للذاكرة طرقها العجيبة. فقد تنسى أسماء معلمين كثيرين، وتنسى عشرات الدروس التي اجتزت بها الامتحانات، لكنها تحتفظ بجملة واحدة، قيلت ذات صباح داخل قسم متواضع، فتظل ترن في أذنك كلما أمسكت قلمًا.
ومن الجمل التي نجت من غبار السنين، عبارة أستاذ اللغة العربية بالأقسام الإعدادية بثانوية كاشكاط باليوسفية، سي الهرموشي، وهو يردد بصوته الجهوري:
ما يشد هو وهي غير ولد الرزية.
لم أكن يومها أفهم لماذا اختار ولد الرزية بالذات ليحمل وزر الشدة، لكنني كنت أعلم أن من يجرؤ على وضعها فوق الواو أو الياء، فقد حكم على ظهره أن يتلقى درسًا إضافيًا، لا علاقة له بالنحو، بل بفنون التربية كما كانت تُمارس في ذلك الزمن الجميل… أو القاسي، بحسب موقعك من قبضة الأستاذ.
كان بيننا زميل اسمه عبد الواحد، جاء من الدوار محمّلًا بما أخذه عن الفقيه في الكتاب القرآني. كان يحفظ القرآن بإتقان، ويحترم اللغة حدَّ العناد. لم يكن يقتنع بسهولة، وإذا اقتنع بشيء دافع عنه كأنه يدافع عن قضية وطنية.
كان يكتب الضميرين الغائبين هكذا: هُوَّ وهِيَّ.
ثم يلتفت إليّ مبتسمًا، وينطقهما ببطء وهو يبالغ في ضم شفتيه وإطالة الصوت:
– ألا تسمع؟ هُوَّ… هِيَّ… كيف لا تكون فيهما شدة؟
وكنت، في قرارة نفسي، أجد في منطقه شيئًا من الوجاهة. فالأذن تخدع أحيانًا أكثر مما تهدي. لكنني كنت أؤمن أيضًا بأن الأستاذ لا يناقش الأذن، وإنما يناقش الدفتر، وأن الدفتر لا ينجو إذا خالف القاعدة.
لهذا كنت أكتب هو و هي بلا شدة، لا لأنني كنت أفهم أسرار الصرف، ولكن لأن غريزة البقاء كانت أقوى من الفضول اللغوي.
أما عبد الواحد، فلم يكن من الذين يتراجعون.
وحين ضاق سي الهرموشي بإصراره، طوى ذراعه قليلًا، ثم أنزل على أعلى ظهره لكمة تربوية، وهو يردد عبارته التي تحولت إلى مثلٍ مدرسي:
راه كنقول ليك ديما… ما يشد هو وهي غير ولد الرزية!
خرجت من عبد الواحد آهة واحدة، لكنها كانت من البلاغة بحيث اختصرت كل أبواب النحو، وربما كانت الشدة الوحيدة التي استقرت يومها ، لا فوق الواو والياء، بل فوق ظهر المسكين.
كنا نضحك، ويضحك هو بعد قليل، وكأن الأمر جزء من طقوس المدرسة المغربية في زمن كانت فيه الأخطاء الإملائية تُصحح أحيانًا بقوة العضلات، لا بالحجج اللغوية.
ومرت الأعوام…
كبرنا، وتغيرت المدارس، واختفت تقريبًا تلك العبارات الشعبية التي كان الفقهاء والمعلمون يرددونها لتثبيت القواعد في الأذهان. ولم يعد أحد يسخر ممن يخطئ في شد هو وهي ، لأن الناس أصبحوا يخطئون في ما هو أكبر من الشدة، ولم يعد أحد يجد الوقت ليصححهم.
أما أنا، فقد ظل السؤال يرافقني سنوات طويلة: لماذا لا تُشد الواو في هو ، ولا الياء في هي ، مع أننا نكاد نسمع فيهما أثر التشديد؟
ثم عرفت، بعد زمن، أن اللغة ليست دائمًا ابنة الأذن، بل ابنة القاعدة.
فالواو والياء في هذين الضميرين حرفان أصيلان في بنية الكلمة، وليسا حرفين اندمجا حتى يستحقا الشدة. والشدة في العربية ليست زينة توضع حيث يشتد النطق، وإنما علامة لها أسبابها الصرفية الدقيقة، تأتي إذا التقى حرفان متماثلان أو اقتضتها بنية الكلمة، وهو ما لا ينطبق على هو وهي.
ضحكت حينها، وتذكرت عبد الواحد.
ربما لو جلس سي الهرموشي يومًا يشرح له هذه القاعدة بهدوء، لاقتنع. وربما ما كان ليقتنع أيضًا، لأن بعض الناس لا يغيرون قناعاتهم إلا إذا أقنعتهم الحياة نفسها.
ولا أعرف أين أصبح عبد الواحد اليوم، ذلك الفتى العنيد المتفوق، لكنني كلما كتبت هو أو هي بلا شدة، حضر في ذاكرتي حاضرًا أكثر من كثيرين. وأوقن أن الرجل، مهما فرقتنا السنوات، لم يكن يومًا ولد الرزية ، بل كان ولد سؤال جميل، جعلني أبحث عن جواب ظل يؤجل نفسه حتى كبرنا.
وهكذا بقيت القاعدة في ذهني، لا لأن كتب النحو أقنعتني بها، بل لأن الذاكرة احتفظت بها ملفوفة بابتسامة، وآهة، ولكمة خفيفة، وصوت سي الهرموشي وهو يعلن، بكل يقين أهل ذلك الزمان:
ما يشد هو وهي غير ولد الرزية.
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
ومن الجمل التي نجت من غبار السنين، عبارة أستاذ اللغة العربية بالأقسام الإعدادية بثانوية كاشكاط باليوسفية، سي الهرموشي، وهو يردد بصوته الجهوري:
ما يشد هو وهي غير ولد الرزية.
لم أكن يومها أفهم لماذا اختار ولد الرزية بالذات ليحمل وزر الشدة، لكنني كنت أعلم أن من يجرؤ على وضعها فوق الواو أو الياء، فقد حكم على ظهره أن يتلقى درسًا إضافيًا، لا علاقة له بالنحو، بل بفنون التربية كما كانت تُمارس في ذلك الزمن الجميل… أو القاسي، بحسب موقعك من قبضة الأستاذ.
كان بيننا زميل اسمه عبد الواحد، جاء من الدوار محمّلًا بما أخذه عن الفقيه في الكتاب القرآني. كان يحفظ القرآن بإتقان، ويحترم اللغة حدَّ العناد. لم يكن يقتنع بسهولة، وإذا اقتنع بشيء دافع عنه كأنه يدافع عن قضية وطنية.
كان يكتب الضميرين الغائبين هكذا: هُوَّ وهِيَّ.
ثم يلتفت إليّ مبتسمًا، وينطقهما ببطء وهو يبالغ في ضم شفتيه وإطالة الصوت:
– ألا تسمع؟ هُوَّ… هِيَّ… كيف لا تكون فيهما شدة؟
وكنت، في قرارة نفسي، أجد في منطقه شيئًا من الوجاهة. فالأذن تخدع أحيانًا أكثر مما تهدي. لكنني كنت أؤمن أيضًا بأن الأستاذ لا يناقش الأذن، وإنما يناقش الدفتر، وأن الدفتر لا ينجو إذا خالف القاعدة.
لهذا كنت أكتب هو و هي بلا شدة، لا لأنني كنت أفهم أسرار الصرف، ولكن لأن غريزة البقاء كانت أقوى من الفضول اللغوي.
أما عبد الواحد، فلم يكن من الذين يتراجعون.
وحين ضاق سي الهرموشي بإصراره، طوى ذراعه قليلًا، ثم أنزل على أعلى ظهره لكمة تربوية، وهو يردد عبارته التي تحولت إلى مثلٍ مدرسي:
راه كنقول ليك ديما… ما يشد هو وهي غير ولد الرزية!
خرجت من عبد الواحد آهة واحدة، لكنها كانت من البلاغة بحيث اختصرت كل أبواب النحو، وربما كانت الشدة الوحيدة التي استقرت يومها ، لا فوق الواو والياء، بل فوق ظهر المسكين.
كنا نضحك، ويضحك هو بعد قليل، وكأن الأمر جزء من طقوس المدرسة المغربية في زمن كانت فيه الأخطاء الإملائية تُصحح أحيانًا بقوة العضلات، لا بالحجج اللغوية.
ومرت الأعوام…
كبرنا، وتغيرت المدارس، واختفت تقريبًا تلك العبارات الشعبية التي كان الفقهاء والمعلمون يرددونها لتثبيت القواعد في الأذهان. ولم يعد أحد يسخر ممن يخطئ في شد هو وهي ، لأن الناس أصبحوا يخطئون في ما هو أكبر من الشدة، ولم يعد أحد يجد الوقت ليصححهم.
أما أنا، فقد ظل السؤال يرافقني سنوات طويلة: لماذا لا تُشد الواو في هو ، ولا الياء في هي ، مع أننا نكاد نسمع فيهما أثر التشديد؟
ثم عرفت، بعد زمن، أن اللغة ليست دائمًا ابنة الأذن، بل ابنة القاعدة.
فالواو والياء في هذين الضميرين حرفان أصيلان في بنية الكلمة، وليسا حرفين اندمجا حتى يستحقا الشدة. والشدة في العربية ليست زينة توضع حيث يشتد النطق، وإنما علامة لها أسبابها الصرفية الدقيقة، تأتي إذا التقى حرفان متماثلان أو اقتضتها بنية الكلمة، وهو ما لا ينطبق على هو وهي.
ضحكت حينها، وتذكرت عبد الواحد.
ربما لو جلس سي الهرموشي يومًا يشرح له هذه القاعدة بهدوء، لاقتنع. وربما ما كان ليقتنع أيضًا، لأن بعض الناس لا يغيرون قناعاتهم إلا إذا أقنعتهم الحياة نفسها.
ولا أعرف أين أصبح عبد الواحد اليوم، ذلك الفتى العنيد المتفوق، لكنني كلما كتبت هو أو هي بلا شدة، حضر في ذاكرتي حاضرًا أكثر من كثيرين. وأوقن أن الرجل، مهما فرقتنا السنوات، لم يكن يومًا ولد الرزية ، بل كان ولد سؤال جميل، جعلني أبحث عن جواب ظل يؤجل نفسه حتى كبرنا.
وهكذا بقيت القاعدة في ذهني، لا لأن كتب النحو أقنعتني بها، بل لأن الذاكرة احتفظت بها ملفوفة بابتسامة، وآهة، ولكمة خفيفة، وصوت سي الهرموشي وهو يعلن، بكل يقين أهل ذلك الزمان:
ما يشد هو وهي غير ولد الرزية.
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي