د. علي زين العابدين الحسيني - إجازة العلامة الميمني لأحمد راتب النفاخ

جرني الفضول إلى البحث عن هذه النابغة الصغيرة التي ورد ذكرها في كلام للعلامة الأديب عبد الوهاب عزام في كتابه "الشوارد"، حيث زاره شيخٌ رَبـْـعَــةٌ قويٌّ في دار السفارة بكراجي، وكان سفيرًا لمصر في باكستان آنذاك، تكلَّم الرجل معه بلغة عربية فصيحة، فلا يتردد في كلامه، ولا يتوقف عنه، وأخبره أنه مدرِّس لتعليم اللغة العربية في هذه البلاد لغير الناطقين بها، قامت بينهما المودَّة والمحبة، وتعدَّدت الزيارات واللقاءات العلمية، ومما ذكره الأستاذ عبد الوهاب أنَّ له بنتـًا تتكلم العربية، وتتميز لغتها بأنها فصيحة معربة، وأنّه قرأ لها رسالة عربية امتازت بالفصاحة والبيان في كتابتها.
ظلت هذه البنت الصغيرة على عهدها في النبوغ والتفوق، ولها تعلُّــقٌ وشغفٌ بالأدب واللغة، ولدت بمدينة "لكهنو" سنة 1354، ونشأت في "بهوبال"، وأتمت دراستها النظامية بها، وقد عرفت منذ صغرها بجدها وحبها للعربية، فترجمت -وهي في الخامسة عشرة- كتاب "محمد صلى الله عليه وسلم" لتوفيق الحكيم من العربية إلى الأردية.
إنها الأديبة المسندة أستاذتنا الدكتورة عطية بنت خليل بن محمد بن حسين الخزرجية الأنصارية، نالت في "الأدب العربي" بجامعة كراتشي درجتي "الماجستير" سنة 1974م، و"الدكتوراة" سنة 1988م عن أطروحتها "وصف المرأة في الشعر الجاهلي"، وسافرت رحلات علمية إلى السعودية ومصر والأردن وسوريا، وعملت في التدريس في كلية "الملك سعود" بالرياض، و"جامعة كراتشي" حتى عام 2003م، ثم انتقلت بعد تقاعدها للعيش في الإمارات مع بعض أفراد عائلتها إلى أن توفيت ليلة الاثنين الرابع والعشرين من شهر ربيع الأنوار سنة 1437 بمستشفى "راشد" بدبي، ودفنت في مقبرة "الشارقة".
روت الإجازة الحديثية عن أبيها الشيخ خليل بن محمد بن حسين الأنصاري، والشيخ داود بن عبد الجبار الغزنوي، والعلامة الكبير عبد العزيز بن عبد الكريم الميمني الراجكوتي. قال الميمني بعد إيراد أسانيده من طريق جد أبيها: "وقد أجزت للعقيلة عطية بنت صديقي المرحوم الشيخ خليل بن محمد ابن شيخنا الراوية الرحلة المسند حسين بن محسن: أن تروي عنّي ما أرويه عن جد أبيها، وتدعو لنا بالخير والحسنى".
كانت إجازته لها آخر شهر شوال سنة 1393، يوافقه أول ديسمبر سنة 1973م، أي أنه أجازها وهي لم تتجاوز الأربعين سنة من عمرها الحافل بالعطاء والتميز.
ولحسن الحظ أنّها أجازت لي مع جمعٍ من طالبي الإجازة عامة ما لها من مرويات سنة 1431، أي بعد ما يقارب ثمان وثلاثين سنة من إجازة الميمني لها.
وقفتُ فيما بعد على كتاب "الإجازات الهندية وتراجم علمائها" لعمر بن محمد سراج حبيب الله، وهو سعودي الجنسية، إلا أنّ أصوله ترجع إلى بلاد "الهند"، وقد أورد في كتابه إجازة العلامة اللغوي الكبير وخبير التحقيق وفارس المخطوطات عبد العزيز بن عبد الكريم الميمني للعلامة اللوذعي والأديب المحقق شيخ عربية عصره ومصره أحمد راتب النفاخ، وهو من مواليد مدينة "دمشق" سنة 1345 من أسرة عريقة، أجازه العلامة الميمني منتصف صفر الخير سنة 1380 كما كتب ذلك بخطه في أعلى الإجازة، ومما لفت انتباهي وصف الميمني له في هذا السن المبكر بـــــ"الأديب"، وذكر أنه اجتمع به في القاهرة المحروسة، ودمشق الفيحاء مرتين، وقرأ عليه في رحلته باب "كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" من الجامع الصحيح للإمام البخاري، وأسعفه بمطلوبه تحقيقاً لظنه ومرغوبه، إلا أنه يلاحظ أن هذه الإجازة كتبها بميناء "كراجي" بعيداً عن القاهرة أو دمشق، كما صرح الميمني بذلك في قوله: "وكتب: العاجز عبد العزيز بن الحاج عبد الكريم الميمني بميناء "كراجي"، بعد منصرفه من رحلة دمشق في التاريخ المذكور أعلاه، يوم الاثنين بخط يده الفانية، بعد 54 عاماً، والحمد لله أولاً وآخراً".
ونظراً لأن مصدر هذه الإجازة غير معروف، ولم يشر إليه جامع هذه الإجازات، وهو من الأشياء التي تؤخذ على كتابه، فلا يعرف هل وصلت هذه الإجازة فيما بعد للأستاذ أحمد راتب النفاخ أم لا، وأقوى الاحتمالات وقوف الجامع للإجازات الهندية عليها في بلاد الهند، كما أني لا أعلم أحداً أجازه العلامة أحمد راتب النفاخ، وبالتالي لا يعرف طريق يوصلنا إليه، وليت من عنده مزيد معلومات بهذا الصدد أن يفيدنا.
وعلى كلّ فقد أردت من ذكر هاتين الإجازتين التدليل على القراءات المتنوعة التي كان يحظى بها أدباء القرن الماضي، فتلك امرأة محصلة مشتغلة بالأدب، وهذا رجل عاكف على التحقيق العلمي ودراسة النصوص اللغوية والمخطوطات، ومع ذلك لم يشغلهما تخصصهما الدقيق عن القراءة في كتب السنة الشريفة، والاتصال بأصحاب الإجازات والسماع، كما أنه من ناحية أخرى تكشف لنا مثل هذه القراءات مدى ارتباط علماء البلدان بعضهم البعض، وانتهاز الفرص للقاء أهل العلم والأخذ عنهم مباشرة، وتلك فضيلةٌ كبرى يجب الالتفات إليها من الناشئة والمتأدبين.


د. علي زين العابدين الحسيني - أديب وكاتب أزهري

المقال الأسبوعي بجريدة الأمة العربية


1669511617006.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى