مديح الصادق "المسألة الزنبورية" المناظرة التي تسبَّبت بموت (سيبويه) همًاً وغمَّاً.

قليل منكم سمع أو قرأ عمَّا سُمِّي في النحو (المسألة الزنبورية)، وهي مناظرة قامت في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وقد اختلفت الروايات في محل إقامتها، إذ ذهب بعضهم إلى أنها في ديوان الخليفة، وآخرون إلى أنها في ديوان البرامكة، وهذه الرواية نقلها (ابن هشام) في كتابه (مُغني اللبيب عن كتب الأعاريب)، فقد جمع الوزير يحيى بن خالد البرمكي (سيبويه زعيم المدرسة البصرية) مع (الكسائي زعيم المدرسة الكوفية؛ في مناظرة بحضور جمع من علماء اللغة العربية، فسأل الكسائي سيبويه: ماقولك في:
(قد كنتُ أظنُّ أنَّ العقربَ أشدُّ لسعةً من الزنبورِ فإذاهوَ هيَ، أو فإذا هوَ إيَّاها)؟
فأجاب سيبويه: (فإذا هوَ هيَ، ولا يجوز النصب).
ردَّ عليه الكسائي: (أخطأتَ، فالعرب ترفع وتنصب هذا).
ثم سأله: ما قولك في:
(خرجتُ فإذا عبدُ اللهِ القائمُ، أو القائمَ)؟
أجاب سيبويه: (كلُّ ذلك بالرفع، ولا يجوز النصب).
فخطَّأَه الكسائي أيضاً.
ولما رأي الوزير يحيى البرمكي اختلافهما نادى على العرب القادمين من الجزيرة، بناء على مشورة الكسائي، وهم عند بابه، فاحتكم إليهم، فناصروا الكسائي، وقد قيل إن وراء ذلك دوافع سياسية، فديوان الخلافة يميلون إلى المدرسة الكوفية، والكسائي مؤدب أولادهم، وإن هناك رشوة قدمت لعرب البادية كي يناصروا الكسائي، بدليل أن سيبويه طلب من الوزير أن يأمرهم بنطقها، فإن ألسنتهم لا تطاوعهم على نطقها كما أرادها الكسائي، فلم ينطقوها، واكتفوا بقولهم:
(القول قول الكسائي)، دون أن ينطقوا به.
الظاهر أن الرشوة والمؤامرات لمناصرة الباطل ليست وليدة عصرنا.
كانت تلك نكسة كبيرة لسيبويه، وشعر بالإهانة، فأدار ظهره لبغداد وتوجه إلى بلاد فارس، حيث موطنه الأصلي، فماتَ هناك همَّاً وغمَّاً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى