د. سامي عبد العال - الفلسفةُ كـ" فْن" لفِلاحةِ العقل




" مع كل عصور التاريخ المختلقة، لم تخلُّو الفلسفةُ من إهتمامٍ بكيفية فلاحة العُقول وغرس بذور الإنسانية والتهيؤ للمستقبل "

" الفكر المُتأمّل يتطلّب مجهوداً وتمريناً طويلاً، كما يتطلّب عناية دقيقةً أكثر من أيّة مهنةٍ رسميّةٍ. إنّه كما يفعل الفلاّح، يتطلّب أنْ يتعلّم انتظار الحَبّة حتّى تنمو والسنبُلة حتّى تنضُج " ... مارتن هيدجر


هناك تماثل مُدهش بين الأرض earth ( أو التراب- التربة ( soilوالعقل reason ( أو الفكر thought) يبلغ درجة التأويل المُتبادل بينهما. أي يمكن لدلالة الأرض أن تتيح تأويلاً طريفاً لدلالة الفكر والعكس صحيح أيضاً. والتماثل ذاته يبدو واضحاً مع تكوين الأفكار وتطورها حين يُشابه عملية إنبات الأشجار والنباتات. وكما أن النباتات تُخرج ثماراً وتترك بذوراً قيد الرياح، فكذلك تخرج الأفكار مفاهيم ونظريات تاركةً جذوراً قيد التاريخ. ومثلما تلتف الأشجار وتشكل مجموعات شجرية وبساتين، فإن الأفكار تتكون مع بعضها البعض في أفق الفكر والثقافة كالغابات الكثيفة.

الأرضُ ليست صُخوراً ولا رمالاً على امتداد البصر، لكنها ممكنات تفيض بوافر العيش ورغد الحياة. وفي الوعي الشعبي، تقابل الأرض دلالة الخير والهوية والعزة ـ فالتراب من ذهب كما يُقال، هي مصدر الغذاء والمستقبل الزاهر وتمكين الناس من الحياة. الأرض دائماً مساحة تكتنز ببذار الزمن والتوقعات: الحركة، الحَفْر، الفعل، السير، الهجرة، الارتحال، الاختلاف، حتى دلالة الشتات، التيه في سرديات الأديان والشعوب السامية.

كذلك تعدُّ الأرض( فضاء البرية) كموطن للروح والقيم ومسارب النفس ومهوى الخيال، ومهبط لإلتقاء التراب بالسماء. والعلاقة بين الأرض والأداة علاقة عضوية، لأنه طالما كانت ثمة ممكنات، فعلينا ابتكار طُرق الفِلاحة. وهي كفنون نوع من ممارسة (العقلانية الترابية) التي تحقق ما يصبو إليه الإنسان، وكيف يستخرج من الأرض نباتات واشجاراً. ومن ثمَّ فإن معاني الأرض تستوعب (صفات الفكر ) كمادة ممكن تشكيلها واستنباط زاخر الأفكار منها. حين نقول ( فكراً أرضياً )، فالمقصود أنه فكر راسخ داخل الأرض نابتاً منها وقوياً بين فجاجها المترامية. وعندما نردد أن الثقافة أرضاً خصبة وبكراً للتفكير وبناء المفاهيم الجديدة، فهذه العملية ترمي بدلالتها على غرار لغة الأرض.

إنَّ الفكر يأخذ معالمَ الأرض كحقلٍّ مضمخٍ بالوجوه غير المنظورة والقابلة للتكوين. فليس العقلُ ملكةً ولا حاسةً خفيةً، لكنه طاقة للتفكير الخلاَّق، طاقة تحرُرٍ وتساؤل وتجاوُز وتمرُد وثورة واختلاف. وأيضاً يرسم العقل آفاق التخييل والترحال والتنوع والنقد وإعادة البناء. هاهنا ليست توجد إلاَّ الممكنات على الجانبين( الأرض والعقل)، بحيث نستطيع انضاجها وجعلها جزءاً من لُّحمة تصوراتنا الحياتية الفلسفية. دوماً تلك الإستعارات المتبادلة لحد الاحلال والتبديل بينهما substitution محتملة الحدوث، لا لعقد التوازي بين الطرفين بعلاقة مجانيةٍ، إنما لكشف رابطةٍ جد فريدة، ولها معانٍ لطيفة بينهما.

ليس التماثل المُشار إليه بين ( الأرض والعقل) تماثلاً بنيوياً، لأنَّ ( التراب – الفكر) عنصران مختلفان، لكنه في الحقيقة تماثل الابداع والانتاج والفنون والتوسُّل بالوسائل المتاحة لتهيئة الانسانية لحياة أفضل. وربما لم يَمُر عصرٌ من العصور التاريخية دون عقلٍّ يفكر، ودون عقل يتفلسف، ودون عقل ينير لسواه، وكذلك دون أرض تنتج وتثري الحياة. وإذا غابت أشياءٌ معينة في حيوات الإنسان، فهناك شيءٌ لا يغيب: كيف سيفلح الإنسان(عقلاً)، وبأية وسيلة سيفلحُ ( أرضاً )؟! والسؤال يضمرُ كيف يكون الاثنان صالحين لما ينتظر الإنسان من احتمالات مستقبلية؟!

فلاحة الأرض -الفكر
في آفاق الفكر لا يقف الإنسان ساكناً، لأنَّ العقل لا يدّعه صامتاً دون كدِ الذهن والتأمل والنظر والتحقُق. ويمكن القول إنَّ مهمة العقل هي فلاحة أرض الفكر، أي الوصول إلى سيرورة التفكر والنظر. ولعلَّ العقل عندئد أشبه ما يكون بأداةٍ تسبر غورَ المشكلات وتقترح الحلول. فالفكر تاريخياً ينطوي على حُفر ومنزلقات وتلال ومناطق رَخوّة من المفارقات ويتضمن كذلك القضايا الشائكة والشواش النظري للتصورات والأخيلة. وتحتاج أرض الفكر إلى حراثة وإعادة تهيئتة وانكشاف للشمس والهواء الطلق والتعرض لدورات الليل والنهار وتباشير الصباح وغسق المساء، حتى تتشبع بأجواء ملائمةٍ لزراعة الأفكار الجديدة.

التفلُّح في مجال العقل هو نوع من الحرث والتقشير والتسليخ والتدقيق والتمهيد والاعداد فيما يرتبط بالعقل من موروثاتٍ تكتم أنفاسه الحيوية والخيالية. مثل العادات والتقاليد والذهنيات الأصولية والأيديولوجيات التي يتم إلباسها للعقل سلفاً، هو يخضع لها حتى قبل أنْ يُسمِّي نفسه بالعقلِ. كلُّ ثقافةٍ لا تخلو من ألبسة مطرّزةٍ( فضفاضة أو ضيقة) بألوان السلطة المهيمنة على منافذ التفكير الحر في عقولنا. أي كثيراً ما جاءت أرض الفكر إلينا ضمن نماذج سابقة التجهيز والانجاز، ولم تدع له فرصة التحرر مما نعرف عن مسيرته. وربما لا ندرك( مباشرةً ) خطورةَ وضعِ العقل في خانةٍ معروفةٍ من قبل إلاَّ حين نفكر بشكلٍّ عمومي.

ولم تُشر الفلسفةُ كثيراً إلى ( معنى الأرض ) إلاَّ بقدر ما يقف عليها الإنسانُ. هذا الإنسان كحيوان عاقل ومفكر، والفلسفة في ذلك كانت ترجمة حرفية لفكرة مركزية الإنسان التي ركزت عليها الإديان التوحيدية لاحقاً باعتباره مخلوقاً. رأى اليونانيون في الارض أحد العناصر الرئيسة في الكون كمادة طبيعية تنتمي إلى الفيزيس physis. فهناك النار والتراب والهواء والماء، وهي عناصر أربعة ترجع في النهاية إلى الأرض، رغم اختلاف الطبائع التي تكونها. وكأنَّ التراب هو المادة الأولى للأشياء، حتى من واقع كونها عناصر موجودةً فيه بـ(الفعل والقوة). وتحدَّث اليونانيون كذلك عن العقل بوصفه طاقة كونيةً يعيش الإنسان وفقاً له، إنه اللوغوس الكوني الذي يتسع ويشمل الكلَّ: الظاهر والباطن، وأنَّ ما يوجد داخلنا منه هو قبسٌ يستوجب علينا الإنتظام والعمل وفقاً لما يوجد خارجنا. فأنْ يتعقل الإنسان معناه أنْ يعيش وفقاً للكُّل، أي يعيش في حالة تناغم لا تنافر مع العالم والحياة، في حالة انسجام لا تعارض، في حالة وسعٍ لا ضيق.

على المستوى السياسي، كانت فلسفة اليونان تُمجدُ القوةَ ترسيخاً لوجود الإنسان على الأرض. يقول الإسكندر الأكبر بلغة فلسفية- حربية: " لا السماء تطيق شمسين، ولا الأرض تطيق سيدّين"، فالقوة هي التفرد في الأرض، الهيمنة على الأرض. وكذا انطلقت رحلة القائد اليوناني تجاه الشرق، وهي رحلة تحاول اثبات المقولة وتعود بالأرض إلى قبضة الإنسان. ومع ذلك لم تُدِنْ له الأرضُ التي وطأتها جحافل جيوشه بكامل عتادها، بل أفنى حياته في عملية اكتشافها من جنوب البحر المتوسط إلى أواسط آسيا. فالأرضُ التي شهدت عملية الغزو سيعود إلي باطنها مَنْ لا يحتمل التنوع ولا الإختلاف فوقها. قيل إنِّ الإسكندر مات بفيروس غامضٍ في قصر ( نبوخذ نَّصّر في بابل)، وقيل كانت هناك محاولة لنقل الجثمان إلى مقدونيا، ولكن خلال الطريق حُولت وجهة الجثمان ليُدفن كما قيل أيضاً في أرض الاسكندرية بمصر. وبدلاً من إثبات كون الإسكندر سيداً واحداً( على حد قوله) في الأرض، أثبتت ( دلالةُ الأرض) أنَّه لا سيد واحد عليها إلاَّ وتبتلعه بداخلها.

في الثقافة العربية، كان الترابُ هو إمكانية البشر والمادة الأولى لهم. لقد خلق الله الإنسان من طين كما ورد في القرآن، ثمَّ مرَّ بالمراحل المختلفة حتى وصل إلى جنين وسواه الله كائناً عاقلاً( رجلاً وأنثى). وكأنَّ ( ذرات التراب) تحمل إمكانيات شبه كاملة في هيئة إنسان. وعلى التراب توجد هناك بصماتُ إلهية هي بصمات خلق الحياة والكون، وكذلك اتضح وجود الحيوات والثقافات المختلفة التي كانت هي تحولات الأرض. فلم تكن الأرض ذلك الكوكب الكُروي الذي ينضغط على مساحة محدودةٍ من وعينا الإنساني، لكنها كانت كرة فضائية مخلوقة ومعلقة تحت رحمة الرحمن. رأت الأديان التوحيدية أنه: لولا عناية الله ما كانت تلك الكرة لتسبح في هذا الكون الفسيح درجةً واحدةً.

بينما أراد أبو العلاء المعري طرح معنى الأرض في حمولة بشريةٍ من أجساد الناس: "خفف الوطء ما أظنُ أديمَ الأرض ... إلاَّ من هذه الأجساد". والعبارة تتعامل مع الأرض باعبارها نحن، هي جسمنا القديم والمستقبلي، لأننا جميعا صائرون إليها. لأنَّ اجسادنا تنبت منها ويشكل ترابها موضوعاً لكياننا. ونحن نظل أحد احتمالات التراب كما أن وجودنا هو أحد احتمالات العقل. وقول أحمد شوقي" الناس صنفان موتى في حياتهم ... وآخرون بباطن الأرض أحياء" يجسد التعلق بفكرة الإنسان الحي، حتى وهو بباطن الأرض، نظراً لاشتغاله على طاقة العقل داخله. وبالتالي يستحق الخلود من كان عقله راجحاً وقادراً على التفكير. والمعنى العميق أن الأرض تكتب سيرة الإنسان لأنها تحتفظ بالرفات لكنها بالوقت نفسه تطلق الذكرى الثانية والباقية مع مرور الزمن.

إنَّ الفلسفة نشاط وفن فلاحة العقل على الأصالة، وبخاصة ابتكار فنون تكافئ الجوانب المتوارية من عقولنا الموضوعية و الذاتية. والتفلسف يكاد يختص بهذا الشكل من الفلاحة الذهنية والروحية إلى درجة كبيرة. لأنَّ تاريخ المجتمعات والثقافات يتكون على هيئة آفاق عقلية لها عناصر وصور معرفية وإجتماعية وسياسية واخلاقية. و" الفلاحة الفلسفية " philosophical farming هي رعاية وصياغة وتكوين وتحريك الأفكار، كي تنتج دلالتها في السياق المزروعة فيه. إنَّ أفكار الفلسفة تتولد نتيجة الاهتمام بتربة الأفكار وسقايتها من الثقافة أن اللغة أو الخيال. فأفكار ماركس على سبيل المثال: هي ( فلاحة مادية) تعتني ببيئة الفكر، وكيف تحكم انتاج معانيها، وكيف تُتداول مع حركة المجتمعات، وكيف تنتج قدراتها ومعطياتها العقلية في الواقع.

الفلسفة نوع نادر من ( التأمل الفلاحي agricultural meditation) فيما ينبت لدينا من أفكار ومشاعر وخواطر وحِكّم ومفارقات. إنها تأمل يتشبث بالأسئلة تلو الأسئلة إزاء الظواهر والموضوعات، كي يضعها العقل في دائرة الفكر لتفعل فعلها راهنا وتالياً. وعادة ما يكون الفيلسوف على موعدٍ مع تقليب التربة داخل قاع العقل من أفكار مسبقة ودجمائيات وانحيازات مدركاً تكوينها وماذا صارت إلى ما صارت إليه، وما الذي أعطاها كلَّ التبرير، لكي تترسب على هذا ( العُمق البعيد). وتخرج تلك الفلاحة إلى كلِّ فاعلية ممكنة، من الفرد حتى الجماعة والمجتمع .. فالثقافة والإنسانية. إذ لا يوجد حدود أمامها، لأن الحقول الفكرية واسعة، كما أن الفلسفة تمتلك أدوات جد نافذة لممارسة مهامها الزراعية الدؤوبة.

الحرث-التهيئة
ما ينطبق من تهيئةٍ بصدد الأرض والبذور والنباتات، ينطبق كذلك على عقل الإنسان والأفكار معاً. فالفكر يشكُّل أرضاً تستحق الحرث والتشقيق والتخطيط. والحراثة (عملية تساؤلية ) شاقة تضعُ كلَّ ما هو موضوع للفكر تحت الاستفهام. ولئن كان نيتشه إزاء الفلسفة وتاريخ الفكر الغربي، قد تفلسَّف بمطرقة philosophizing with a hammer داعياً إلى تحطيم كافة الأصنام، فإن الفلسفة - من حيث كونها فلاحة العقل- تتفلسف بمحراثٍ philosophizing with a plow. والتفلسف لن يكون تأملياً صرفاً يصف موضوعاته تعلُّقاً بمثالٍ، ولا يحلق بعيداً عن الأشياء. لكنه يمخر ويشق عباب وتراكم التربة المليئة بالحصى والحُفر والجذور وبقايا السيقان الشجرية من عصور سالفة وراهنةٍ، التربة التي تنبت الأفكار طالما هُيئت الظروف الملائمة لها.

وبإمكاننا أنْ نستخرج من التفلسف بمحراث عدةَ معانٍ مبتكرةٍ.
  • لن يكون التفلسف فكرةً مكتملةً ولا نظرية تامة الانجاز، لأنّه منهجياً نوع السيرورة العقلية. وهذه السيرورة ضرورية من حيث كون الفلاحة تحمل الخصائص نفسها للتفكير واستثمار القدرات العقلية والإبداعية للإنسان.
  • دوماً هناك ما هو كامن في تربة العقل والثقافة والفكر، وليست تلك الأشياء أحادية التكوين، لأنَّها تراكم خبرات وقضايا وأفكار ومفاهيم قابلة للقراءة مرات ومرات.
  • الحراثة صيغ من التقليب المتواصل لتربة الاكتشاف والتطور العقلي، لأنَّها تساعد على تحرير العقل من القيود. فالعقل نفسه دون ممارسة الحراثة عليه وعلى تراثه، سيظل كالقطب الصدئ الذي يُغطَّى بمعطيات تكبله وتحجمه. وبخاصة في المجتمعات الأقل تطوراً حيث تهال الأتربة على مساحة العقلانية ودائما ما توضع تحت الوصاية.
  • إذا كان ممكناً زراعة شيءٍ في أرض العقل والفكر، فالفلاحة الفلسفية هي الطريق الأبرز للتهيئة والبذر وانتقاء الشتلات والفسائل وتنقية الأجواء.
  • التفلسف طرق ووسائل للرعاية والإهتمام والعناية بالعالم والحياة، بل الأولى بهذه الأنشطة أنْ تعتني بالإنسان الذي لا يهتم به أحدٌ. فكل فلاحة فلسفية تهتم بالانسان في المقام الأول.
  • الفلاحة الفلسفية هي انتظار لما سيحدث مع كامل الانتباه والنظر فيما هو (حادث) وقابل للمعرفة والتهيئة. الفلاحة هي اليقظة الوجودية، نظراً لكونها تخرج كائنات من العدم وتنميها في شكل وجودي ملموس.
  • التفلسف مران شبه لحظي قائم على تجريب البدائل والاحتمالات واستنباط بدائل جديدة تتماشى مع الزمن والحياة. لأنَّ فلاحة العقل ليست نمطيةً بحالٍّ، لكنها تستقبل نتائجها المختلفة والمؤثرة على الدوام.
  • الفلاحة الفلسفية قائمةٌ على الابتكار والتهجين والتخليط والوصول إلى فسائل واعدة تغني الآفاق وتسد الحاجة الملحة إلى طرائق تفكير مختلفة.
  • التأمل فلاحياً هو الاستعداد المسئول لكل احتمالات المستقبل، والكد العقلي مع الانتظار الذي يشكل الأفكار ويعطيها زخمها الفعلي. مثلما يقوم المزارعون بالاعتناء بالنباتات واعتبارها أبرز مظاهر الحياة المحيطة بهم.
  • الفلاحة الفلسفية لون من العيش في ( الحقيقة النامية) لا الجامدة، لأنَّ زراعة الأفكار بذوراً وجذوراً وسيقاناً وأغصاناً وثماراً لهُو أمر معيشٌ بالدرجة الأولى. ونحن نعيش في حيوات الأفكار ونقلبها بهذه الطريقة طوال الوقت.
  • التقاطع بين ( الزراعةagri-culture ) و( الثقافة culture) بالغ الأهمية، وبخاصة أن الأخيرة ( culture) هي المقطع الذي تركب منه كلمة الزراعة، إذ يحيل المعنى دوماً إلى عمل الزراعة في جوف الثقافة. وهذه غاية التفلسف: أن يخلق ويهيئ ثقافةً مواتية لإنسانية الإنسان.
كل تلك النقاط دالة على أن الأرض تهتم بالمستقبل في القام الأول، رغم أنها تعمل على التربة المتاحة. وكذلك الزراعة لا تهتم بالماضي حصرياً إلاَّ بقدر ما يكون مؤثراً فيما هو آت، أو على الأرجح تعتني كل زراعة بإنبات ما هو مستقبلي مستمداً مما هو ماض. يقول أنطون دي سانت إكزوبيري: " نحن لا نرثَ الأرضَ من أسلافنا، بل نقترضها من أطفالِّنا ". لأننا نحن الذين نمثل ماضيهم، وأنَّ ما نفعله من أجلهم سيذهب إلى الغد لا إلى الأمس. إذن نحن في هذه اللحظة نقف على أرضهم لا أرضنا ولا أرض الأجداد، نقف ونصفنا الفاعل في الغد لا اليوم ولا في الأمس.

إنَّ عقول الاجيال القادمة مسئولية الفلاحة الفلسفية على نحو مباشرٍ، هذه العقول التي ستعيش في زمان غير زماننا وستواكب أحداثاً غير أحداثنا. وليس مقبولاً التعامل معها بمنطق الأرض الموات ولا القمع السابق لأوانه، وكذلك لا يصح التعامل معها على أنهم (حطب الأمس). إنَّ هذه الأجيال طاقات وافرة وممتدة إلى المستقبل، وكل تهيئة ستمثل وسيلةً جديرة بالاعتبار لما سيأتي ولا نعلم عنه شيئاً الآن. ولذلك ستهتم الفلاحة الفلسفية بشروط حياتهم الحرة والمفتوحة تبعاً لأوضاع الزمن الآتي.

ولذلك تعدُّ الفلسفة ( رياضة عقلية ) خطيرة للاهتمام اليومي بالأجيال القادمة، وليست هناك فلسفةٌ تنكفئ تلقائياً على الماضي أو الحاضر إلاَّ تحت ضغط الظروف الثقافية والأيديولوجيات المغلقة. وتعد في حالها انعطافة خطيرة يجب تصحيح مسارها. لأن الفلسفة بطبيعتها تحمل قلقاً على ما ستزرع في الغد، وما ستشير إليه بدءاً من الحقيقة وانتهاءً بالإنسان. وكل فلسفة لا تهتم بهذا الجانب القادم إنما قد اختارت النسيان بديلاً عن استمراريةِ الحياة.

البَذْر - الرعاية
لا تُجدي عملية البذر( الفكر – الزراعة) دون رعاية مثابرة ودؤوبةٍ. والفلسفة تبذر قيم التنوع واختلاف الحقائق وثراء الحوار والتساؤل بوضوح مثلما تبذر (عملية الزراعة ) كافةَ البذور بقدر ما تهيئ التربة لذلك. وتشترك ( الفلسفة والزراعة ) في ممارسة الصبر الطويل والدأب على ما تفعل، حتى تبدو البذور كما ينبغي أن تكون. المهم أنَّ هناك استزراعاً لإمكانيةٍ موضوعة تحت التراب أو في جوانب الفكر لتعطينا فرصاً أكبر للحياة والمعرفة.

وتبدأ العملية( مع الأفكار- البذُور) باختيار أفضلها وأجودها وأكثرها قدرة على النمو، كي تقوى فيما بعد على سوقها. فليس منطقياً أنْ يختار الفيلسوف فكرة هشةً أو ضعيفة كي تنتج ما يريد من مفاهيم وتصورات ورؤى. إن أفكاراً فلسفية من شأنها احتمال ذلك الوضع إنما تضمر إمكانيات عميقة، بحيث تستطيع انتاج محصول قوي قريب أو بعيد. ولعلَّ ( البذرة والفكرة ) تتماثلان في (القوة المفهومية والقوة الحيوية) من زاوية النماء والإثمار. إن قوة التصور والتخيل للفيلسوف جزءٌ لا يتجزأ من فلاحةِ العقل، لأنه يعمل على مستويات أعمق من التربة الثقافية.

والفيلسوف من تلك الجهة ( كائن بَذَّار) لما يحرك الوعي اليقظ ولما يؤسِّس لثورة فكرية بالغة المدى، فالفلسفة ليست دروساً ولا تعاليم ولا مواعظ ولا حتى حِكماً ولا مراسم وطقوس خطابية، لأن هذه الأشياء تتأقلم مع أي (تغير حاصل)، ولن يتمكن الفيلسوف من فهم الثقافة وحرثها دون أن يحطم (القوالب الخطابية) التي تسكنها عباراته إحياناً. إنَّ (الكائن البذَّار) يصنع الحياة كما ينبغي أن تكون أو لا تكون بالمثل. فليس عليه إدراك النتائج عادةً في الآجل المنظور، لكنه يجب أن يدرك مهام الرعاية العقلانية للأفكار حتى تُرشق بالتربة وتخضع لقانون النمو التطور.

في الزراعة لا يكون الفلاح غير إنسان يمتلك من الرعاية والإهتمام ما لا يمتلك سواه، وقد يتحول إلى مراقبٍ ومتساءل ومنتظر دائم على أعتاب حقله الممتد. وهو بذلك يعتني بما زرع اعتناءً التربية والمتابعة وفهم الأحوال والظروف البيئية واتخاذ التدابير اللازمة وبذل الأمل إلى مالانهايةٍ. الفيلسوف فلاح العقل على الأصالة بهذا المعنى ساهراً على تقوية أواصر التعقل والتأمل الحر، باذلاً كل ما يملك لأجل تمتين التفكير الخلاق محتملاً لكل المخاطر التي تناوئ العقل في الثقافة والحياة. لأن الآفات والأوبئة من أصوليات وتخلف وإرهاب وتغييب الوعي ونزعات إقصائية وتدمير الحقائق والتفكير( تلك التي تهدد ما يزرع الفيلسوف) ربما هي أشد شراسة مما يواجه المزارع عندما يدرأ حشرات الحقول وآفات المحاصيل بالمبيدات الكيميائية.

والفيلسوف في هذا صاحب مهام صعبة، لأنه قد لا يرى ثمار ما يزرع رؤي العين. فالفارق بين حقول الأرض وحقول الفكر أنَّ الأخيرة تفعل فعلها على مستويات عميقة من الوعي واللاوعي الجمعي، إنها تظل بذوراً دفينة في متون وحواشي الثقافة لسنوات طويلةٍ. إن الفلسفة من واقع نظرتها الكلية تضع فكراً مختلفاً خبيئاً في جوانب الممارسات والأفعال. والهدف أن تغير طرائق التفكير التي قد تكون مغلقةً وغير قادرةٍ على مسايرة العصر. وأن تحاول طرد الأوهام عن الواقع لأجل حياة مفتوحة على المستقبل.

إن حصاد الأفكار فلسفياً مُر مرار العلقم على وجه التقريب، لأنها أفكار تُقابل في المجتمعات بمزيد من التصدي والرفض، فكيف ستغير ثقافة طال تداولها لسنوات كثيرة؟ ولذلك يتقوى الفيلسوف بمزيد من الاصرار والتجريب والعمل والانتظار المترقب مهيئاً التاريخ لقابلية الإنفتاح المغاير. جميع الفلسفات قد وجدت صدوداً ثقافياً بطريقة أو أخرى، لكنها تركت أثراً لا يُنكر من المنظور الكلي للتاريخ. لأن جميع الأنشطة الأخرى( غير الفلسفية) قد لا ترى هذه الرؤية الكلية، غير أنها بطبيعة الحال تنهمك فيما تقع لديها من ممكنات. الفلسفة وحدها هي ما تتجاوز ذلك السقوط، لكونها تشتغل على فلاحة نادرة الرسوخ والقبول، هي (فلاحة العقل) وتأثيراتها البعيدة. مع أن جوانب التطور في كافة المجالات لا تخلو من بذورها وجذورها، لكنها تفتقد إلى الرعاية التي هي من جنس الكل. ولذلك فإن المجتمعات لم تعتد على فتح تلك الرؤية الفلسفية الكلية، خوفاً من مكاسب آنية، تتمسك بها السلطة النافذة أو تحققها بالفعل.

إنَّ الفلاحة الفلسفية ترعى الحقائق باحثة عنها في كل مكان ومساءلتها واستزراع فسائل جديدة منها، وهي في طريقها إلى ذلك تكشف طبيعة الحقيقة، وتقوى بذورها النادرة كما يقول الأديب الفرنسي إميل زولا: " إنْ أُخرست الحقيقة و تم دفنها تحت الأرض .. فسوف تنبت وتنمو". الفيلسوف يتعامل معها على هذا الصعيد متسائلاً: لماذا يتم اخراس الحقائق ولماذا تدفن باستمرار؟ وبالتالي هل تظهر ثانية في أشكال أخرى سلباً وايجاباً. إنَّ الانبات والنمو المقصودين مغايران في كل مرة تخرج فيها الحقائقُ من الأجداث. لأنها دفت معها بذور المعرفة وجذور الفكر، وكان عليها عندما تنبت: أنْ تلخص ماذا حدث بالضبط؟ أن تطفو الملابسات على سطح الأحداث حاملة العجيب والمدهش. وهو ما سيغير نظرةَ الإنسانِ إلى الحياة والواقع.

وبخاصة أنَّ الحقائق في المجتمعات العربية تموتُ قبل أنْ تُولد، ولئن ولدت سرعان من تتم التغطية عليها حتى من نفسها( أي تحذف من دائرة الحقائق). فهناك من الأفعال والظواهر الاجتماعية والسياسية ما لا تعتبر حقائق ويُنظر إليها باعتبارها مجرد أشياء عابرة. ولم تجد منْ يسهر عليها ويضعها في سياق تحولات مفصلية في التاريخ وداخل نمط اللاوعي السائد. لعل هناك حقائق صغيرة واردة، لكنها تمثل إشارات لأشياء أكبر في الطريق. وأغلب أنظمة السياسة مليئة بهذه الإشارات نظراً لاضمحلال الحياة عند درجة الصفر وضياع فكرة الإنسان.

إنَّ منطق حَجْب الحقائق يتعارض مع الفلاحة الفلسفية، لأنَّ فيلسوفاً (بمنظوره الكلي) يجس نبض الحياة والزمن إزاء الأشياء الصغيرة وماذا ستترك من آثارٍ. إنه يقرأ ما هو كلي وراءها وما إذا كان قابلاً للاستمرار من عدمه، وأين ستذهب تلك الأشياء بالضبط في الغد؟ وبالتالي يأخذ الفيلسوف في الانشغال بعمليتي تحديد الجذور والرعاية لما يراه، ويتأكد من مساره الفكري المحتمل. وبخاصة أنَّ الثقافة كوسيط تعطي ما هو صغير قيمته المعتبرة من الحياة والتكوين. لأن قانون الثقافة هو: ألَّا تترك شيئاً للمصادفة دون الخضوع لآفاق أخرى من التحول. أي ممكن لهذا الشيء الصغير( قليل الأهمية) أنْ يتضخم ويتدحرج مثل كرة الثلج، حتى يغدو كرة عملاقة تدهس من يواجهها. وأن يتحول شيء كهذا من مجرد( ورم حميد) ظهر فجأة بمقدمات بسيطة إلى (ورم خبيث) له نتائج قاتلة. وبالتوازي ضمن حفرياته في تربة الثقافة والفكر، يتساءل الفيلسوف: لماذا كانت هناك ظواهر أو أحداث كبرى تم التقليل منها بوصفها غير ذات أهمية؟ وهل جرى ذلك لمصالح معينةٍ توجد لدى صانعيها أم لغياب الوعي بوجودها أم لا هذا ولا ذلك نظراً لغياب قدرة الفلاحة الفلسفية على فهم ومعرفة آليات وطبيعة( التربة – الفكر).
























تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى