خير جليس أ. د. لطفي منصور - إعارَةُ الْكُتُبِ وَمَوْقِفِ الْعُلَماءِ الْمُسْلِمينَ مِنْها:

شَيْءٌ إيجابِيٌّ أَنْ يُعِيرَ إنْسانٌ يَمْتَلِكُ كُتُبًا بَعْضَ كُتُبِهِ لِأَصْدِقائِهِ وَمَعارِفِهِ وَزُمَلائِهِ وَطُلّابِهِ أوِ الْمُحْتاجِينَ ضَرورَةً.
الْمُهِمُّ أَنْ تَكُونَ الْإعارَةُ لِزَمَنٍ مُحَدَّدٍ، ثُمَّ يُعادُ الْكِتابُ إلَى صاحِبِهِ سَليمًا نَظيِفًا، خالِيًا مِنَ طَيِّ الْأَوْراقِ أَوِ الْغِلافِ وَالْخَرْبَشاتِ أوِ التَّلْخيصاتِ الزّائِدَةِ، وَالْخُطوطِ الْعَشْوائِيَّةِ بَيْنَ السُّطورِ، أوْ في ذُيولِ الْكِتابِ وَهَوامِشِهِ.
لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَسْتَعِيرُ كِتابًا يُحافِظُ عَلَيْهِ كَما يَجِبُ لِأَنَّ قِيَمَةَ الْكِتابِ النّادِرِ خاصَّةً لا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ ، وَلا بَدِيلَ لَهُ.
أَقُولُ كَمُجَرِّبٍ عانَى كَثيرًا مِنَ الْإعاراتِ، لَقَدْ فَقَدْتُ كُتُبًا أَعَرْتُها، مِنْها ما عُوِّضَ وَمِنْها لّمْ يُعَوَّضْ. وَكُتُبًا أُرْجِعَتْ لي بَعْدَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ، وَقَدْ قُرِضَتْ أَطْرافُها، وَتَلَطَّخَتْ أَغْلِفَتُها بِبُقَعِ الزَّيْتِ. وَأمّا عَنِ الْخَرْبشاتِ فَحَدِّثْ وَلا حَرَجَ، فَقَدْ شُوِّهَتِ الْكُتُبُ بِخُطُوطٍ مِنْ كُلِّ الْأَلْوانِ .
أُوصي كُلَّ مَنْ يُعَيرُ كُتُبًا أَفْرادًا أوْ مُؤَسَّساتٍ أنْ يُسَجٍّلَ اسْمَ الْمُسْتَعِيرِ الْكامِلِ ، وَعُنْوانَهُ الْكامِلَ، وَرَقْمَ هاتِفِهِ، ثُمَّ يُوَقِّعُ عَلَى تَسَلُّمِهِ الْكِتابَ، والْمَوْعِدِ الْمُحَدَّدِ لِإعادَةِ الْكِتابِ.
إِعارَةُ الْكُتُبِ مِنْ ضَرورِيّاتِ تَشْجِيعِ الْقِراءَةِ، وَنَشْرِ الثَّقافَةِ. وَقَدْ كانَ عُلَماؤُنا الْأَفاضِلُ يُعيرونَ طَلّابَهُمُ كُتُبَهَمْ لِيَسْتَنْسِخًُوها أوْ يَرْوُوها عَنْ شُيوخِهِمْ.
هَذِهِ الْإعارَةُ هِيَ طَريقَةٌ مِنْ طُرُقَ تَحَمُّلِ الْعِلْمِ، وَتُسَمَّى الْمُناوَلَةَ. وَفيها يَقُولُ الشَّيْخُ لِتِلْميذِهِ: "ناوَلْتُكَ كِتابي أوْ كُتُبي لِتَرْوِيَها عَنِّي" وَتُسَمَّى هَذِهِ الشَّهادَةُ مِنَ الشَّيْخِ "لَهُ حَقُّ الرِّوايَةِ". وهي تُقابِلُ اللَّقَبَ الْجامِعِيَّ الْأَوَّلَ bachelor’s degree .
وَفي مُطالَعاتي في كِتابِ "مِلْءُ الْعَيْبَةِ" لمحمّدِ بْنِ عُمَرَ السَّبْتِي، ص: ١٩١ عَثَرْتُ عَلْى أَبْياتٍ نادِرَةٍ لِشاعِرٍ عراقِيٍّ يُدْعَى "خَميسٌ الْحَوْزِي"وَهُوَ مِنْ شُعَراءِ خَرِيدَةِ الْعَصْرِ لِلْعِمادِ الأصْفَهانِيِّ يَقولُ فيها: مِنَ السَّريع
كُتْبِي لِأْهْلِ الْعِلْمِ مَبْذُولَةٌ
أَيْدِيهِمُ مِثْلُ يَدِي فِيها
مَتَى أَرادُوها بِلا مِنَّةٍ
عارِيَةً فَلْيَسْتَعِيرُوها
حاشايَ أَنْ أُخْفِيَها عَنْهُمُ
بُخْلًا كَما غَيْرِيَ يُخْفِيها
أَعارَنا أَشْياخُنا كُتْبَهُمْ
وَسُنَّةَ الْأَشْياخِ نُمْضِيِها
إذًا سُنَّةُ الْعُلَماءِ هِيَ الْماضِيَةُ لِأَهْلِ الْعِلْمِ الَّذينَ يُقَدِّرونَ قِيمَةَ الْكِتابِ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى