من مقدمات الخطيبي (28) الأدب ميدان جيد للاستثمار.. إعداد وترجمة: محمد معطسيم

“من مقدمات الخطيبي” إضمامة من الاستهلالات، قدم بها الخطيبي بعض أعماله وأعمال غيره في الفكر والإبداع. وهي في إبداعه لا تتجاوز نصا مسرحيا واحدا، ووحيدا في كتابته المسرحية، وهو “النبي المقنع” الصادر عن دار “لارمتان” L’Harmattan في 1979.
قدم الخطيبي أعمال مؤلفين معروفين، وآخرين ليسوا بالقدر نفسه. كما قدم لنساء كاتبات مغربيات. وكانت له استهلالات في المجلتين (المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع، علامات الحاضر)، ووقع مقدمات أخر بالاشتراك.
ونصادف في مقدمات الخطيبي الأكثر ترددا: التمهيد Avant-propos، الاستهلال Préface، التقديم Présentation، الديباجة Prologue، الاستهلال البعدي Postface، الافتتاحية Préliminaire، أو بروتوكول… وهي تصنيفات-رغم تداخلها- صالحة لتأطير ما تثيره كل مقدمة من قضايا حول المؤلف، وتشكل النص، وإضاءات لولوج عالم الكتاب…
غير أننا نعثر على مقدمات، لا تشير إلى نفسها بهذه التسمية، بل تأخذ عنوانا مستقلا حل محلها، أو عنوانا مصحوبا بها.
ليست المقدمة ملزمة ولا ضرورية، في كل كتاب. إلا أنها تستمد قيمتها مثل باقي المتوازيات والمناصات والعتبات. وغالبا ما يعدم حضورها في الهوامش والإحالات، وكأنها خارج النص hors livre بتعبير جاك دريدا.
ورد في كتاب “التشتيت” La dissémination “تكون المقدمة لنص فلسفي غير مجدية ولا حتى ممكنة”. فهل كتب الخطيبي مقدمة فلسفية؟ هذا الحكم القاطع لجاك دريدا يعفينا من إثارة هذا السؤال أصلا؛ فكتابة الخطيبي المتعددة، لا تيسر تأطيره في خانة معينة، فالخطيبي ليس رجل المفاهيم، ولا نعثر له على كتاب فلسفي بالمواصفات الفلسفية، إذا استثنينا “كلمته” التي قدم بها الكتاب الفلسفي لعبد السلام بنعبد العالي: “الميتافيزيقا، العلم والإيديولوجيا”.
ويكاد المنجز الإبداعي لعبد الكبير الخطيبي، يخلو من مقدمات، باستثناء كتابه المسرحي الآنف الذكر. والذي استهله بديباجة Prologue.
لكن، من يقرأ منا كتابا بدءا من مقدمته؟ من يقرأ مثلا، مقدمة “لسان العرب” لابن منظور (1232-1311). الجواب السهل: قليلون نادرون هم من يقوم بذلك. يكشف الناقد عبد الفتاح كيليطو، في إحدى شهادات عن قراءته لمقدمة ابن منظور، وهو أمر قد لا يعني شيئا، للكثيرين من متصفحي هذا المعجم النفيس. ليذكر ما قاله: “جمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون…وسميته لسان العرب”.
حظيت مقدمة ابن خلدون بذيوع صيتها، أكثر من كتابه المقصود بها: “العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر”. وحسابيا، حبر الفيلسوف نيتشه من المقدمات أكثر مما ألف من الكتب. وهذه لعمري معادلة غريبة! ومهمة مستحيلة كما أثبت ذلك “دريدا” وهو يفكك مقدمة “هيجل” في كتابه “فينومينولوجيا الروح”.
ولا تخفى الأهمية من تجميع مقدمات الخطيبي، سواء تلك الواردة في مؤلفاته أو مؤلفات غيره أو في المجلتين اللتين كانا يديرهما. وتوفير بعض منها، في هذه الإضمامة، عرضا وترجمة، تثمينا لهذه العتبات النصية وتبريزها.

رسالة-مقدمة

عزيزي مارك غونتارد،
الكتابة إليكم انطلاقا من مخطوطكم؟ أجل، وما هو المخطوط، عندما يكون حاضرا، بين الغفلية وما هو عمومي، بين الصمت والصوت الدنيوي؟
وجدت نصكم صادما، رغم تحفظاتي إزاء هذا التجلي أو ذاك لعملكم. لكن هذه مشكلتكم: منظومة مواقفكم ومدارجكم الأدبية التي تعرفونها بوضوح. هذا يعود إليكم، وسيعود إليكم بشكل أو بآخر. فما لا يعود، لا عودة كل نص اعترته تحولات متعددة (تشطيبات، تنقيحات) فكل هذا يظل قضية يثيرها المخطوط.
اسمحوا لي، في هذا المقام، بالتدقيق، فما إن ترتسم الكلمة الأولى حتى يكون مشهد الكتابة جاهزا. تعن أربع شخصيات على الأقل، منذ الكلمة الأولى: المملي، الناسخ، القارئ الأول (لنصه الخاص)، والقارئ لكل النص. بالرجوع إلى معجم «روبير»Le Robert فإن معنى الإملاء: « تمرين يقوم على تدوين جمل موسيقية تدريجيا أثناء سماعها»
من هنا مقترحي: المخطوط بوصفه تحضيرا، إعدادا وتوليفا وتحليلا لهذه السينوغرافيا. سألقي بدلوي إذاً كي ألعب بصحبتكم هذا التقطيع. أنا مهتم بدراستك. لكم أن تتصوروا الإرباك الذي يستبد بي حينما أقرأكم، بمعنى أنني حينما أشاهدكم تكتبون، على نحو ما، من فوق الكتف.
دراستكم؟ تتوزع بجلاء إلى تحاليل «نقدية» معتادة حول هذا الأدب. تأخذون أمرهبجدية (مثل أنطوان ريبود) بإخضاعه لمقاربة صورية ووظيفية. مقاربة تحتفظ بقيمتها، ولزومها. على هذا النحو، تخلصون الأدب من نزعته المحلية، من هذه الكتلة من الكليشيهات الإيديولوجية والنزعات الإنسانية السائدة.
لا أسايركم أبدا في مسألة التحليل النفسي، التي تتحاشونها بكثير من المرح. بل بمقدوري أن أقول، إن هذا الأدب هو ميدان جيد للاستثمار فيه، بقدر ما تكون الكتابة ترجمة للجسد، واللاوعي، والرغبة. حيث تأتي الترجمة هنا لتطعيم الازدواج اللغوي، سواء كان ظاهرا أو مضمرا. نقاش واسع، تتعثر فيه اللسانيات بجد (بما في ذلك السوسيولسانيات).
ما دامت نظرية الترجمة، وثنائية اللغة وتعدديتها، لم تتقدم، فإن بعض النصوص المغاربية ستظل ممانعة وفق مقاربة صورية ووظيفية. تعتمل لغة «الأم» في اللغة الأجنبية. تجري ترجمة مستمرة، من إحداهما إلى الأخرى، وحوار في مهوى سحيق، من الصعب جدا تحديثه.
في هذا المقام، إن مسألة التحليل النفسي لا يمكن تجنبها. وأقول أيضا إن التمييز-الذي تستعيدونه لحسابكم- بين «المعنى الظاهر» و»المعى الباطن»، هو ميتافيزيقي للغاية: النقد الذي يدعو إليه هيدجر بشكل رائع، وجاك دريدا في فرنسا.
وفي هذا المقام كذلك، فإن علم الكتابة la grammatologie يصعب تجنبه.
تلاحظون أن هذه الاعتراضات تقودنا بعيدا. علي أن أكتب بسرعة، وقد خارت قواي الآن، بعدما أتممت نصا سرديا جديدا.
أعتقد أن الأدب المغربي يندرج في نوع من التقاطع. فمن جهة أولى، ينتمي إلى تقاليد اللغة الفرنسية سواء أراد المعنيون ذلك أم لم يريدوه. من الملائم حصره بصرامة، ووسم أرضية النص التي تحمله وتستلزمه. وهذا ما تقومون به من حين لآخر، بصدد بعض المفاضلة: لا تنسوا تأثير أرتو (أرتو معين) على الشعراء المغاربة. ومن جهة ثانية، فإن هذا الأدب اشتغلت عليه لغة الأم: انبثاق المحكي الشفوي، وحديث الأمثال. اشتغال ترك آثاره في كل مكان: فما يتبدى أحيانا،مثل تشويش، على اللغة الفرنسية أو تدمير لها يدل على سيرورة ترجمة (واعية أو لاواعية) من لغة إلى أخرى. فهذا التباعد هوما يحسم في أصالة نص معين. حيث يرتسم عنف النص، وإلا سيكون هذا التقاطع، هذا التداخل، في حقيقة الأمر، متنافرا؟ مازال يلزم الإحاطة علما، حتى بالنص: يتكفل باللغة الفرنسية، أجل، قصد تسمية هذا الخلل وهذا الإمتاع الأجنبي، الذي عليه الاشتغال باستمرار على الهامش، أي لحسابه وحده، متفردا.
ليست لدي أوهام بهذا الشأن. لا أومن بأي أدب للتحرير. الكتابة مجسدة في تجربة عنيدة، تسير نحو المستحيل، والصمت، والمحو. فهنا بالضبط، حيث التدمير في اشتغال، تدمير لا يمكن الإعلان عنه مسبقا، ولا إعطاؤه قوة القانون. مغاربي أم لا، الكاتب(الذي يحمل هذه الصفة، ويخاطر بحملها) إذا تخلص من هيئة المتذوق الفني والفنان المسمى ملتزما، سيجد نفسه على الفور في مواجهة اللامسمى. ربما بالتالي بمقدوره أن ينصت إلى صوت الآخرين، ذلك المنبعث من الخارج المطلق، ربما يتكلم، ويكتب دون حضرة، ودون تحية، ولا منجاة، ولا آلهة.
أشكركم على ثقتكم.

عبد الكبير الخطيبي
ترجمة محمد معطسيم
LA VIOLENCE DU TEXTE,la littérature marocaine de langue française, Marc Gontard, L’Harmattan, 1985, P.P 7-8-9

الكاتب : إعداد وترجمة: محمد معطسيم


بتاريخ : 06/05/2022



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى