رايفين فرجاني - الفلسفة والفكر

الفكر هو الرؤية الكلية للأشياء,أما الفلسفة فهي التخصص في ذلك.

الفلسفة والفكر,والفارق بينهما؟

هذا مثل السؤال عن الفارق بين الفلاسفة والمفكرين؟

ولكن لنركز هنا على الأولى,وفيها بإذن الله تبيان الثانية

أما الأولى فهي,برأيي البحث الفكري المتخصص,أما الثانية فيمكن أن تطلق على أي نشاط فكري / فلسفي,حتى في أبسط صورها مثل القراءة أو التأمل. وحتى إذا مال للتخصص كما في العلوم التطبيقة أو النظرية أو الإنسانية. الأخيرة أميل لإعتبارها نشاطا فلسفيا خالصا أو هي الأقرب إليه بين كل العلوم. "فالفلسفة في الأصل هي البحث عن الحكمة،وعرفها سقراط بأنها البحث العقلي عن حقائق الأشياء المؤدي إلى الخير". (1) وأما الثانية,فالفكر هو إعمال الخاطر في شيء,كما قال ابن منظور. والفكر هو نتاج التفكر.

الفلسفة والفكر فض الإشكال المفاهيمي (2)
كثيرا ما يختلط مفهوما الفلسفة والفكر، ليس فقط لمجانية إطلاق المفاهيم في الواقع العربي المعاصر، ولكن كذلك لتداخل شديد بين مجاليهما في الفكر العالمي عموما، ولكن هذا التداخل ليس دقيقا فلكل من المفهومين دائرة مخصوصة، فدائرة الفلسفة تنتمي للتفكير النظري المحض غير المقيد ويكون أكثر قربا من المسائل الكلية أما الفكر فينتمي لدائرة التأسيس النظري التفسيري أو التغييري لواقع متعين سياسي أو ثقافي أو اجتماعي، وبينما تنزع الفلسفة نحو العالمية والشمول قد يركز الفكر على دوائر جيوثقافية محددة ولكن أهم الفروق – برأينا – هو أن الفيلسوف يبني بناء نظريا مستقلا أو يطور بناء قائما تطويرا جوهريا ومفصليا في تاريخ أفكاره فيكون من أصحاب المقولات الفلسفية أو النماذج التفسيرية الخاصة أما المفكر فلا يبني بناء مستقلا ولكن على أساسات سابقة وغالبا ما ينشئ رؤى وآراء وليست مقولات فلسفية جوهرية ومفصلية، وهو ما يلخصه الجدول التالي يوضح الفروق بين المفهومين من وجهة نظرنا

مسلسل الفلسفة الفكر

1-بناء نظري عقلي تأسيس نظري واقعي
2-رؤية كلية رؤية كلية أو تفصيلية
3- متعالية أو مفارقة في الغالب محايثة أو موضوعية
4-إنسانية وعالمية قومية أو وطنية تنتمي لدوائر الهوية غالبا
5- لها مقولات فلسفية خاصة ونماذج تفسيرية غير مباشرة يستفيد من المقولات الفلسفية ويوظفها في تفسير الواقع وتغييره في آن واحد .
6-المجال نظري وعقلي محض المجال لا ينفصل عن الواقع غالبا
7-اللغة مكثفة ومفارقة اللغة تفصيلية محايثة

لكن كل هذه التعقيدات يكاد الباحث ينكرها في آخر مقالته,فالفلسفة وإن كانت تخصص فكري,ولكنها لا ترتبط مع الفكر في تخصص مقابل. هذا قد يحدث,ولكن ليس بالضرورة أن نحدد معنى الفكر وفقا لذلك,فهي مجرد حالة,بينما العموم أن الفكر هو أي اشتغال فكري. أما الفلسفة فتميل لإشتمالها على المعرفة والفكر بالكليانية. والتخصصات يراد بها في العادة العلوم النظرية والتطبيقية,وأحيانا (وهو السائر حاليا) يضاف إليها العلوم الإنسانية.

"فالعلم الوحيد الذي يستطيع أن يجعل كل شيء موضوعاً له هو الفلسفة؛ بل إن الفلسفة تستطيع طرح أسئلة على نفسها فتسأل: ما الفلسفة؟ والأبعد من ذلك أنها تستطيع أن تشكك في نفسها. فقد يقول الفيلسوف “لقد ماتت الفلسفة” ويظل مع ذلك فيلسوفاً.وهكذا فلو سأل إنشتاين: ما الفيزياء؟ فإنه لن يعود فيزيائياً بل فيلسوفاً (= فيلسوفَ علم كما يسمى اليوم). بينما نجد أن جيل دولوز وفيلكس غويتاري طرحا سؤالَ: ما الفلسفة؟ وأجابا عنه في كتابٍ “فلسفي” بامتياز؛ فبدآ فلاسفة وانتهيا فلاسفة." (3)

حسنا,يفترض هنا أن أضيف كلمة (تم) أو (انتهى) -ويبدوا أنني قررت بالفعل في أول المقال ما يقال- ولكن المقال لم ينتهي بعد. الفرق واضح لكن ليس مراد مقالنا تبيان الفرق بين الفلسفة والفكر بأكثر مما هو واضح بالفعل. ومع ذلك, فإن عقد أي مقارنة بين الفلسفة والفكر تحفز في ذهني ثلاث مسائل

الأولى هي مستويات الفلاسفة والمفكرين,ويمكن أن نلخصها بالقول والمقال حول المائة / السبعة رواد الفكر العربي ثم الفلاسفة فالمفكرين والمثقفين يتبعهم الباحثين. وانظر مقالي المعنون (مراتب العقلاء) وقد كدت أضيف (في عصر السفهاء).

الثانية هي منزلة الفلسفة من التفكير الإسلامي,فهو مذهب فكري يميل إلى الضوابط أكثر من التحرر الزائد كما يتمادى الغرب في فلسفتهم وسياستهم. وترجع تلك الضوابط إلى محاولة حفظ العقل والإنسان من الفوضى عبر استيفاء معايير عديدة تمثلت في علوم مثل المنطق (ضبط العقل) والأخلاق (ضبط الضمير) والإجتماع (ضبط المجتمع). وهو ما ينظر له الغرب كثيرا مع الإبتعاد عن أي جوانب تطبيقية. وباتت مجتمعاتنا الإسلامية تقرب من ذلك,لولا أن العقل النقلي خلق نوع من التحفظات المحببة التي تمنع الشطط. ولكن للعلم,أنا (من ناحية فكرية جدلية) لا أمانع الشطط في كل مناحي التفكير,ولا يفعل الفلاسفة المسلمون. بل ربما هم الأكثر شططا في تاريخ الفكر الإنساني. وجملة (أن الجدل غير محبب في الإسلام) هم أنفسهم أصحابها لما لاقوه من صعوبة ومشقة ومنحدرات ومزالق وفخاخ عديدة فيما خاضوه من مسالك فكرية.

وهذا بالضبط,موضع الإتفاق بيني,وبين عموم المتشددين من الباحثين الإسلاميين. "فهي بهذا المعنى أمر حسن،ولكن واقع الفلسفة هو الخوض في علم الكلام،وتحكيم العقل في العقائد ومنها الإلهيات والنبوات والغيبيات وغيرها. وبسبب ذلك انحرف الفلاسفة في هذه العقائد انحرافات خطيرة،حتى قالوا: بقدم العالم ونفي المعاد،وقد تأثر بهم طائفة من الفلاسفة المنسوبين إلى الإسلام كابن سيناء والفارابي وآخرين. ولهذا فإن السلف قد حذروا من الخوض في الفلسفة والكلام،حتى قال الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يطاف بهم على العشائر،ويضربوا بالجريد والنعال، ويقال: هذا جزاءُ من ترك كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم." (4)

ونزيد بـ (من تمنطق فقد تزندق) على حد القول المنسوب إلى ابن تيمية أو الغزالي.

وهذا يؤدي إلى نتيجة مفادها أن "الحاصل أنه لا يجوز الاشتغال بالفلسفة إلا لمن أراد بيان ضلال الفلاسفة مع الحذر الشديد،وبعد التمكن من العلوم الشرعية،والعقائد الصحيحة،وحتى بعد تحصيل كل هذا فالأسلم الابتعاد،فقد قال ابن العربي كلمته المشهورة عن الغزالي : (شيخنا أبو حامد الغزالي ابتلع الفلاسفة فأراد أن يتقيأهم فما استطاع)." (5)

وإذا كانت الفلسفة تترك آثارها وبصماتها السيئة على مثل الغزالي وقد بلغ في كثير من الفنون ما بلغ بالإضافة إلى عقله الراجح،وذكائه المفرط،فما بالك بغيره؟

لهذا يخرج الباحث الإسلامي بنوعيه المتشدد والمتحفظ إلى نتيجة مفادها "إذا كان هذا الفكر منضبطاً بالشرع فهو الفكر الإسلامي،وإذا كان مخالفاً للشرع فهو فكر غير إسلامي. وعليه، فإننا نستطيع أن نعرف الفكر الإسلامي: بأنه مجموعة العلوم والمعارف القائمة على أسس وموازين إسلامية، أو هو نتاج التفكير الإسلامي الملتزم بالأسس والضوابط الإسلامية." (6)

وهي ضوابط لاهوتية رسمت غايتها في الحصول قبل قطع الوصول,وهو ما نتخلى فيه عن تحفظاتنا. فنحن نسعى إلى الحقيقة. وإن كنت معترفا بأن الحقيقة تمثلت في صور عديدة نلحظ كونها غيبية للغاية؛الله,الموت,القدر,الزمن. وهذا إعتراف يؤديه حقيقة أنني كنت ملحدا في فترة من الفترات ثم اهتديت. فترة لم تطل -أو طالت- والحمد لله. ولا يعني ذلك أن المؤمن بعد إلحاد خير من المؤمن بشكل قبلي,بل يعني أنه مزج بين النقل والعقل بناءا على منهج عقلاني لا ينفصل عن النزعة الروحانية الإسلامية,لأن العقل يستوعب أي شيء. أعني استيعاب إدراك وليس تصور. فنحن ندرك بوجود الوجود في ماهيته,والعدم في زواله. وليس بالضرورة عدم قدرتنا على الإستيعاب الكامل للوجود,لا تعريفا ولا تصورا,أنه هو غير موجود. كما أفضت دراسات فلاسفة الغرب منذ أرسطو إلى ديكارت. ولهذا نحن ندرك وجود الله مع إعترافنا بكون الله (الفكرة وليس الذات) مفهوم على الجانب الآخر من الغيبيات التي لا يمكن للعقل أن يتصورها أو يتخيلها.

لذا نحن ننطلق من فلسفة لا تخجل من القول (الله موجود) أو (الله غير موجود) للوصول إلى إجابة السؤال

-هل الله موجود

وهذا يجعل الشاغل شاغلين

أولا تحديد فلسفة سليمة صائبة في غاياتها وقبله في وسائلها,وعلى هذا تصلح أي فلسفة صوابية (أي صائبة) لأن تكون فلسفة إسلامية,أو هي فلسفة غير متعارضة مع النهج الإسلامي. فالحقيقة صورة واحدة تشعبت المسارات إليها (وكل الطرق تؤدي إلى روما) في الغرب المادي. وكل الطرق تؤدي إلى الله في الشرق الروحاني. وعليه يمكنني بكل أريحية (من حيث الإطمئنان القلبي وليس الاستسهال العلمي) أن انقد في النص القرآني كما يحلوا لي. هادما لمقولة (القرآن نص سماوي غير قابل للنقد). أو (يحسن بعبد الله التفكر في خلقه وليس في ذاته). لأن النقد وإن كان هجوميا,يعني بتحديد الأخطاء من أجل تصحيحها,ولأن القرآن هو النص الأكمل,هو النص الخالي من أي أخطاء,لذا فهو نص متين,يتحمل الضربات التي ترد إلى صاحبها لعلها تهديه إلى رشده. فلما يرهق الباحث في نقد القرآن بعد نقده,وأنه لا يوجد ثغرة واحدة (حتى ولو كان النقد هجوميا عدائيا وقد كنت في إلحادي) يمكن التخلل منها. يتحقق من صحته. أما إذا كان التسليم مسبقا بصحة القرآن,فلن يتحقق من شيء.

الشاغل الثاني,وهو ينبثق من الأول,أو يأتي نتيجة له,هو التوفيق بين الفلسفة والإسلامية. ولا أقول الإسلام,لأن الإسلام في قلبه يعد تفكيرا فلسفيا أصيلا,وكما ذكرنا نأخذ كبار فلاسفة الإسلام وكبار شيوخ الإسلام شاهدا على ذلك,وقبلهم تساؤلات الأنبياء وعلى رأسهم إبراهيم (ع) صاحب الرسالة الإبراهمية مبتدئ ما أنهاه رسول الله (ص) محمد. "فالتحريض على التعلم والتفكير والنقاش والشك هو من أساسيات الخطاب القرآني. لكن الخلاف في كيف تناول الشيوخ المسلمون هذا المفهوم وكيف فسروه وتعاملوا معه". (7)

هذه المحاولة,يجب أن تنزع عنها بالضرورة أي تشددات,أو حتى أي تحفظات (عدا بعض التحفظات العلمية / الأدبية التي تميل إلى حدود الأدب فلا نكون مثل السفهاء فنشتم ونسب). وهذه التشددات / التحفظات تتمثل في المقولة الشهيرة (حكم الله على الفلسفة والفلاسفة والتفلسف). أو التفلسفة من باب السخرية,فياللهول!. خاصة لما يحمله مفهوم (حكم) من أهوال وحمولة فلسفية وجودية وربما شخصانية. وأنا لا أوافق عليه سوى في إرتباط بحثي مع التصديق لدى الباحث بميوله أو إنحيازاته البحثية. فمثلا لا يخصنا الربط دوما بين تعريفنا للفلسفة,وحكم الله فيها. فالسائل عن الفلسفة (وليس عن مشورة طبية) غير كونه يحق له السؤال بإعتباره إنسانا مفكرا,فهو أيضا ينزع عن نفسه هذه القبليات وإما ما سئل عنها أصلا,ودعاة الإسلام يبعدونه في خطبهم عنها,وهذه المسألة موجودة في أغلب المواقع الإسلامية. من باب (سؤال وجواب). فهي في العادة تزيد في الإجابة أو تنتقي الأسئلة بحيث تختمها دوما بـ (حكم الله في كذا). بينما تنأى المؤسسات الثقافية أو العلمية ذات الدراسات الإسلامية (الجادة والموضوعية) بنفسها عن ذلك. وقد كررت مفردة (نزع) كثيرا فاعذروني,فهذه الثقافة (النقلية) وربما (الطائفية) مشبعة في عقول أدنى الدرجات الثقافية أو التعليمية. وهذا مدخل جيد,وهي نقطة صالحة لها إيجابيات ليست موضوعنا هنا. من صلاحها أنها حاوية لجانب مهم من ثنائية (عقل / نقل) اللاتي اعتبرهما وجهان لعملة واحدة هو العقل. وأن محاولات بعض الفلاسفة للتسفيه من أهمية النقل,أو حتى ربطه فقط بمفهوم (الإيمان) هي محاولات تدل على نقص لديهم في العقل,أو الطريقة التي انتهجوها للتفكير. وهو ما نوضحه في مقال تال.

المصادر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-الفلسفة,تعريفها,حكمها,والفرق بينها وبين الفكر الإسلامي / إسلام ويب
الفلسفة...تعريفها..حكمها..والفرق بينها وبين الفكر الإسلامي - إسلام ويب - مركز الفتوى

2-الفلسفة والفكر فض للإشكال المفاهيمي / هاني نسيره / الحوار المتمدن
هاني نسيره - الفلسفة والفكر فض للإشكال المفاهيمي !

3-العلم لا يفكر / شايع الوقيان / حرف آند فاصلة ميديا
عبارات فلسفية رائجة 1: “العلم لا يفكر”.. مارتن هايدجر

4-الفلسفة,تعريفها,حكمها,والفرق بينها وبين الفكر الإسلامي / إسلام ويب
الفلسفة...تعريفها..حكمها..والفرق بينها وبين الفكر الإسلامي - إسلام ويب - مركز الفتوى

5-الفلسفة,تعريفها,حكمها,والفرق بينها وبين الفكر الإسلامي / إسلام ويب
الفلسفة...تعريفها..حكمها..والفرق بينها وبين الفكر الإسلامي - إسلام ويب - مركز الفتوى

6-الفلسفة,تعريفها,حكمها,والفرق بينها وبين الفكر الإسلامي / إسلام ويب
الفلسفة...تعريفها..حكمها..والفرق بينها وبين الفكر الإسلامي - إسلام ويب - مركز الفتوى

7-مغالطات الفكر الإسلامي,إحتكار العلم وحبس العقل / علاء الدين الخطيب
مغالطات الفقه الإسلامي، احتكار العلم وحبس العقل - Alaa Alkhatib

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى