2- د. محمد مفتاح وكتابه: تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص:
يرى د. محمد مفتاح أن الباحثين الغربيين لم يُعَرِّفْ منهم أحد التناص تعريفا جامعا. فسعى هو إلى التركيب بين آرائهم وآراء العرب القدماء واعتبر التناص فسيفساء من النصوص المتعالقة مع نص ما، يمتصها ويُصَيِّرُها مِن عِنْدِيَاتِه، أو يحولها بالتمطيط والتكثيف بقصد مناقضتها أو تعضيدها. «ومعنى هذا أن التناص هو تعالق (الدخول في علاقة) نصوص مع نص حدث بكيفيات مختلفة»( ) بواسطة ما يعرف لدى الغربيين ب:
1.المعارضة وهي محاكاة عمل فني ما روضا للقول أو اقتداء أو سخرية.
2.المعارضة الساخرة وهو جزء من المعارضة السابقة يقصد فيها صاحبها إلى تقليد عمل ما تقليدا هزليا بقلب وظيفته.
3.السرقة «وتعني النقل والاقتراض والمحاكاة مع إخفاء المسروق»( ). وهذه المفاهيم رغم أنها «مقتبسة من مجال الثقافة الغربية [كما يقول الباحث] فإننا نجد ما يكاد يطابقها في الثقافة العربية؛ ففيها: المعارضة [و] المناقضة [و] السرقة»( ). ويذكر على أن الجميع متفق على وجود نوعين من التناص بحسب الغرض منه؛ والنوعان هما:
• المحاكاة الساخرة = تسود فيها العلاقات التنافرية
• المحاكاة الجدية = تسود فيها العلاقات التعضيدية
وقد تكون بينهما مواقف وسطى، وترتبط جميعها بنوعية الثقافة والتغيرات التاريخية والاجتماعية ومزاج الشعراء «ونعني بهذا [يقول الباحث] أنه إذا كانت ثقافة ما محافظة تنظر إلى أسلافها بمنظار التقديس والاحترام، وإذا لم تتعرض لهزات تاريخية عنيفة تقطع تواصلها فإنها تكون مجترة محافظة، وإذا كانت ثقافة ما متغيرة انتابتها تحولات تاريخية واجتماعية عميقة فإنها غالبا ما تعيد النظر في تراثها بمناهج نقدية، على أن هذه الثنائية الضيقة يجب أن لا تحجب عن أعيننا تعقد الظواهر الأدبية...فقد تكون هناك مواقف وسطى متعددة بين المحاكاتين»( )، كما أن التناص نوعان بحسب المظهر: خارجي وداخلي؛ في الداخلي يمتص الشاعر نصوصه هو أو يحاورها أو يتجاوزها( )، وفي الخارجي يقوم بهذه المهمة مع نصوص غيره، وسبيله إلى ذلك آليتا التمطيط والإيجاز؛ فالتمطيط يحصل بأشكال مختلفة منها:
1.الأناكرام (الجناس بالقلب وبالتصحيف) والباراكرام التي تعني (الكلمة المحور). «فالقلب مثل قول-لوق، وعسل-لسع. والتصحيف مثل نخل-نحل، عثرة-عترة...وأما الكلمة المحور فقد تكون أصواتها مشتتة طوال النص مكونة تراكما يثير انتباه القارئ الحصيف، وقد تكون غائبة تماما من النص ولكنه يبنى عليها، وقد تكون حاضرة فيه مثلما نجد في قصيدة ابن عبدون، وهي الدهر»( ).
2.الشرح: وهو أن يقلب الأديب نواة معنوية، على شكل كلمة محور أو قول، يأتي بها في الأول أو الوسط أو الأخير، في صيغ مختلفة تعتبر كلها شرحا لتلك النواة( ).
3.الاستعارة: كما فعل ابن عبدون بكلمة "الدهر" حيث مططها بالتعبير:
"عن نومة بين ناب الليث والظُّفُر"( )...الخ.
وللإيجاز أيضا دور كبير في عملية التناص، ومن ذلك الإشارات التاريخية التي وضع لها حازم القرطاجني مصطلح الإحالة واشترط فيها الاعتماد على المشهور منها والمأثور، أو استقصاء الخبر المحاكىَ( ). والشكل في كل ذلك «هو المتحكم في المتناص والموجه إليه، وهو هادي المتلقي لتحديد النوع الأدبي ولإدراك التناص»( ). ويتم إدراك التناص عبر الشكل، إما اعتمادا على الذاكرة، وهذا "تناص اعتباطي" أو اعتمادا على مؤشرات خاصة وهو "التناص الواجب"، وهذا هو الذي يوضحه الباحث بقوله: «إن هناك مؤشرات تجعل التناص يكشف عن نفسه ويوجه القارئ للإمساك به، ومنها: التلاعب بأصوات الكلمة والتصريح بالمعارضة، واستعمال لغة وسط معين والإحالة على جنس خطابي برمته»( ).
بعد هذا التوضيح لآليات التناص، يتطرق الباحث إلى المواقف التي يسعى الأديب إلى بنائها من خلال التناص فيذكر ثلاثة مواقف: -موقف اتباع السلف -موقف مناوأة بعض السلف والانحياز لبعض -موقف التوفيق. وكل ذلك محكوم بالشرط التاريخي سواء لدى الأدباء أو لدى الدارسين «وهذا ما نجده لدى بعض الشعراء في العصر العباسي مثل أبي نواس، فقد كان تناصه مع الشعر الجاهلي لا يهدف إلى مسايرته، ولكن لينسف قيوده ويتهكم على تقاليده الفنية...وكذا نجد لدى الشعراء المحدثين والمعاصرين إذ تعكس آثارهم هدما للتقاليد الفنية المتوارثة...وإذا ما أحدثَ "قطيعةً" بعضُ الرواد في بعض العصور فإنهم لا يلبثون -بدورهم- أن يصيروا سلفا ذا قوة إيحائية رمزية تُحَوِّل نماذجهم إلى طرق يسير عليها مَن بعدَهم»( ). وهذا يذكرنا بكلام جوليا كريستيفا عن السلطة القضائية للنصوص القضائية وكيفية بدئها وإتمامها الدورة من النص الجيني حتى النص التام وما يتم في كل نص من تجاوز لتقاليد السابق وخرق للنظام الرمزي( ).
هذا مجمل الأفكار الواردة، عن التناص، في كتاب د. محمد مفتاح "تحليل الخطاب الشعري"( ).
...............
– تحليل الخطاب الشعري؛ 121.
- نفسه.
– نفسه؛ 121-122.
– نفسه؛ 123.
– نفسه؛ 125.
– نفسه؛ 126. والقصيدة في المعجب؛ 113-130.
- نفسه.
- نفسه.
– نفسه؛ 128.
– نفسه؛ 130.
– نفسه؛ 131.
– نفسه؛ 134.
– ينظر فصل المجال الغربي من هذه الدراسة.
– ينظر فيه: 119-135.
يرى د. محمد مفتاح أن الباحثين الغربيين لم يُعَرِّفْ منهم أحد التناص تعريفا جامعا. فسعى هو إلى التركيب بين آرائهم وآراء العرب القدماء واعتبر التناص فسيفساء من النصوص المتعالقة مع نص ما، يمتصها ويُصَيِّرُها مِن عِنْدِيَاتِه، أو يحولها بالتمطيط والتكثيف بقصد مناقضتها أو تعضيدها. «ومعنى هذا أن التناص هو تعالق (الدخول في علاقة) نصوص مع نص حدث بكيفيات مختلفة»( ) بواسطة ما يعرف لدى الغربيين ب:
1.المعارضة وهي محاكاة عمل فني ما روضا للقول أو اقتداء أو سخرية.
2.المعارضة الساخرة وهو جزء من المعارضة السابقة يقصد فيها صاحبها إلى تقليد عمل ما تقليدا هزليا بقلب وظيفته.
3.السرقة «وتعني النقل والاقتراض والمحاكاة مع إخفاء المسروق»( ). وهذه المفاهيم رغم أنها «مقتبسة من مجال الثقافة الغربية [كما يقول الباحث] فإننا نجد ما يكاد يطابقها في الثقافة العربية؛ ففيها: المعارضة [و] المناقضة [و] السرقة»( ). ويذكر على أن الجميع متفق على وجود نوعين من التناص بحسب الغرض منه؛ والنوعان هما:
• المحاكاة الساخرة = تسود فيها العلاقات التنافرية
• المحاكاة الجدية = تسود فيها العلاقات التعضيدية
وقد تكون بينهما مواقف وسطى، وترتبط جميعها بنوعية الثقافة والتغيرات التاريخية والاجتماعية ومزاج الشعراء «ونعني بهذا [يقول الباحث] أنه إذا كانت ثقافة ما محافظة تنظر إلى أسلافها بمنظار التقديس والاحترام، وإذا لم تتعرض لهزات تاريخية عنيفة تقطع تواصلها فإنها تكون مجترة محافظة، وإذا كانت ثقافة ما متغيرة انتابتها تحولات تاريخية واجتماعية عميقة فإنها غالبا ما تعيد النظر في تراثها بمناهج نقدية، على أن هذه الثنائية الضيقة يجب أن لا تحجب عن أعيننا تعقد الظواهر الأدبية...فقد تكون هناك مواقف وسطى متعددة بين المحاكاتين»( )، كما أن التناص نوعان بحسب المظهر: خارجي وداخلي؛ في الداخلي يمتص الشاعر نصوصه هو أو يحاورها أو يتجاوزها( )، وفي الخارجي يقوم بهذه المهمة مع نصوص غيره، وسبيله إلى ذلك آليتا التمطيط والإيجاز؛ فالتمطيط يحصل بأشكال مختلفة منها:
1.الأناكرام (الجناس بالقلب وبالتصحيف) والباراكرام التي تعني (الكلمة المحور). «فالقلب مثل قول-لوق، وعسل-لسع. والتصحيف مثل نخل-نحل، عثرة-عترة...وأما الكلمة المحور فقد تكون أصواتها مشتتة طوال النص مكونة تراكما يثير انتباه القارئ الحصيف، وقد تكون غائبة تماما من النص ولكنه يبنى عليها، وقد تكون حاضرة فيه مثلما نجد في قصيدة ابن عبدون، وهي الدهر»( ).
2.الشرح: وهو أن يقلب الأديب نواة معنوية، على شكل كلمة محور أو قول، يأتي بها في الأول أو الوسط أو الأخير، في صيغ مختلفة تعتبر كلها شرحا لتلك النواة( ).
3.الاستعارة: كما فعل ابن عبدون بكلمة "الدهر" حيث مططها بالتعبير:
"عن نومة بين ناب الليث والظُّفُر"( )...الخ.
وللإيجاز أيضا دور كبير في عملية التناص، ومن ذلك الإشارات التاريخية التي وضع لها حازم القرطاجني مصطلح الإحالة واشترط فيها الاعتماد على المشهور منها والمأثور، أو استقصاء الخبر المحاكىَ( ). والشكل في كل ذلك «هو المتحكم في المتناص والموجه إليه، وهو هادي المتلقي لتحديد النوع الأدبي ولإدراك التناص»( ). ويتم إدراك التناص عبر الشكل، إما اعتمادا على الذاكرة، وهذا "تناص اعتباطي" أو اعتمادا على مؤشرات خاصة وهو "التناص الواجب"، وهذا هو الذي يوضحه الباحث بقوله: «إن هناك مؤشرات تجعل التناص يكشف عن نفسه ويوجه القارئ للإمساك به، ومنها: التلاعب بأصوات الكلمة والتصريح بالمعارضة، واستعمال لغة وسط معين والإحالة على جنس خطابي برمته»( ).
بعد هذا التوضيح لآليات التناص، يتطرق الباحث إلى المواقف التي يسعى الأديب إلى بنائها من خلال التناص فيذكر ثلاثة مواقف: -موقف اتباع السلف -موقف مناوأة بعض السلف والانحياز لبعض -موقف التوفيق. وكل ذلك محكوم بالشرط التاريخي سواء لدى الأدباء أو لدى الدارسين «وهذا ما نجده لدى بعض الشعراء في العصر العباسي مثل أبي نواس، فقد كان تناصه مع الشعر الجاهلي لا يهدف إلى مسايرته، ولكن لينسف قيوده ويتهكم على تقاليده الفنية...وكذا نجد لدى الشعراء المحدثين والمعاصرين إذ تعكس آثارهم هدما للتقاليد الفنية المتوارثة...وإذا ما أحدثَ "قطيعةً" بعضُ الرواد في بعض العصور فإنهم لا يلبثون -بدورهم- أن يصيروا سلفا ذا قوة إيحائية رمزية تُحَوِّل نماذجهم إلى طرق يسير عليها مَن بعدَهم»( ). وهذا يذكرنا بكلام جوليا كريستيفا عن السلطة القضائية للنصوص القضائية وكيفية بدئها وإتمامها الدورة من النص الجيني حتى النص التام وما يتم في كل نص من تجاوز لتقاليد السابق وخرق للنظام الرمزي( ).
هذا مجمل الأفكار الواردة، عن التناص، في كتاب د. محمد مفتاح "تحليل الخطاب الشعري"( ).
...............
– تحليل الخطاب الشعري؛ 121.
- نفسه.
– نفسه؛ 121-122.
– نفسه؛ 123.
– نفسه؛ 125.
– نفسه؛ 126. والقصيدة في المعجب؛ 113-130.
- نفسه.
- نفسه.
– نفسه؛ 128.
– نفسه؛ 130.
– نفسه؛ 131.
– نفسه؛ 134.
– ينظر فصل المجال الغربي من هذه الدراسة.
– ينظر فيه: 119-135.