ياسر أنور - الهيروغليفية الشرقية و الهيروغليفية الغربية

تتطور اللغات بشكل عام نحو الأسهل ، فاللغة الجديدة تتحرر من بعض أثقال اللغة القديمة على المستويين الصوتي والتركيبي بل وعلى المستوى الكتابي أيضا ، وهذا نستطيع أن نلحظه عندما نقارن بين الإنجليزية القديمة والإنجليزية الحديثة مثلا، أو بين الإنجليزية البريطانية والإنجليزية الأمريكية.، ونستطيع أن نلحظه في لغات أخرى كثيرة. واللغة المصرية القديمة تنتمي - وفقا لتصنيف علماء المصريات و الأنثربولوجي -إلى عائلة اللغات الأفروأسيوية Afro-asiatic ، وذلك لوجود سمات لغوية متشابهة بينها (ليس المقال معنيا بذكرها الآن). وعلى الرغم من التشابه الصوتي بين الرموز الهيروغليفية والحروف (المنفردة) المقابلة لها في اللغات الأفروأسيوية أو السامية،فحرف العين مثلا أو الحاء أو الخاء أو الصاد الهيروغليفي له مقابل صوتي في اللغات السامية الأخرى، على الرغم من ذلك ، فإنه عند استعمال تلك الحروف مع حروف أخرى مجاورة لتكوين (مقاطع صوتية) ، فإن نطق(أو كتابة) المقطع يختلف اختلافا كبيرا عن نظيره في العائلة، أو بطريقة أخرى يمكننا أن نقول: إن الهيروغليفية ابتعدت إلى حد كبير عن أخواتها من الأكادية والكنعانية والبابلية والعربية والعبرية، . فمثلا يذكر عالم المصريات الأمريكي جيمس آلان في كتابه ، مقدمة إلى اللغة والثقافة الهيروغليفية، يذكر نطق كلمة "خنزير" الكنعانية أو العربية ،ويقارنها بنظيرها الهيروغليفي ،على المستوي( الصوتي) phonetic الذي هو:
خن جر بالجيم المعطشة

وهو فرق كبير بين الكلمتين، فحرف الزاي اختفى تماما، وتحول إلى جيم معطشة ، رغم وجود حرف الزاي (منفردا) في الهيروغليفية، لكنه عندما أصبح جزءا من مقطع صوتي، أي عندما اتصل بحروف أخرى، فإنه اختفى، وذلك لأن لكل لغة فلسفتها الاشتقاقية الخاصة ، وبصمتها المتفردة، في قبول ذلك المقطع الصوتي او استبداله، ولذلك، فنحن لا نندهش كثيرا في عصرنا الحالي، ونحن ننطق أسماء البلدان في اللغات الأخرى، لتصبح الصين مثلا تشاينا أو سينو أو أي نطق آخر.
، وليس مجال البحث هنا عن أسباب ذلك التسارع الذي مرت به الهيروغليفية لتبتعد هذه المسافات عن عائلتها اللغوية، فهو له أسبابه البيئية والسياسية والحضارية، لكن ما يعنينها هنا هو بحث سمات هذا التطور لا أسبابه.
ومن سمات هذا التطور إضافة إلى ما ناقشناه سابقا ، هو تحول حرف الهمزة أو الألف إلى ياء ، فعبارة أو (اسم) "أبي شار" الكنعانية والتي تعني : أبي ملك تحولت في الهيروغليفية إلى يابي شا أو ابيشا (راجع نطق جيمس آلان) في كتابه المشار إليه،فحذف حرف الرا كما تحذفه الإنجليزية في نهاية كلمات مثل teacher . وكنا قد نطقنا الاسم المصري الشهير "اسيت" ، نطقناه" آسيا "بإظهار الهمزة ونطق التاء المفتوحة مربوطة على طريقتنا ولغتنا الأصلية، وطبقنا نفس القاعدة على اسم مريت التي أصبحت مارية لتبدو ملامح اللغة الحقيقية واضحة لا هجينة على الطريقة الغربية.
ويعلق جيمس آلن بعد ذكر عدة أسماء ومقارنات قائلا :
The attempt to reflect the actual pronunciation of words, both native Egyptian and foreign, is one of the more interesting features of ancient Egyptian writing, because it gives us a few clues to how the language actually sounded. While it can sometimes make the reading of hieroglyphic texts more difficult, particularly for beginners, it is also a nice reminder that Egyptian is not just a curious artifact of ancient history but a language that was once spoken and written by real people.
إن محاولة تأمل النطق الحقيقي للكلمات بكلا اللهجتين الهيروغليفية و الأجنبية، تعد واحدة من أهم السمات المشوقة في كتابة المصرية القديمة،لأنها تمنحنا بعض المفاتيح ، لكيفية النطق (الحقيقي) للكلمات. وعلى الرغم من أنها يمكن أن تجعل من قراءة الهيروغليفية أكثر صعوبة وخاصة للمبتدئين، فإنها أيضا تذكر بأن اللغة المصرية القديمة ليست مجرد ابتكار غريب للتاريخ القديم، بل هي لغة كان يكتبها ويتكلمها أناس حقيقيون.
ولذلك فإننا يمكننا أن نتحدث بصوت عال ونقول : إن الهيروغليفية الحالية ليست هي الهيروغلفية المصرية القديمة، بل هي هيروغليفية غربية هجينةيختلط فيها الصواب والخطأ، وأننا بحاجة إلى تكوين مدرسة أخرى تتناول الهيروغليفية المصرية على طريقتنا الشرقية بمستوياتها المختلفة الصوتية والتركيبية لتعود إليها ملامحها الشرقية الحقيقية. ويبدو أيضا أن تاريخ الطبري وابن كثير وغيرهما أكثر مصداقية من النتائج التي توصل إليها علماء المصريات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى