ، ومنها ما جاء على السياق غير المباشر مما أثرى أفق المتلقي ، وأكسبه خبرتين خبرة معرفية وخبرة جمالية ، والخبرة الجمالية في العمل نابعة من إدراك المؤلف للخيط الرفيع الذي يفصل بين الخط الملحمي والرواية ، ففي الوقت الذي وظف فيه التاريخ لمعالجة عقدة الإرهاب ، وهي عقدة العمل الرئيسة ، لم تفته أن يعالج قضيته وعقدته عبر إجراءات الشكل الروائي ، وصناعة القوام السردي وبنياته التراكمية .
ومن هذه الإجراءات اعتناء المؤلف / الراوي بالفضاءين الزماني والمكاني باعتبارهما محوري التشكيل والبناء الدرامي في الرواية ، وصورة الزمن في ( أنا خير منه ) ليست صورة ثابتة ، فقد أصبغ عليها بهاء المري صبغته الدرامية بداية من زمن التكوين للأبطال في فصول الرواية الأولى ، حيث كانت نشأتهم في أسيوط ، ومن ثم الارتحال منها إلى الإسكندرية في سنين التكوين والدراسة ، ومن ثم إلى سيناء والتي لقى فيها البطل ( حمزة ) حتفه برصاص صديق عمره ( مصعب ) في دراماتيكية صادمة ، وكأن الإبداع في حركة الزمن أراده أن يتحرك من مؤثر خارجي ، يُحرك من خلالها الأحداث عن بُعد ، ويوثر في مجراها وشخصياتها وتشابكها ، والجميل في حركة الزمن في ( أنا خير منه ) أنك لا تشعر فيه بفكرة القفزة الملحمية المعروفة في الأدب الملحمي ، ولكنك تشعر بأن الحركة الزمنية في الرواية كانت رهينة أمكانيات عدة أهمها امكانية إشعارك بأن الأحداث من الإمكان أن تنفتح على المستقبل في أي لحظة .
والأمر ذاته في لعبة ( المكان ) الذي جاء متوحدًا مع عنصر الزمن ومتداخلا معه ، وتشعر معه أن الإبداع قَصَدَ عن وعي أن يكون موضوع الرواية متشعبا مكانيًا ، فالرجل نقلنا من أسيوط إلى الإسكندرية إلى سيناء ، ونجح في ذلك كله أن يجعل مجموع الأمكنة في الرواية خادمة لصيرورة الحكي وميسرة له من زاوية ، ولخلق فكرة الجدل والحوار والرد على مزاعم المُنغلقين والمتشددين ، فكان المكان محورًا جدليًا من محاور الأحداث ، كذلك جاء توظيف الأماكن على كثرتها بتتابع مثير خلق روح التشويق والإثارة مما أكسب الرواية جوهرها الذي تبحث عنه ، وخرج بها إلى محط الأمان والتوفيق .





1637233746710.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى