رايفين فرجاني - الجغرافيا الاجتماعية

الجغرافيا هو علم دراسة الأرض من حيث مكوناتها المكانية وليس الفيزيائية.

أي أنه في فصل كلمة مكان عن الطبيعة,وصل لكلمة جغرافيا التي لا يمكن أن تستقل عن كونها جغرافيا اجتماعية,أو سياسية,أو تاريخية,أو حتى جغرافيا بيئية أو عرقية أو معمارية.

لأن المكان محيط أو مجال مشتمل على عناصره البنيوية الطبيعية,وعلى عوامله البنائية البشرية,ويصعب الفصل بين علوم الطبيعة والجغرافيا الطبيعية المتشابكة مع أطرها وبناها الثقافية,لدرجة أنه يلزمنا تخصيص علم معروف بإسم علم المكان,كتطوير لعلم الجغرافيا,عن كونه علم يدرس الأراضي وما عليها (بلاد الله وخلق الله) على حد قول الفيلسوف والرحّالة المصري أنيس منصور. وتغذية هذا العلم,بجميع لوازمه الإنسانية,المستقاة من المواد المعني بدراستها في العلوم الإنسانية. وهي علوم "تتميز بطريقة عمل تحتم علينا النظر في أذهاننا أننا بصدد دراسة كائنات بشرية تختلف عن ما هي في العلوم الطبيعية ذلك أننا هنا نتعامل مع كائن يتحدث,يتجاوب،يتفاعل مع أمثاله له وعي و مقدرة على التعلم و الفهم،لهذا فالتعامل مع الموضوع ينبغي أن يكون مصحوبا بعناية و حذر كبيرين،فقبل الشروع في دراسة هذا الكائن البشري لا بد من طلب إذنه حيث يمكن أن يعارض أو يقبل وكذلك فإن استعمال أدوات البحث لا يتم عادة إلا بموافقة الأشخاص،هكذا تتميز العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية.

إن أية محاولة لوضع قائمة نهائية لفروع إنسانية ستكون عملية صعبة فكل المواضيع الخاصة بالكائن البشري والتي تدرس بكيفية علمية هي بالضرورة فروع للعلوم الإنسانية."[31]

ويلزمنا هنا تسليط الضوء على المكان داخل كل سياق من تلك العلوم الإنسانية,حيث نلحظ أن المكان غير مفارق للإنسان في أي واحدة منها؛علم الجريمة (يلزمه مسرح الجريمة), الديموغرافيا موضوعه الرئيس هو آليات توزيع السكان على المساكن,علم النفس مقترن بنشأة (العيادة),التاريخ والسياسة والإقتصاد والقانون والإعلام مرتبطة ارتباط وثيق الصلة بمفهوم الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيك Geopolitics),علم الإنثروبولوجيا مقترن بعلم الآثار الذي يعني بدراسة الأماكن بوصفها آثار أو معالم,وأيضا يعني بدراسة الآثار الغير مكانية. وهذا بدوره يرتبط بعلم السياحة. الإعلام يطرح فرضية (واقعية الأماكن الافتراضية داخل أنظمة الاتصال الشبكية / السايبرانية Cyberism). والسياسة ترتبط بعلم الإدارة العامة المعني بتوزيع موارد وأصول الدولة الثابتة (الأراضي والمنشآت الزراعية والصناعية والعمرانية) والتحكم فيها. وهذا بدوره قد يتداخل مع علم البيئة والطقس والمناخ. الثقافة مقترنة تماما بالعناصر الثلاثة المكونة للأمة؛اللغة,والعرق,والثقافة. وهي ثقافة ترتبط بالدين وبالمكان والأعراف. ويمتدد التعدد بما يحيلنا إلى الأصل والعلاقة اللغوية في العربية بين كلمة المكان والمآل العديدة لمفهوم الإمكان (حتى ولو بالنظر أيضا إلى توسعاته الغيبية الميتافيزيقية).

ويرجع ارتباط الجغرافيا بعلم الاجتماع,ليس إلى وقائع الأمور فحسب,بل إلى التنظيرات الأولى لعلم الإجتماع,سواء في الشرق أو الغرب,عرّف ابن خلدون علم الإجتماع بأنه دراسة سمات العمران البشري الذي هو دراسة لطبائع وأحوال الاجتماع الإنساني.[32]

فإنه يمكن النظر إلى علم المكان,بإعتباره جغرافيا إجتماعية,أكثر من كونه جغرافيا تاريخية أو جغرافيا ثقافية,والأولى مشتملة عليهما -إذا ما تغاضينا قليلا عن الرؤية الماركسية التي تجعل من التاريخ مشتملا على جميع العلوم الاجتماعية- إنها (جغرافيا بشرية متكاملة),أو هكذا يمكن وصفها.

لذا,يمكننا أن نأخذ نظرة أكثر شمولية للعلوم الاجتماعية والإنسانية بواسطة منظار المكان عبر الأطر أو المفاهيم أو المنظومات أو النظريات أو الحقول الآتية

[1] الجغرافيا التاريخية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجغرافيا التاريخية يصعب تعريفها,ولكن يمكن القول أنها فرع من علم التاريخ معني بدراسة الطبيعة والمجتمع في الماضي من خلال التركيز على الأرض وتقسيماتها البيئية أو السياسية. وهذا العلم مرتبط أيضا بالمادية التاريخية.

[2] الجغرافيا الطبيعية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تبدأ الجغرافيا الطبيعية من نفس النقطة التي تنطلق منها الجغرافيا العامة,وهي دراسة المكان في الموقع والموضع والإمتداد. وتوازيها الجغرافيا البشرية المعنية أكثر بتلك المساحات التي يسكنها البشر.

[3] الجغرافيا البيئية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قسّم جمال حمدان الجغرافيا نوعين؛الجغرافيا الطبيعية حيث الأرض منبسطة وما عليه من خلق الله كثير كما صوّرها الخالق,والجغرافيا البشرية التي تتولد لها انعكاسات متعددة وتأويلات ثقافية تكتسب حياة مستقلة بسبب الرؤية الذاتية المغايرة للبشر والمميزة عنهم والكائنات الأخرى.

وتقع الجغرافيا البيئية في مكان ما بالمنتصف,مؤكدة أن الطبيعة لا يمكن تقريبا النظر إليها بمعزل عن البشر. إن علوم البيئة,هي علوم مخصصة للعناية بحفظ البيئة من أجل حفظ البشر. ومع ذلك,لا نسمع ولا نشهد سوى تراجع ملحوظ للمنجزات القيمة في علم البيئة إزاء السعي اللاهث وراء متع ومشتهيات لحظية وفي أطول أطوارها (الغير لحظية) تظل مؤقتة. خاصة مع انتشار الوهم الرأسمالي المؤيد لحاجتنا لهذه الأشياء,وتغلغله شبه التام في ثقافة استهلاكية جاهزة ومعلبة وقد احتوتنا بالكامل تقريبا.

تركز الجغرافيا البيئية على العلاقة بين الإنسان والمكان,الطبيعة البيئية لهذا المكان, والظروف البيئية المؤثرة عليه,بما فيه التركيز على علاقة البشر مع كائنات أخرى غير البشر.

وهي علاقة صراع دائمة كما هو ظاهر لنا,ولأغلب الباحثين في علم البيئة أو في علم الثقافة,وهذا قد يضطرنا لإستدعاء جماع العلوم الإجتماعية والإنسانية,لدراسة المشكلة دراسة وافية في سبيل محاولاتنا الدؤوبة لإيجاد حلول أو أنصاف حلول أو أشباه حلول أو بدائل لهذه الحلول.

واحدة من المحاولات اللافتة في هذا الصدد ما كرّسه الباحث النمساوي من أصول أفغانية فهيم أمير في كتابه (الخنزير والزمن) حيث وظف الفهم الإقتصادي الماركسي على المعالجة الصناعية للحيوانات من أجل إرضاء حاجاتنا الملحة للأكل!. وهو نفس الموضوع الذي يطرقه الإذاعي أحمد الغندور في بعض حلقاته شبه الوثائقية / التعليمية ببرنامج (الدحيح). وإن كان المقال المنشور على موقع (مدينة Medina) تحت عنوان (الحيوانات والسياسة والتمرد: خنازير متمردة ومولد المصنع),أكثر عمقا منه,ومن فقرة بارعة حملت عنوان (التراكم الرأسمالي الخطي والمجرد) اقتطعنا هذا النص.

"المرحلة الثالثة من صعود مدينة شيكاجو كانت في ثمانينيات القرن التاسع عشر،وظهرت بفضل استخدام العربات المبرّدة لغزو الأسواق المحلية والعالمية. وأصبح لحم الماشية المذبوحة على مبعدة مئات الكيلومترات أرخص من اللحم الذي تقدمه السوق المحلية. ليتحول القصّاب من صاحب حرفة إلى بائع،وليصبح قطاع معالجة اللحوم قطاعا اقتصاديا عالميا،وهو الأكبر حجما في ذلك الوقت.

حتى ذلك الوقت كانت مدينة شيكاجو تُحدّد أسعار الحبوب العالمية في بورصتها Exchange Building،ثم أضحت المدينة مركزًا لتجارة الحيوانات والصناعات القائمة عليها. ومن هذه المدينة نُسجت شبكة معقدة وجديدة تضم منتجي الحبوب وتجار الماشية وأصحاب المسالخ. تحكمت هذه الشبكة بحركة اللحوم وأثمانها في الولايات المتحدة الأمريكية بأكملها،وأخيرا استطاعت أيضًا تغيير العادات الاستهلاكية لملايين البشر عبر التحسين المستمر لمراحل العمل والتقنيات الجديدة في التبريد. والنتيجة كانت تداخل متزايد بين المدينة والريف. الماشية كانت تُترك لترعى في تكساس في مراعي فسيحة. وظهرت في وايومنج المراعي Ranches،وفي كانساس ما يسمى بمدينة الماشية Cattle Town،وفي إلينوي حظائر التسمين Feedlots. “اتصلت هذه المراعي جميعها ببعضها البعض لتشكل تضاريس طبيعية جديدة للحيوانات. وهي تضاريس محددة بالاقتصاد والطبيعة على حدّ سواء. وبنظرة مجرّدة فإن الأمر يتعلق بتضاريس نشأت عندما قام منطق رأس المال بتعديل الطبيعة الأولية،وربط أماكن بعيدة عن بعضها البعض،لكي يصنع رابطة عميقة وجديدة بين المجال الحيوي والسوق. […] أصبحت حياة الحيوانات تتوزع تدريجيا بشكل جديد على الأماكن الإقليمية،إذ أنها أصبحت تولد في مكان،ثم تُسمّن في مكان آخر،وتذبح في مكان ثالث” 24. المزيج من تقنيات التبريد والنقل بالقطارات حرّر المسالخ من ارتباطها ببيئتها. إذ لم يعد من اللازم نقل الحيوانات حية إلى أماكن أخرى متناثرة،لتُذبح وتُسلخ هناك. وبذلك أمكن لصناعة متكاملة ومربحة،ومركزة في مكان واحد،أن تفرز الحيوانات وتذبحها وتسلخها،ثم تنقلها عبر مسافة بعيدة إلى القصّابين،الذين لا يحتاجون سوى القيام بالمعالجة النهائية والبيع بالتجزئة فحسب."

[33]

والمقال يحتاج إلى إعادة القراءة في أكثر من موضع,خاصة وأنه ترجمة لنصوص كاملة من الكتاب,والجغرافيا البيئية لا تتوقف عند هذا الحد,بل وتمتد في توسعها لتتجاوز الأفق الإقتصادي إلى الأفق السياسي,لتتبنى بعض التنظيرات السياسية مفهوما أكثر شمولية من (الرأسمالية الحيوانية) وهو مفهوم أو نظرية أو قاعدة (المجال الحيوي),وهي نظرية "ترى أن الدولة تشبه الكائن الحي لديها احتياجات ومتطلبات للعيش"[34] حيث الإمتداد الجغرافي الحقيقي / المفترض للدولة ليس الأراضي التي تؤطرها حدودها,بل هي الأراضي التي لديها القدرة على استثمارها واستزراعها وتعميرها. وتتمثل هذه المقدرة في القوة العسكرية والاقتصادية والتقنية والسكانية للدولة. وهي رؤية نادى بها بعض أكبر فلاسفة عصري النهضة والحداثة في الفكر الأوروبي. رؤية تتغذى على مفاهيم مثل الرأسمالية الحيوانية, والحركية الحضرية (الدينامية الحضرية),وربما حتى منظومة المتغيرات المكانية التي أطلقها الرئيس السيسي حاكم مصر (والتي يراها البعض مجرد محاولة لتقنين إعتداء الدولة على ممتلكاتهم).

ولكن لا يجب عند اقتران الإدارة والبيئة أن يقتصر الأمر على الإجراءات السياسية فحسب, بل والجهود التنموية الأخرى المنطلقة عن مبادرات أو مؤسسات غير سيادية.

[4] الجغرافيا الحضرية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعني جغرافية الحضر (أو الجغرافيا الثقافية) بدراسة العلاقات المكانية التي تجمع المكان والسكان. مع الاهتمام بالأنشطة الاقتصادية أو الثقافية أو الوظيفية وتركيب المدينة الداخلي. "حيث يتأثر الإنسان على مستوى تكوينه بالبيئة الداخلية (الفراغ المعماري) والبيئة الخارجية (الفراغ العمراني)".[35]

ويمكننا اعتبار الجغرافيا كلها,جغرافيا ثقافية افتراضية,بما أن الإنسان لا يمكن أن يستوعب مثلا قياس ارتفاع جبل بأنه قصير إلا قياسا على ارتفاع مجموعة من المرتفعات والقمم الأخرى. كذلك الأمر,يضع الإنسان حدودا افتراضية لتعيين فهمه والصور الذهنية للأماكن الطبيعية والبشرية في العالم. من أمثلة الحدود الافتراضية هناك الخرائط,وخطوط الطول والعرض,وتطور ذلك لاحقا من فكرة (شاقول المكان) وصولا إلى صناعة أجهزة التتبع بالقمر الاصطناعي وتحديد الأماكن. وتركيزنا لاحقا –في مقالات أخرى عند عرض نماذج من بلاد العالم- سوف يكون على الجغرافيا الثقافية التي نغترف منها لتغذية حديثنا.

[HR][/HR]
[31]محاضرات مقياس العلوم الإجتماعية والإنسانية (السنة الأولى علوم إنسانية).
[32]محاضرات مقياس العلوم الإجتماعية والإنسانية (السنة الأولى علوم إنسانية). أو انظر مقدمة ابن خلدون (لا أذكر الصفحة).
[33]انظر المقال في الرابط أدناه
الحيوانات والسياسة والتمرد: خنازير متمردة ومولد المصنع | مدينة
[34]كيف تسببت نظرية المجال في التوسع الإستعماري
كيف تسببت نظرية المجال الحيوي في التوسع الاستعماري؟ • تسعة
[35]تأثير الهوية والثقافة على سلوك الفرد داخل الفراغات المعمارية / مهندس خلود حسن عبد اللطيف عزوز / رسالة مقدمة إلى كلية الهندسة,جامعة القاهرة,كجزء من متطلبات الحصول على درجة ماجستير العلوم في الهندسة المعمارية. 2014.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى