(13)
الشيعة والسنة:
وجع قديم يطل برأسه دائما منذ مقتل الحسين، وكل فصيل يرى نفسه على حق وهذا الانشقاق الذي تم بفعل فاعل!! يؤثر في مجريات الأحداث في بلادنا خاصة في الأوقات المفصلية، وحتى أخرج من مربع "النواصب والروافض" المعقود سجالهم وتنابذهم بالألقاب فإنني هنا أتفاعل مع مؤلف كارين أرمسترونج وما قالته في ظروف مشابهة لما نمر به الآن من حرب في ظاهرها بين أمريكا وإيران بينما هي حروب ممتدة على العالم الإسلامي بأكمله.
عند بزوغ نجم الأيوبيين متمثلا في نور الدين محمود الداعي إلى الجهاد لأول مرة بعد الحملة الصليبية الأولى بخمسين عاما من أجل تحرير القدس، وبينما كان يعد العدة لرد الصليبيين عن دمشق جاء الحشاشين بقيادة شخص عرف باسم "شيخ الجبل" من قلعة آلموت من إيران وشكلوا جيشا لملاقاة نور الدين محمود الداعي لجهاد الصليبيين!
وكان شيخ الجبل قد أنشأ دويلة شيعية فيما بين حماة المسلمة واللاذقية المسيحية تمردا على الخليفة العباسي ببغداد وتمهيدا لمواصلة الجهاد ضد مسلمي السنة كي يخرج (المهدي الشيعي من السرداب ليكون خليفة المسلمين) وبذلك فإن الأرض من تحت أرجل نور الدين كان تموج بتحركات ساخنة من الصليبيين من جانب وشيخ الجبل من جانب آخر مع العلم أن الصليبيين كانوا يؤازرون شيخ الجبل وكتب شعرائهم فيه شعرا يمتدحه، وعن ميل الغرب الصليبي لشيخ الجبل الشيعي المجاهد ضد مسلمي السنة تقول كارين:
"ولم يكن من الصعب على الغرب الصليبي أن يفهم هذا الحب المعبر عن نفسه بالعنف، وكان أشد تعاطفا مع الحشاشين من معظم المسلمين الآخرين (السنة)"
مسرح جديد للعمليات:
في عام 1157 أصيب نور الدين محمود بمرض لمدة عامين مما حد من نشاطه وجعله يفكر بطريقة عملية في حدود إمكانياته في وسط معادي، فهو يعلم أن مانويل البيزنطي يمتد نفوذه حتى الأناضول كما أنه لا يمكنه مهاجمة انطاكية الآن، والظروف من حوله لا تسمح بمهاجمة بيت المقدس ولم يطل به المقام على هذه الحالة خاصة عندما هاجم أمالريك ملك أورشاليم الدولة الشيعية في مصر ولعلمه بالأهمية الاستراتيجية لمصر حتى ولو كانت في قبضة الدولة الشيعية أرسل إليها جيش بقيادة شيركوه لمؤازرة مصر الفاطمية في مواجهة الفرنجة، وهذا بعد نظر يفهمه كل لبيب، فالأمر لا يتعلق بالشيعة والسنة ولكن يتعلق بحجر الزاوية ورمانة الميزان، مصر بوابة العالم الإسلامي.
استولى الصليبيون على بلبيس وذبحوا سكانها فاضطر سكان القاهرة إلى إضرام النيران فيها مدة أربع وخمسين يوما، وهنا استعان الخليفة الفاطمي بمحمود نور الدين الأيوبي فأرسل إليه أخيه شيركوه كي يخلص مصر من الصليبيين المغيرين عليها.
تجهز يا يوسف إننا قادمون:
كان هذا نداء شيركوه لابن أخيه يوسف (صلاح الدين الأيوبي) ليذهبوا إلى مصر، يوسف كان شابا في الثانية والثلاثين من عمره، حسن الوجه،نحيل يكتسي وجهه بمسحة من الحزن، رقيق الصحة شديد الحساسية، سبق ليوسف أن خاض معركة مع شيركوه في مصر قبل ذلك بعامين، فلم يكن متحمسا للمجيء إليها حتى أنه تمنع في البداية وقال
"والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها"
هذا الشاب الألمعي الذي برق نجمه ولم يخفت (وكل أنوف الأنطاع والأفسال راغمة في كل زمان) عندما قال له عمه هذا كان كمن نفذ خنجرا إلى قلبه ولما علم عمه الثاني نور الدين محمود بتمنعه عن الذهاب إلى مصر أصدر أمرا لا رجوع فيه عن ضرورة ذهاب يوسف إلى مصر وعبر هو نفسه عن ذلك بالقول
"كأنما أساق إلى الموت"
ثم عبرت كارين عن يوسف بقولها هذا البطل المسلم الذي أعجب به الشرق والغرب كيف تحول من النقيض إلى النقيض وتحول إلى جندي متحمس من جند الله إذن؟
كانت الدولة الفاطمية في أضعف حالاتها والمصريون يستجيرون بأي أحد يخلصهم من الصليبيين فلم يمض على حلول شيركوه عشرة أيام حتى أصبح وزيرا لمصر وبذلك فقد تحولت مصر إلى جزءا من امبراطورية نور الدين الآخذة في الصعود (الدولة الأيوبية) في وجود العباسيين الضعفاء، وكان هذا حدثا غير موازين القوى تغيرا جذريا فأصيبت الدولة البيزنطية والإمارات الصليبية بالذعر لهذه الوحدة الإسلامية الطارئة.
الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي:
توفي شيركوه ودرات سجالات كثيرة لاختيار وزيرا لمصر، وأصبح الطرح هو كيفية اختيار وزير ليس من أمراء الجيش حتى لا يمثل تهديدا لأحد من الدولة الفاطمية في الوقت نفسه نور الدين لا يريد أن يجعل من مصر قاعدة لسلطانه فأصدر أمرا بتولي يوسف وزيرا على مصر فأصيب هو نفسه بالذهول فكان يردد "هي مشيئة الله"
بالفعل من تتبع سيرة صلاح الدين نتلمس إن اختياره كان اصطفاء، فهذ الشاب الذي كان كارها للقدوم إليها يصبح وزيرها ولكونه شديد الحساسية فقد حباه الله بالفطنة التي هدته إلى موطن القوة والوقوف على أجل أسباب النصر، ألا وهو الدين فابتدأ حياة الورع والتقوى وأقبل على تعلم العلوم الشرعية حتى أصبح فقيها عاشقا للمساجلات الحية وكان ينفق ببذخ على الفقراء حتى أن أمراء خزانته كانوا يخفون بعض الأموال التي قد يحتاجون إليها في بعض الطوارئ وهو نفسه عندما مات لم يترك سوى سبعة وأربعين درهما، وبعد أن أصلح نفسه بدأ في إصلاح عقيدة المصريين فنشر مدارس لتدريس المذهب السني، حتى وصفته كارين:
"حالما أصبح صلاح الدين وزيرا صارت له هوية دينية جديدة محورها معتقدات ومباديء وأهواء الإسلام"
وفي أخريات أيامه كان يقول:
"حين وهبني الله أرض مصر كنت متأكدا من أنه كان يقصد منحي فلسطين أيضا"
ولنا هنا وقفة:
صلاح الدين الذي استخدمه الله بدأ بإصلاح نفسه عقديا ثم بإصلاح عقيدة عوام الناس، بداية النصر من الالتزام بصحيح الدين وليس بالسعي الحثيث للارتباط بهويات الآخرين شكلا وموضوعا وإرضائهم وهم الذين لن يرضوا عنا.
أعضاء الدولة الأيوبية السنية جاءوا مهرولين من دمشق لمؤازرة الدولة الفاطمية الشيعية عندما أغار عليها الصليبيون لأن ضياع مصر في ذلك الوقت كان ضياعا للعالم الإسلامي كله، وبالمثال يتضح المقال، وقوفنا مع إيران ضد أمريكا ليس من أجل إيران الشيعة وإنما من أجل الوقوف ضد مخطط يستهدف الدول الإسلامية بأكملها.
مرة أخرى عادت القدس في زمن صلاح الدين عندما تبنى المسلمون عقيدة الجهاد من ثلة صاعدة فيها شاب كان متمنعا عن الحضور إلى مصر فيصبح لمصر وفلسطين شأنا على يديه عندما بدأ البداية الصحيحة والتي يخشاها عدونا في كل الأزمنة وهو ما يفسر ما يحدث لغزة من أهوال لأنهم يتبنون ما تبناه صلاح الدين فكان لزاما على أعدائنا أن يحيلوا حياتهم إلى جحيم ولكن هيهات، فالنصر لا يكون إلا مع الصبر، دائما وأبدا هو من عند الله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) محمد
وللحديث بقية إن شاء الله
الشيعة والسنة:
وجع قديم يطل برأسه دائما منذ مقتل الحسين، وكل فصيل يرى نفسه على حق وهذا الانشقاق الذي تم بفعل فاعل!! يؤثر في مجريات الأحداث في بلادنا خاصة في الأوقات المفصلية، وحتى أخرج من مربع "النواصب والروافض" المعقود سجالهم وتنابذهم بالألقاب فإنني هنا أتفاعل مع مؤلف كارين أرمسترونج وما قالته في ظروف مشابهة لما نمر به الآن من حرب في ظاهرها بين أمريكا وإيران بينما هي حروب ممتدة على العالم الإسلامي بأكمله.
عند بزوغ نجم الأيوبيين متمثلا في نور الدين محمود الداعي إلى الجهاد لأول مرة بعد الحملة الصليبية الأولى بخمسين عاما من أجل تحرير القدس، وبينما كان يعد العدة لرد الصليبيين عن دمشق جاء الحشاشين بقيادة شخص عرف باسم "شيخ الجبل" من قلعة آلموت من إيران وشكلوا جيشا لملاقاة نور الدين محمود الداعي لجهاد الصليبيين!
وكان شيخ الجبل قد أنشأ دويلة شيعية فيما بين حماة المسلمة واللاذقية المسيحية تمردا على الخليفة العباسي ببغداد وتمهيدا لمواصلة الجهاد ضد مسلمي السنة كي يخرج (المهدي الشيعي من السرداب ليكون خليفة المسلمين) وبذلك فإن الأرض من تحت أرجل نور الدين كان تموج بتحركات ساخنة من الصليبيين من جانب وشيخ الجبل من جانب آخر مع العلم أن الصليبيين كانوا يؤازرون شيخ الجبل وكتب شعرائهم فيه شعرا يمتدحه، وعن ميل الغرب الصليبي لشيخ الجبل الشيعي المجاهد ضد مسلمي السنة تقول كارين:
"ولم يكن من الصعب على الغرب الصليبي أن يفهم هذا الحب المعبر عن نفسه بالعنف، وكان أشد تعاطفا مع الحشاشين من معظم المسلمين الآخرين (السنة)"
مسرح جديد للعمليات:
في عام 1157 أصيب نور الدين محمود بمرض لمدة عامين مما حد من نشاطه وجعله يفكر بطريقة عملية في حدود إمكانياته في وسط معادي، فهو يعلم أن مانويل البيزنطي يمتد نفوذه حتى الأناضول كما أنه لا يمكنه مهاجمة انطاكية الآن، والظروف من حوله لا تسمح بمهاجمة بيت المقدس ولم يطل به المقام على هذه الحالة خاصة عندما هاجم أمالريك ملك أورشاليم الدولة الشيعية في مصر ولعلمه بالأهمية الاستراتيجية لمصر حتى ولو كانت في قبضة الدولة الشيعية أرسل إليها جيش بقيادة شيركوه لمؤازرة مصر الفاطمية في مواجهة الفرنجة، وهذا بعد نظر يفهمه كل لبيب، فالأمر لا يتعلق بالشيعة والسنة ولكن يتعلق بحجر الزاوية ورمانة الميزان، مصر بوابة العالم الإسلامي.
استولى الصليبيون على بلبيس وذبحوا سكانها فاضطر سكان القاهرة إلى إضرام النيران فيها مدة أربع وخمسين يوما، وهنا استعان الخليفة الفاطمي بمحمود نور الدين الأيوبي فأرسل إليه أخيه شيركوه كي يخلص مصر من الصليبيين المغيرين عليها.
تجهز يا يوسف إننا قادمون:
كان هذا نداء شيركوه لابن أخيه يوسف (صلاح الدين الأيوبي) ليذهبوا إلى مصر، يوسف كان شابا في الثانية والثلاثين من عمره، حسن الوجه،نحيل يكتسي وجهه بمسحة من الحزن، رقيق الصحة شديد الحساسية، سبق ليوسف أن خاض معركة مع شيركوه في مصر قبل ذلك بعامين، فلم يكن متحمسا للمجيء إليها حتى أنه تمنع في البداية وقال
"والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها"
هذا الشاب الألمعي الذي برق نجمه ولم يخفت (وكل أنوف الأنطاع والأفسال راغمة في كل زمان) عندما قال له عمه هذا كان كمن نفذ خنجرا إلى قلبه ولما علم عمه الثاني نور الدين محمود بتمنعه عن الذهاب إلى مصر أصدر أمرا لا رجوع فيه عن ضرورة ذهاب يوسف إلى مصر وعبر هو نفسه عن ذلك بالقول
"كأنما أساق إلى الموت"
ثم عبرت كارين عن يوسف بقولها هذا البطل المسلم الذي أعجب به الشرق والغرب كيف تحول من النقيض إلى النقيض وتحول إلى جندي متحمس من جند الله إذن؟
كانت الدولة الفاطمية في أضعف حالاتها والمصريون يستجيرون بأي أحد يخلصهم من الصليبيين فلم يمض على حلول شيركوه عشرة أيام حتى أصبح وزيرا لمصر وبذلك فقد تحولت مصر إلى جزءا من امبراطورية نور الدين الآخذة في الصعود (الدولة الأيوبية) في وجود العباسيين الضعفاء، وكان هذا حدثا غير موازين القوى تغيرا جذريا فأصيبت الدولة البيزنطية والإمارات الصليبية بالذعر لهذه الوحدة الإسلامية الطارئة.
الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي:
توفي شيركوه ودرات سجالات كثيرة لاختيار وزيرا لمصر، وأصبح الطرح هو كيفية اختيار وزير ليس من أمراء الجيش حتى لا يمثل تهديدا لأحد من الدولة الفاطمية في الوقت نفسه نور الدين لا يريد أن يجعل من مصر قاعدة لسلطانه فأصدر أمرا بتولي يوسف وزيرا على مصر فأصيب هو نفسه بالذهول فكان يردد "هي مشيئة الله"
بالفعل من تتبع سيرة صلاح الدين نتلمس إن اختياره كان اصطفاء، فهذ الشاب الذي كان كارها للقدوم إليها يصبح وزيرها ولكونه شديد الحساسية فقد حباه الله بالفطنة التي هدته إلى موطن القوة والوقوف على أجل أسباب النصر، ألا وهو الدين فابتدأ حياة الورع والتقوى وأقبل على تعلم العلوم الشرعية حتى أصبح فقيها عاشقا للمساجلات الحية وكان ينفق ببذخ على الفقراء حتى أن أمراء خزانته كانوا يخفون بعض الأموال التي قد يحتاجون إليها في بعض الطوارئ وهو نفسه عندما مات لم يترك سوى سبعة وأربعين درهما، وبعد أن أصلح نفسه بدأ في إصلاح عقيدة المصريين فنشر مدارس لتدريس المذهب السني، حتى وصفته كارين:
"حالما أصبح صلاح الدين وزيرا صارت له هوية دينية جديدة محورها معتقدات ومباديء وأهواء الإسلام"
وفي أخريات أيامه كان يقول:
"حين وهبني الله أرض مصر كنت متأكدا من أنه كان يقصد منحي فلسطين أيضا"
ولنا هنا وقفة:
صلاح الدين الذي استخدمه الله بدأ بإصلاح نفسه عقديا ثم بإصلاح عقيدة عوام الناس، بداية النصر من الالتزام بصحيح الدين وليس بالسعي الحثيث للارتباط بهويات الآخرين شكلا وموضوعا وإرضائهم وهم الذين لن يرضوا عنا.
أعضاء الدولة الأيوبية السنية جاءوا مهرولين من دمشق لمؤازرة الدولة الفاطمية الشيعية عندما أغار عليها الصليبيون لأن ضياع مصر في ذلك الوقت كان ضياعا للعالم الإسلامي كله، وبالمثال يتضح المقال، وقوفنا مع إيران ضد أمريكا ليس من أجل إيران الشيعة وإنما من أجل الوقوف ضد مخطط يستهدف الدول الإسلامية بأكملها.
مرة أخرى عادت القدس في زمن صلاح الدين عندما تبنى المسلمون عقيدة الجهاد من ثلة صاعدة فيها شاب كان متمنعا عن الحضور إلى مصر فيصبح لمصر وفلسطين شأنا على يديه عندما بدأ البداية الصحيحة والتي يخشاها عدونا في كل الأزمنة وهو ما يفسر ما يحدث لغزة من أهوال لأنهم يتبنون ما تبناه صلاح الدين فكان لزاما على أعدائنا أن يحيلوا حياتهم إلى جحيم ولكن هيهات، فالنصر لا يكون إلا مع الصبر، دائما وأبدا هو من عند الله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) محمد
وللحديث بقية إن شاء الله