أ. د. عادل الأسطة - الشرق والغرب في رواية عبدالرحمن منيف "شرق المتوسط"

لم يهيأ لي الاطلاع على الدراسات كلها التي تناولت نصوص عبد الرحمن منيف الروائية، تماما كما لم تسنح لي الظروف بقراءة الدراسات التي أتى مؤلفوها فيها على ثنائية الشرق والغرب في الرواية العربية ، أو على جانب واحد منها - أعني جانب الشرق أو جانب الغرب.

ولقد لفت هذا الموضوع نظر دارسين كثر، فكتب فيه دارسون أوربيون مثل (روتراود فيلاندت) الأستاذة في جامعة (بامبرغ) في المانيا، والأستاذ خليل الشيخ المدرس في جامعة اليرموك، والناقد اللبناني جورج طرابيشي. ولم يأت أثنان من هؤلاء على معالجة رواية "شرق المتوسط" ، ولم أطلع على دراسة الشيخ لأعرف ان كان أتى عليها. وقد يكون السبب في اهمالها عائدا الى أن رجبا وأنيسة، وهما الشخصيتان اللتان تقصان، لم يأتيا على وصف الغرب الا لماما ، واذا ما أجرينا عملية حسابية فسنلاحظ أن ذكر الغرب لم يتجاوز خمس صفحات من صفحات الرواية البالغة مائة وستا وسبعين صفحة.

ولم يلتفت الدارسون الذين تناولوا رواية "شرق المتوسط" ، وهم كثر ومنهم محمود أمين العالم وجورج طراببيشي وكاتب هذه المقالة وعلي الراعي، الى الكتابة عن هذه الثنائية كتابة فيها قدر من التفصيل، ولا أعرف ان كانت ثمة دراسات ركزت عليها. وسوف أقف، في هذه المقالة، أمامها، وذلك لاعتقادي انها - أي ثنائية الشرق والغرب- عولجت من منظور مغاير كليا لكثير من الروايات التي عالج مؤلفوها فيها صورة الغرب وصورة الشرق، مثل رواية "عصفور من الشرق" (1937) وقصة "قنديل ام هاشم" (1944) ورواية "الحي اللاتيني " (1953) ورواية "موسم الهجرة الى الشمال" (1966).

لقد اختار الحكيم انسانا مثقفا هو الحكيم نفسه، ودارت احداث الرواية في باريس، في الثلاثينات من هذا القرن، ولم يأت، الا لماما، على ذكر الاوروبي بوصفه مستعمرا. وكتب يحيى حقي قصته عن طالب يخفق في الحصول على مقعد جامعي في بلاده، فيسافر، بناء على ذلك، الى اوروبا ليتخصص في طب العيون، وتتشابه هذه القصة مع رواية منيف في انها تقص عن الشرق وتخلفه اجتماعيا اكثر بكثير مما تقص عن الغرب الذي لا نعرف عنه الا من خلال استرجاع اسماعيل ، وهو عائد الى بلاده على ظهر السفينة، لحياته في لندن. ويقص سهيل ادريس ايضا عن مثقف لبناني يسافر الى باريس للحصول على شهادة الدكتوارة في الادب العربي يشجعه على ذلك رغبة ملحة للالتقاء بالمرأة التقاء بعيدا عن الرقابة الاجتماعية، ويتشابه الى حد ما مع بطل الطيب صالح الذي يحصل من لندن على شهادة الدكتوراة، وان اختلفا اختلافا بينا، حيث يتذكر مصطفى سعيد ما فعله المستعمرون في بلاده السودان بخاصة والشرق بعامة.

لقد أقام ابطال هذه الروايات في الغرب مدة طويلة تراوحت بين عام وسبعة، خبروا فيها حياة الغرب فتعرفوا على النساء وعاشروهن، وزاروا المحاضرات والتقوا بالاساتذة وساروا في الشوارع وشاهدوا المسرحيات. ولم تكن حياتهم في الشرق، اذا ما قيست بتجربة رجب اسماعيل في "شرق المتوسط" ، صعبة مريرة لدرجة لا تتصور. ولقد عاد هؤلاء الى بلادهم وانسجموا مع مجتمعهم، حتى لتبدو ثورة بعضهم على الشرق ثورة الشاب المحروم جنسيا حتى اذا ما روى ظمأه وغليله بدا له الشرق مجتمعا عاديا غير متخلف.

يختار منيف في روايته شخصية مغايرة لشخصيات الروايات المذكورة. فرجب لا يذهب الى الغرب من أجل اتمام تعليمه او ارواء ظمأه الجنسي، وإنما من أجل ان يتعالج هناك بعد أن أصيب، وهو في السجن، بالروماتيزم. وينفق هناك ثلاثة شهور يتعالج فيها، دون أن ينسى النظام رجبا، فيرسل في طلبه، ويعود ليواجه مصيره، ولتتواصل رحلة العذاب حتى يلقى حتفه.

يحضر الشرق في الرواية حضور تجربة رجب في السجن، تماما كما يحضر الغرب حضور رجب في الغرب. وكما ذكرت ابتداء فان قص رجب وأنيسه عن الشرق يحتل المساحة الأكبر. ثمة تواز بين مساحة الكلام والفترة الزمنية التي ينفقها رجب في كلا العالمين. وعلى الرغم من أن "شرق المتوسط" ليست اولى نصوص منيف التي تأتي على هذه الثنائية - اذ بدت في رواية "الأشجار واغتيال مرزوق" (1973) ووقف عندها جورج طرابيشي في كتابه "شرق وغرب، رجولة وانوثة" (1977) وقفة سريعة عابرة عبور حضور الغرب فيها ايضا - إلا أنها كتبت عنها بطريقة مغايرة الى حد ما. لقد كتب منيف "الأشجار…" عام 1971 وكتب "شرق المتوسط" عام 1972، وهكذا لا يبدو ثمة فارق زمني كتابي كبير، وانعكس هذا بدوره على النغمة العامة للروايتين، بخاصة فيما يتعلق بنظرة بطلي الروايتين للشرق والغرب. لقد كتبت في 28/4/1987 مقالة نشرتها في جريدة "الشعب" المقدسية، وذهبت فيها الى ان زكي النداوي في "حين تركنا الجسر" ومنصور عبد السلام في "الأشجار واغتيال مرزوق" قد خرجا من معطف رجب اسماعيل، وان كانت "شرق المتوسط" نشرت متأخرة عن "الاشجار..". ويخيل الى ان منيف كان يفكر في الروايتين في آن واحد، حتى اذا ما فرغ من تدوين الاولى بدأ، مباشرة ، بكتابة الثانية.

يتجسد الكلام الذي يرد على لسان منصور فعليا في رواية "شرق المتوسط" وتبدو عبارته، وهو يخاطب الاوروبيين الذين يعمل معهم، : "الشرق موطن الاحتمال. لقد تحول الشرق الى حمار" (340) ورد راؤول عليه: "اذهب انت وشرقك الى الجحيم ، أليس عندك سوى هذه القصص المملة، ترددها دون تعب " السجن، التعذيب، البطالة، الاضطهاد، لقد سمعنا هذه القصص في كل الليالي، منذ أربعة شهور وحتى الان، والليلة نريد أن نتذكر نحن " باريس ، باريس الملونة التي تضج بالضحكات والقبل، باريس النساء. كل امرأة تعادل شرقك كله ! "تبدو عبارة منصور ملخصا لرواية "شرق المتوسط" التي استطردت في وصف الشرق المتحول الى حمار، وفيها يقرأ المرء بالتفصيل عن السجن والتعذيب والاضطهاد، وفيها ايضا يقرأ بإيجاز عن باريس.

حقا ان منصور عبد السلام يعاني وهو في الشرق مثله مثل رجب اسماعيل، وانهما يتشابهان ايضا في موقفهما من الشرق ومن الغرب، الا ان رحلتهما كانت معكوسة. عاد الاول الى الشرق بعد ان انهى دراسته في الغرب، وهو هنا يتشابه وابطال الروايات المذكورة آنفا، عاد ليكتشف بؤس الشرق ودكتاتورية حكامه، أما رجب فقد ذهب الى الغرب بعد ان رأى وخبر وانفق خمس سنوات من عمره في السجون لاقى، خلالها، من التعذيب أقساه وأوحشه. ولقد بدا الشرق لكليهما ذا بعد واحد: الشرق القمعي، وخلافا له بدا لهما الغرب: عالم الحرية.

ختلف "شرق المتوسط" اذن عن الروايات السابقة في منظور بطلها الذي كان ذا موقع فكري وسياسي مغاير، وبناء عليه عاش تجربة مغايرة لم يمر بها اي بطل غيره. ويختلف عنهم ايضا في انه كان ضحية لانظمة الاستقلال الشكلي، فليس في الرواية ما يشير الى استعمار اوروبي لاقطار شرق المتوسط. وهكذا، مدفوعا بتجربة السجن وبتجربة قصيرة جدا أنفقها في الغرب، تجربة لم يخبر فيها الغرب خبرة كافية، يقارن بين هذين العالمين.

ولا يحتاج المرء، حتى يظهر صورة الشرق، الى الكتابة عنها بالتفصيل، اذ ليس افضل من قراءة الرواية لرؤية تلك الصورة الموحشة المرعبة لدرجة الغثيان، الشرق الذي " لا يلد الا المسوخ والجراء"، الشرق الذي يبدو فيه الانسان "أرخص الاشياء، أعقاب السجائر أغلى منه". ويبدو الشرق عموما مجسدا في السجان والسجين، الجلاد والضحية، السادي والالعوبة. وخلافا له يبدو الغرب.

يخبر رجب الغرب، ابتداء ، وهو على ظهر السفينة التي تقله الى الغرب، حيث يقابل نماذج اوربية تقص عليه احيانا عن رحلتها، ومن ضمن النماذج امرأة "لها وجه الاطفال وجرأتهم، وفيها عنادهم" (82)، وتحاوره هذه بأدب جم، فيعرف انها مسافرة الى بريطانيا، وانها طالبة، ولا يقطع حوارهما سوى رجل ينضم اليهما ليبدي رأيه في الطليان الذين" اذا رأوا واحدا لا يعرف لغتهم سرقوه، ضحكوا عليه… انهم خبثاء" (83).

ويبصر رجب ، على ظهر السفينة ايضا، امرأة سويدية تحمل، من شاطيء المتوسط الشرقي، ثلاثة كناريات صفراء في قفص كبير، وتبتسم المرأة له حين تراه ينظر، بدهشة، الى طيورها ، فيما بدأ هو يقارن بين سلوك الانسان في "شرق المتوسط" وسلوكه في غربه: "أشيلوس، هل تقولين لهذه السويدية التي تنام الان في فراش دافيء وتحلم بطيورها، إني أكره كل الطيور، وان نظرات الأمس كانت تشفيا ملعونا ؟ هل تقولين لها يا أشيلوس ؟ "

"كنت اتمزق من الالم، كنت اريد ان أبكي، رأيتها ما تزال تقفز، هل كانت تقفز من الخوف، من الفرح ؟ كانت تقفز، تغرد …نورى (وهو السجان) يحب طيوره، يطعمها بيديه .." (ص 97).

ثمة عالمان متغايران، عالمان مختلفان اختلافا كليا. وكلما رأى رجب شيئا من عالم الغرب تذكر نقيضه في الشرق، حتى ليبدو الشرق شرا مطلقا والغرب خيرا مطلقا. "شاطيء المتوسط لا يلد الا المسوخ والجراء … سيظل ذاك الشاطيء يقذف كل يوم عشرات الجراء، مئات الجراء، وحتى لو وصلت أعدادهم الى الآلاف ، فستظل جراء تعوي في السراديب، أو تموت في المزابل ، لأنها تريد ذلك" (100). يتذكر رجب هذه الصورة للشرق، وحين يبصر الناس في الغرب يستغرب "كيف يضحك الناس، كيف يقفزون على رؤوس اصابعهم كأنهم الطيور الفرحة. المسنون .. الا يموتون هنا ؟ كل واحد منهم ، يحمل فوق كتفه مئات السنين. يحملها بقوة متباهية، ويسير بها وسط الثلوج والزحام، بلا خوف. وأنت يا بلاد الشاطيء الشرقي، بدءا من ضفاف البحر وحتى أعماق الصحراء ، لماذا لا تتركين بشرك يصلون الى سن الشيخوخة ؟ "(140).

يرى رجب أناسا فرحين ، يراهم على ظهر السفينة وفي مرسيليا وفي باريس، ويرى أمورا اعجب : "الأحزاب لها مراكز مكتوبة عليها الأسماء بوضوح. يدخلها الناس دون خوف. يدخلون دون أن ينظروا وراءهم، ويتكلمون في الشارع ، وبصوت عال .. أما الجرائد فانها تنشر كل شيء.. الافكار وحوادث القتل والطرق الحديثة في العلاقات الجنسية.. والناس يقرأون .. أما الكتب فلا بد أن الانسان يعجز عن معرفة ما يصدر منها، لكثرتها.

على ضفاف السين آلاف الكتب، ملايين الكتب .. كانت عيوني تمر على العناوين، وما تكاد تستقر على عنوان حتى أرتجف، أتلفت ، لا أريد أن يراني أحد " (155).

ويبدو السؤال : لماذا تنتاب رجب هذه الحالة ؟ ذا جواب واضح. إنه يرد على لسان رجب نفسه : "وجدنا لدى تفتيش بيت الموقوف "الأدوات الجرمية المرفقة … ويذكرون اسماء الكتب.." ويخاطب رجب اهل باريس : "آه يا أهل باريس، لو جئتم بكتبكم الى شاطيء المتوسط الشرقي، لقضيتم حياتكم كلها في السجون. سيأكلكم الندم، سوف تكفرون بكل شيء، واحذروا اكثر ان تفكروا في الاحزاب، لأن اية كلمة تجد من يلتقطها ويجعلها مؤامرة وتخريبا، وتدفعون ثمن كلمات حياتكم كلها في السجون الصحراوية، وهناك تصابون بالسل والتيفوس وتموتون" (155).

هذان العالمان المتباينان كليا يدفعان رجب الى التساؤل : "ولكن باريس التي أراها، هل ولدت هكذا ؟" (ص 156) ولا يترك لنا الاجابة عن هذا السؤال. يسترجع رجب ماضي باريس ويبين وجهها الاخر في ذلك الماضي: "باريس المشانق والمقاصل والحصار، باريس المقاومة، باريس الشهداء، هي التي صنعت الحرية". وهنا يصاب رجب بنزعة مازوخية مثل تلك التي أصيب بها زكي النداوي الشخصية المحورية في رواية "حين تركنا الجسر". ويقابل رجب بينه وبين الطبيب الذي يعالجه، الدكتور (فالي)، وهو الشخصية الثانوية في الرواية، ولكنْ الشخصية الاوروبية الوحيدة التي لها اسم، ويشعر رجب بالضآلة وهو يتعرف على ماضي الدكتور ونضاله، غير ان هذا يواسيه ويشجعه ويشعر معه: "أقدر الصعوبات التي واجهتها، لكن اعتبرك رجلا.. والرجال لا يسقطون. يجب ان تعرف أني الوحيد الذي بقيت من عائلتي. قتلوا اثنين من اخوتي، قتلوا أمي، ثم قتلوا زوجتي، كنت أسيرا وفررت. منذ اللحظة التي وصلت البندقية فيها ليدي، وحتى نهاية الحرب، لم أتركها".

ومع أن الدكتور فالي، كما تقول الرواية عموما، ليس حالة اوروبية وحسب، إلا أن نغمة الخطاب توحي لنا وكأنه كذلك. ثمة شخصية عربية توازيه هي شخصية هادي، ولكن رجب، وهو في الغرب، لا يستحضر، وبالتحديد حين يتحادث والدكتور فالي، هاديا.

ثمة صورة هامشية اخرى لكلا العالمين؛ عالم الغرب وعالم الشرق في الرواية، تكاد تغيب أمام الصورة الرئيسة الأساسية التي تعلق بذهن قاريء الرواية، وهي الصورة التي تبدو من خلال الحوار الذي يجري بين الفنان المهاجر عبد الغفور ورجب. وهذه الصورة ليست بغريبة اطلاقا عن تلك الصورة التي بدت في رواية الحكيم "عصفور من الشرق" ورواية سهيل ادريس "الحي اللاتيني". انها صورة الغرب الحضاري مقابل الشرق المتخلف.

يدرس عبد الغفور ، في مرسيليا، الفنون الجميلة منذ ثلاث سنوات، يسافر، خلالها، الى باريس ، مرة واحدة. ويكره عبد الغفور السياسة ولا يحب ان يتحدث فيها، وليست له اية صلة بالطلبة العرب في اوروبا، ويفضل ان يقضي وقته كله في المعهد، ثم بالمتاحف، وما يتبقى لديه من وقت يقضيه مع النساء" ص 161)، وحين يتحاور ورجبا عن الفن التشكيلي يشير الى لوحة بيكاسو ويقول مخاطبا رجبا :

- "أتعرف، لو أن رساما عندما رسم هذه اللوحة لضربوه بالحجارة ! أتعرف لماذا؟

- لا

- لأن الحضارة سلم ليس له نهاية، ويجب على الشعوب ان تبدأ من أول السلم، وشعبنا لم يكتشف بعد السلم ولم يسمع بشيء اسمه حضارة، لذلك فان كل محاولة لاقناعه بغير ذلك .. خطأ .." (161).

ويبدو هذا الحوار القصير غير شاذ، فقد جرى في الغرب ، وهو عموما جاء ليدعم الصورة الاساس الرئيسية، وما كان ليحتل مساحة في الرواية لو لم يزر رجب الغرب، مثله مثل صورة الغرب التي بدت أيضا مقنعة فنيا لا صورة مقحمة على الرواية التي اختار لها مؤلفها عنوان "شرق المتوسط" اذ كان قصده أن يكتب عن شرق المتوسط لا عن غربه، وربما لهذا السبب تحديدا، لم يلتفت الدارسون الى تناول هذه الثنائية في دراساتهم التي عالجت ثنائية الشرق والغرب في الرواية العربية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى