أ. د. عادل الأسطة - سهرة مع إلياس خوري وروايته " رجل يشبهني " ٣

أعتقد أن الكتابة عن رواية الكاتب إلياس خوري «رجل يشبهني» (٢٠٢٣)، وهي الجزء الثالث من ثلاثيته «أولاد الغيتو» - حسب ما ذهب هو، وقد يكون لي رأي آخر -، أعتقد أن الكتابة عنها تتطلب قراءتها قراءة دارس لا قراءة قارئ، شأنها شأن الجزأين السابقين، فكتابة القارئ عنها قد توقعه في مزالق عديدة، وللتأكد مما سبق يمكن مراجعة ما كتبه متلقو «أولاد الغيتو: اسمي آدم» و «أولاد الغيتو: نجمة البحر» والوقوف أمامه.
وأعتقد أيضاً أن ما يجدر الالتفات إليه أيضاً هو موقف القراء من ثلاثية الكاتب بعامة، وأظن أن هؤلاء سينقسمون فيما بينهم، فمنهم من سيثمن الرواية فنياً، ومنهم من سيرى أنها أربكته ودفعته إلى التساؤل إن كان الكاتب يكتب لنخبة النخبة، فالرواية التي تحقق المتعة والمعرفة في صفحات، تشعر بالضجر في صفحات أخرى.
وإذا كانت الصفحات الأولى، وهي واضحة ومفهومة، تحثه على المتابعة، لتوفر عناصر عديدة فيها مثل التشويق والإثارة والغرائبية والدهشة وأحياناً الغموض، فإن الصفحات الثانية التي تشعر بالضجر قد تدفعه إلى وضع الرواية جانباً وعدم إكمالها، وأعني هنا الصفحات التي يتساءل فيها الراوي/ السارد/ الشخصية آدم حسن دنون عن الأدب وفهمه وجدواه وأهميته ووظيفته وشياطينه، الصفحات التي تكثر فيها الإحالة إلى مراجع أدبية وأبيات شعرية بخاصة من الشعر العربي القديم.
عندما كتبت عن الجزء الأول «أولاد الغيتو: اسمي آدم» تساءلت: لمن يكتب الروائي؟ واستشهدت بآراء كتاب وروائيين منهم خليل بيدس وتوفيق الحكيم اللذين ذهبا إلى أن الروائي يكتب للقراء بعامة ويجب عليه أن يخفي صنعته وما بذله من جهد في الكتابة، تماماً مثل الراقصة التي يريد الجمهور أن يستمتع بحركاتها لا أن يعرف الجهد الذي بذلته في تعلم فن الرقص.
حقاً إنني سحرت بالرواية التي أدهشتني وسحرني أسلوبها، ودليلي على ذلك أنني واصلت قراءتها دون شعور بالملل وأجهزت عليها في أربعة أيام، إلا أن ما لم يفارقني هو الأسئلة الآتية:
- ماذا سيقول قارئ الروايات العادي؟
- هل سيتابع قراءتها حتى نهايتها؟
- هل ستهمه كثيراً الصفحات التي توقف فيها الكاتب أمام قضايا نظرية؟
الأسئلة السابقة دفعتني أيضاً إلى التساؤل عن القارئ الذي فكر فيه إلياس خوري وهو يكتب، فمن المؤكد أنه تابع تلقي الجزأين السابقين على غير صعيد؛ التلقي النقدي وتعدد الطبعات ثم الترجمة إلى لغات أخرى وتلقي الترجمات من القراء غير العرب.
لقد ترجمت «أولاد الغيتو: اسمي آدم» إلى غير لغة، ولا أعرف إن كان صدر منها طبعات شعبية، وصدور الطبعات الشعبية من أي عمل روائي يعني أنه حقق انتشاراً واسعا وتلقاه القارئ الناقد والقارئ العادي.
يحتاج ما سبق إلى متابعة الدارسين الترجمات المختلفة وتلقيها وطبعاتها أيضاً، ولكنا هنا يمكن أن ننجز ذلك عربياً، فنتابع التلقي النقدي للجزأين الأول والثاني وعدد طبعاتهما.
إلياس خوري كاتب احترف كتابة الرواية، وجاء احترافه بعد قراءة الرواية العربية والعالمية والفلسطينية وبعد سؤاله عن مكانة ما يكتبه في ضوء الروايات السابقة، وليس أدل على ذلك من اكتناز رواياته بأبعاد
معرفية كان للرواية نصيب منها؛ بخاصة الرواية العالمية والفلسطينية والعبرية أيضاً. إن رواياته تحفل بتناصات روائية، وكونه يكتب في الموضوع الفلسطيني فإنه يواصل ما بدأه أعلام هذه الرواية المؤسسون ويبني رواياته على ما كتبوا، وكون الموضوع الفلسطيني موضوع صراع بين طرفين وأكثر، فإن قراءة رواية الطرف الآخر تبدو ضرورة، وهكذا تحضر لا للأخذ بها وإنما لفهمها ودحضها، وإذا كنت في كتابي «أسئلة الرواية العربية» أولاد الغيتو: اسمي آدم» قد درست ظاهرة التناص مع الرواية العبرية، وإذا كان الجزآن الثاني والثالث لا يبتعدان عن الموضوع الفلسطيني، فإن التناص مع الرواية العبرية يتواصل، وهذه المرة مع روايات عبرية مختلفة مثل رواية سامي ميخائيل «حسوت/ الملجأ» التي يستلهم فيها رموزاً أدبية وسياسية فلسطينية مثل سميح القاسم ومحمود درويش وصليبا خميس.
هل رواية «رجل يشبهني» هي رواية أفكار أم رواية موضوع أم رواية شخصيات أم رواية مكان؟ أم أنها رواية جمالية ما يهم فيها هو أولوية الشكل، فالمعاني مطروحة في الطريق، والموضوع الفلسطيني كتب فيه عشرات الروائيين الفلسطينيين والعرب إن لم يكن المئات؟
عندما فرغت من قراءة الرواية قلت: إن الروائي إلياس خوري يعد العلامة الرابعة في الرواية الفلسطينية، وكان المرحوم فاروق وادي أصدر كتاباً عنوانه «ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية: كنفاني وحبيبي وجبرا»، وحتى اللحظة ما زال كثيرون يتوقفون أمام هذه العلامات الثلاث وكأنها أغلقت باب الرواية الفلسطينية وراءها!!
الموضوع يحتاج إلى تفكير.

عادل الأسطة
2023-01-08

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى