خالد محمد مندور - التطور الاجتماعي وذكرى... "ذكرٍى"

هل هناك خطأ في العنوان؟ وهل يقع هذا الدقيق "النمكى " في مثل هذا الخطأ؟ بالقطع لا يوجد خطأ، فالأسم الشائع لمحمد مندور في قريته هو "ذكرِى" مثله مثل أخوته الذين كانت تطلق عليهم أسماء أخرى لمنع الحسد، فمحمود الذي لم يكن أعورا سمى بالأعور، ومصطفى " أبو شفة" وهكذا.
ولكن " ذكرٍى" الابن البكر المتمرد لطه حسين لم يكن أسعد حظا من أستاذه، فلاقى الأمرين وهو يشتبك مع الحياة العامة، وإذا كان طه حسين قد تعرض للمتاعب نتيجة لجهوده الفكرية والأدبية نتيجة لضعف التطور الاجتماعي واختلاط القيم ما بين الحركة الشعبية التي كانت تخرج من القديم والقيم الاجتماعية والثقافية الأكثر حداثة التي كان يتبناها تيار فكرى من أبناء كبار ملاك الأرض، لكن صاحبنا كان على رأس تيار فكرى وثقافي وسياسي جديد.
هذا الشاعر، الذي لم يكن يكتب شعرا، يشتبك اشتباكه الأول مع الأوضاع البالية بالجامعة حين عاد من بعثته الأوروبية دون الحصول على شهادة الدكتوراه، فكلف بتدريس الترجمة من اللغة الإنجليزية بتدخل مباشر من الأستاذ الكبير أحمد أمين الذي كان عميدا لكلية آداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة) بحثا له عن وظيفة، ثم ينجح العميد في تكليفه بتدريس الترجمة من اللغة الفرنسية، برغم أنه كان أعلى كفاءة ومقدرة من العديد من الأساتذة الأجانب الذين لم يكونوا حاصلين على شهادة الدكتوراه، التي لم يكن يحملها العميد نفسه برغم قيمته وقامته.
وعندما يقترح عليه البعض التقدم بدراسته العلمية لبحور الشعر العربي التي حصل على الدبلوم العالي من جامعة السوربون عنها، للحصول على الدكتوراة، يرفض ذلك لاعتقاده أن هذه الدراسة تتجاوز الإمكانيات العلمية في الجامعة، وبديلا عن ذلك يقرر التقدم للحصول على الدكتوراة بدراسته التي أعدها تحت أشراف أستاذه أحمد أمين بعنوان "النقد المنهجي عند العرب".
وبرغم رفض طه حسين حضور مناقشة الدكتوراة مع أحمد أمين وأمين الخولى فانة ينالها بامتياز وتصبح هذه الرسالة من أهم الكتب النقدية المرجعية الى زماننا هذا، في نفس الوقت الذي كان يكتب فيها في مجلتي الثقافة والرسالة ويتبنى منهجا جديدا الذي يتضح في كتابه "في الميزان الجديد" الذي يشكل تجميعا لهذه المقالات.
ولكن هذه التوجهات الجديدة في الأدب لا تلقى نفس العداء الحاد التي لاقاها طه حسين حين أصدر كتابة "الشعر الجاهلي" أو على عبد الرازق حين أصدر كتابه "الإسلام وأصول الحكم" لأسباب متعلقة بطبيعة هذه التوجهات الأدبية وبانتقاء الأسباب السياسية المباشرة، مثل ما حدث مع كتاب على عبد الرازق، ولكن قبل هذا لأن التطور الاجتماعي والثقافي كان قد قطع أشواطا إضافية وأصبحت الحركة الشعبية السياسية والاجتماعية أكثر نضجا واقترابا من القيم الفكرية والاجتماعية للمجتمعات الحديثة.
ولكن هذا الحالم الكبير يقرر الاستقالة من الجامعة ويخرج بعدته الثقافية والفكرية الكاملة الى الصحافة الحزبية ويتلقى الترحيب الشعبي ويصبح المفكر الأول للتيار الشعبي الجديد، تيار الديمقراطية الثورية، الذي تشكل متجاوزا الأحزاب التقليدية رغم عدم وجود شكل تنظيمي له وبرغم انتماء أفراده للعديد من الأحزاب القديمة أم للتنظيمات اليسارية السرية.
وبرغم أن الصحافة الحزبية التي كان يعمل بها كانت تنتمي لحزب الوفد، فإن بعض توجهات قيادة الحزب لم تكن ترحب بهذا التيار وتوجهاته نتيجة لزيادة نفوذ كبار ملاك الأرض، إلا أن قائد الحزب، الواسع النفوذ، مصطفى النحاس، كان يدرك الأهمية الحاسمة لدور الديمقراطية الثورية والتيار الجديد ، الذي تشكل داخل الحزب تحت مسمى الطليعة الوفدية، في استعادة الحزب لنفوذه الجماهيري الذي فقد بعضه بعد توقيع اتفاقية 1936 ثم قبوله الحكم في أعقاب تدخل قوات الاحتلال عام 1942، فيقدم دعمة للطليعة وكتابها.
ويصبح الطابع العام لنشاط "ذكرِى" هو الكتابات السياسية والاقتصادية برغم استمرار نشاطه الأدبي وسط تأييد شعبي حار وصدامات كبيرة مع حكومات الأقليات في أوضاع استمرار الاحتلال وتحالف بعض قطاعات الرأسمالية المصرية معه.
وإذا كان التيار الفكري والثقافي التنويري والأكثر حداثة قد أذاد اقترابه من الحركة الوطنية مع تطورها ونضجها، فإن وليدها الجديد، تيار الديمقراطية الثورية، كان يتطور نفوذه الجماهيري بشكل سريع بحيث كانت تتشكل ملامح حركة وطنية أكثر ثورية اجتماعيا وثقافيا، فالأمر تجاوز التلاقي السابق والتدريجي الى الاندماج والتأثير المتعاظم في قيادة الحركة الوطنية.
لقد كانت انتخابات مجلس النواب عام 1950 برهانا واضحا على تعاظم تأثير تيار الديمقراطية الثورية فيدخل كبار ممثلية، للمرة الأولى، لعضوية مجلس النواب ويصبح أبرزهم " زكرِي " رئيسا (أو وكيلا) للجنة التعليم، في نفس الوقت الذي كان طه حسين وزيرا للتعليم بالمجانية الجديدة.
لقد كانت السنوات الأخيرة قبل 1952 تعبيرا واضحا عن أزمة النمو الرأسمالي والاحتلال الأجنبي ، فحركه شعبية ناهضه يتزايد داخلها نفوذ التيارات الراديكالية وعلى راسها تيار الديمقراطية الثورية ، تطرح أفقا صداميا يتجاوز الاحلام المقيدة للرأسمالية المصرية ويتجاوزاها اجتماعيا ، فينطلق الكفاح المسلح ضد الاحتلال ويتعاظم النشاط العمالي النقابي ويصبح على وشك تشكيل اتحاد عام للعمال بديلا عن الاتحاد الأول للعمال الذي حطمته حكومة الشعب الأولى عام 1924 ، ويتزايد نفوذ التيارات اليسارية وتستعيد جانبا كبيرا من قدراتها التنظيمية في نفس الوقت الذى يتزايد فيه نفوذ وعنف التيارات الدينية السلفية وعلى رأسها الإخوان المسلمون ، أنها لحظة أزمة اجتماعية عامة تطرح آفاقا مفتوحة للتغيير القادم ويلعب فيها شكل الحكم الملكي أدوارا سلبية .
ووسط هذه الازمة المحتدمة والنشاط الجماهيري العارم والكفاح المسلح في خط القناة والمظاهرات الشعبية الكبيرة التي تنادى بالتحالف مع الاتحاد السوفيتي، يحرق قلب القاهرة التجاري وتقال حكومة الوفد بعد أن أعلنت حالة الطوارئ، أزمة تعكس تحلل وانهيار النظام القديم والاحتمالات المفتوحة لنظام جديد يصيب الطبقات والقوى الممثلة للنظام القديم بالفزع، نفس الفزع الذي يصيب قوى الاحتلال والقوى العظمى الجديدة التي انبثقت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، الولايات المتحدة الأمريكية.
يأتي الانقلاب العسكري، وهي تسمية دقيقة للحظة الانقلاب، رغم أن تطورات الصراع الاجتماعي والدولي قادته إلى تجاوز هذه التسمية ليتحول الى تغيير اجتماعي كبير يعيد تشكيل وتكوين الطبقات الاجتماعية وإعادة صياغة العلاقات الإقليمية والدولية، ولا تتأخر السلطة الجديدة في إقرار قانون الإصلاح الزراعي ، وهو قانون خجول من زاوية علاقته بالنمو الرأسمالي ، فالنمور الرأسمالي الراديكالي يتطلب إلغاء ملكية الأرض وهو ما طبقته القيادة الصينية بقيادة صن يات صن في الثورة الصينية في العشرة سنوات الثانية من القرن العشرين.
ويصدر الديمقراطي الثوري كتابة السياسي الأول، في سبتمبر 1952، بعنوان الديمقراطية السياسة مقدما برنامجا سياسيا للحركة الوطنية ومعلنا في نهاية الفصل الثاني
"وليست العبرة في نجاح الحكومات بتوفير الكفايات لأعضائها؛ وذلك لأن أي كفاية مهما كانت فذة لا تستطيع أن تنتج شيئًا في بيئة معارضة ساخطة، وكفاءة أقل امتيازًا قد تأتي بالمعجزات إذا أحاطتها بيئة محبة مطمئنة واثقة متعاونة. ومجموع الأمة هو الذي ينتج العبقريات الفردية؛ لأن الأمة هي التي تعمل وتنفذ، وليست للخطط والمشاريع أية قيمة عملية إذا لم تلق استجابة حماسية من جماهير الشعب، والشعب لن يمنح هذا التأييد وتلك الاستجابة إلا إذا أحس بأنه مساهم في تلك المشروعات، عن طريق اشتراكه في توجيه سياسة الدولة العامة، بمزاولته لحقوقه السياسية. وأيه حركة إصلاحية منعزلة عن الشعب لا يمكن أن تؤتي ثمارها كاملة، ولا أن يُضمن لها البقاء."
وليس هنا مجال تتبع المسار السياسي والاجتماعي الذي قاد، عبر فترات زمنية ، إلى تبلور هوية النظام الجديد ، ولكن هذا النظام يحتفظ ، دائما ، بشكل الحكم الذى تبلور واصبح لا يتسع للحركات الشعبية والنقابية المستقلة ولا لأبرز ممثليها ، فيعلن تنازل محمد مندور عن الترشح في انتخابات مجلس نواب 1957 برغم رفضه التنازل وفوز مرشح النظام بالعضوية بالتزكية ، ويجبر الديمقراطي الثوري على الاكتفاء بدورة الأدبي التنويري حيث يقف مدافعا عن الشعر الجديد وداعما للكتاب الجدد في المسرح والأدب القصصي محتضنا لهم ويخوض معارك فكرية كبرى في مواجهة بعض من أبرز الممثلين للتوجهات التي عجزت عن التطور وعن مسايرة العصر أو التي تتبنى توجهات تتجاوب مع بعض توجهات الدولة الغير متجانسة ، الأمر الذي جعل لويس عوض يتغنى بدورة حين يصف وقوفه في الخط الأمامي بصدرة العريض يتلقى الطعنات نيابة عنهم جميعا.
وبرغم أنه كان يؤيد التوجهات الجديدة في التصنيع والتعليم والسياسات الدولية، إلا أنه ينجوا من حملة اعتقالات 1959 بتدخل مباشر من أحد تلاميذه من ضباط الصف الثاني من الضباط الأحرار، الأمر الذي لا يجده لويس عوض أو أحمد رشدي صالح الذين يذهبوا الى المعتقل ليكسروا الحجارة، رغم عدم انتمائهم التنظيمي أو الفكري للمنظمات اليسارية.
ويستمر في جهده الأدبي الرائد، ولكنه يستمر يحلم بدور أوسع في الحياة العامة ويقدم طلبا للسماح له بالترشح في انتخابات 1963 لمجلس النواب يرفض طلبة بدعوى الاحتفاظ به لمهام أخرى!
ويبدو أن هذه المهام الأخرى هي فصلة من جريدة الجمهورية نهاية عام 1964 بدعوى عدم الجمع بين وظيفتين وهو نفس ما ينال أبرز ممثلي النهضة الأدبية الحديثة، أستاذه طه حسين، الذي يفصل هو الأخر.
ويشكل له الفصل عبئا نفسيا كبيرا ويعود من جديد للكتابة بالقطعة في مجلة روز اليوسف، وكأنه ما زال كاتبا صغيرا، وينشر مقالة الأخير بعد وفاته بأزمة قلبية عام 1965 و تتحقق نبوءته.
"أيه حركة إصلاحية منعزلة عن الشعب لا يمكن أن تؤتي ثمارها كاملة، ولا أن يُضمن لها البقاء."



1666522401230.png

تعليقات

الأستاذ خالد محمد مندور، نثمن هذه المتابعات التي تستهدف النبش في المسار الفكري، وللسيرة العطرة لوالدكم المغفور له محمد مندور ، وليس أفيد واجمل للتعرف على الناقد الكبير محمد مندور من تتبع ما يكتب عنه من الأقربين اليه
كل التقدير والاحترام
 
أعلى