د. عبد الإله الكلخة - درجة الوعي في الكتابة الإبداعية: حفريات في الذاكرة

للكتابة الإبداعية-رواية كانت أو سيرة ذاتية- امتداد في المعيش واليومي، وهي في الآن نفسه استرجاع للوعي الجمعي، هي سرد للأحداث والوقائع بعد أن اقترنت بالتاريخ كما التجارب الذاتية والجماعية، هي في المحصلة حفر في الذاكرة الجماعية وتأصيل للوجدان تتشبع بكل الممكنات التي يمنحها السارد لشخصياته وهي الكائنات التي يحيا من خلالها وعبرها؛أقول إن كل الممكنات الاجتماعية والثقافية والسياسية عند السارد تتحول إلى محكي وهي في الآن نفسه التاريخ الخاص كما أولته الذاكرة الناقلة للوقائع والأحداث وحولته إلى كتابة؛ هكذا فالحياة عند السارد/الكاتب هي إمكان؛قل وضع إنساني قابل لأن يعاش وقد خضع لآلة التفكير ومؤدى هذا الكلام:"هي ذي الحياة وهي جديرة بأن تعاش"أو"هي ذي الحياة فكيف تمكنت من العيش فيها!!؟".الروائي بهذا الاعتبارأو كاتب السيرة الذاتية هو المَعْبَر الذي تمر منه الأحداث والوقائع وقد تشكلت بعواطف خالصة؛ قل ذاتية فيعطيها السرد صفة الوجود والكينونة وقد أصبحت عالما متخيلا.
الذاكرة–بتعبير بول ريكور-هي الذات الفردية وقد أصبحت جماعية بعد أن حولها السارد إلى شخصيات ورموزوعلامات(Singes) تحيا في الحكاية داخل زمن متخيل يسترجع المكان الذي يؤطرها بل ويوجهها أحيانا.هي الرأي بالذات أوالموقفالذي يتبناه الكاتب وقد استحال إلى لغة تحكى وتعاش كما لو كانت قد وقعت فعلا لنسائل بها الزمن الذي ننتمي إليه نحتج كما نحاجج عن ذواتنا باللغة الإبداعية؛والأصح أن السيرة الذاتية مرافعة تستنطق وعي الكاتب وإرادته في أن يحول المعيش إلى لغة وإبداع .
ليس التخييل إذن طاقة ذاتية صرف بل هو المرتكز الذي يستمد وجوده من التاريخ الخاص بالكاتب،كما ويتوجه هذا التخييل بالتاريخ العام الذي يحيا فيه فيكون السرد آلة لصنع عوالم أخرى تنضاف إلى العالم الحقيقي الذي يعيش فيه الكاتب بما هو إنسان وينصهر في وجدانه حدَّ تحويله إلى لغة.
كل رواية أو سيرة ذاتية هيبهذا الاعتبار سبر لأغوار الواقع الذي لن يكون غير الذاكرة الفردية المفعمة بروح الجماعة وقد استحالت إلى شهادة تنتقد واقعا ترغب في تصحيحهأوإصلاحهإن لم يكن الأمر متوجها نحو إدانته.
الكتابة المتخيلةبهذا الاعتبار تأمل متواصل من الذات وإليها؛ ذات وقدانغرست فيها قيم وثقافة المجموع الذي ينتمي إليه الكاتب وهي استقراء أنثروبولوجي من قبل السارد للوعي الجمعي بتعبير الروائي مشيل بوتور(M.BUTOR) بعد تحويلهإلى طاقة للإمساك بالواقع من جديد وتحويله إلى معنى نحاجج به كما نستدل به على قيمتنا كأفراد داخل المجموع الذي ننتمي إليه. لذلك كانت "رسالة حي بن يقظان" لابن طفيل و"أيام"طه حسين و"إميل" لجون جاك روسو واعترافات القديس أغسطينو"لعبة النسيان" لمحمد برادة و"السنة والإصلاح" لعبدالله العروي...استقراءً لحياة الفرد الذي حوَّل تَفَكُّرَه؛قل أناه إلى لغة للتأمل والمساءلة، فالأنا الفردية هذه- وبفعل الحكي والسرد-استحالت إلى أنا جماعية وقد تحينت بفعل الكتابة لتنقل تجارب الأفراد والجماعات. بكلمة واحدة المتخيل سواء كان فرديا-حاضرا في الرواية و السيرة الذاتية-أو جماعيا كامنا في التاريخ والدين والأساطير هو الرأي وقد استحال إلى طاقة إبداعية.
الآخر الحاضر في المحكي هو صورة الغريب والمهمش القابع في وجداننا كما يقول الناقد رايمونبودون .وعليه ستكون الكتابة هي تمديد للذات لتتعرف الأنا عن أناها لتستمر لعبة الحياة.فنحن لا ننسى إلا ونحن على تخوم الذاكرة بتعبير الروائي والكاتب محمد برادة .لعبة التذكر هي استرجاع للتاريخ وهي في الآن نفسه مقاومة لنسيان مفترض، فنحن نتذكر لكي لا نموت.ما يريده السياسي ويؤيده هو اللحظة بالذات أي الأحداث الآنية وما يطمح إليه السارد هو توسيع هذه اللحظة بإعطائها صفة الكينونة والوجود. باختصار المحكي عنده زَمَنٌوقد شَكَّل الوجدان والذاكرة واستحال إلى سؤال وتأمل.الإحالة هنا على الأحداث والتجارب التي تحولت إلى فعل التفكير والمساءلة؛ حتى لَأَنَّ الكاتب حنَّا مينة–وهو من الروائيين الكبار في العالم العربي الحديث- لا يشذ عن هذه القاعدة، بل ويؤكد هذا حين تحدث عن التخييل المرفوق بحس التجربة الإنسانية وقد جعلهذا التخييل امتدادا لحزن وألم عميق تشكل بعاطفتَيْ الانشراح والأمل الموجهبالرغبة في الحياة وحس المتعة الذي نستبدل به رهبة الموت والنسيان.الكتابة المتخيلة إذن تفكر واعٍ للذي وقع وكيف حدث بالشكل الذي هو عليه وقد أصبح فعلا ممتدا في الزمن.
يحاجج محمد شكري في مقدمة روايته "الخبز الحافي" بهذا الرأي قائلا:"لقد علمتني الحياة أن أنتظر.أن أعي لعبة الزمن بدون أن أتنازل عن عمق ما اسْتَحْصَدْتُه:قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف حتما طريقها..لا يَهُمُّ ما ستؤول إليه الأهم هو أن تُشْعِل عاطفة أو حزنا أو نزوة غافية...أن تشعل لهيبنا في المناطق اليباب الموات" . الكتابة الإبداعية–الروائية والسيرذاتية-في المحصلة هي إصرار على تحويل سطوة الزمن الذي لا يطاق إلى حياة قابلة لأن تعاش.- الحجاج وقد استحال إلى احتجاج- هو التجلي الطبيعي للكتابة. يقول شكري مخاطبا الجمهور:"فيا أيها الليليون والنهاريون، أيها المتشائمون والمتفائلون. أيها المتمردون. أيها المراهقون... أيها العقلاء: لا تنسوا لعبة الزمن أقوى منا، لعبة مميتة هي، لا يمكن أن نواجهها إلا بأن نعيش الموت السارق لهويتنا، لإماتتنا:أن نرقص على حبال المخاطرة نشدانا للحياة" .
يعمد الكاتب إلىإلغاء كل العواطف البدائية(Premitifs)والأولانية تلك الموجهة بحس الشر والتي قد تتحكم في متخيله كإنسان.الإنسانفي الأصل مُتَشَكَّلٌ بالجِبِلَّة والفطرة-قل التوحش- بتعبير ج.ج. روسو بعاطفة الحسد والضغينة والكراهية والأنانية،وقد عبر ألبير كامو عن هذا حين قال:"أكتب فقط لأني إنسان؛كما أسعى بالكتابة لأنتصر على الشر القابع في الوجدان".الذات التي تحكي تظهر بعواطف أخرىأكثر قيمة في الوعي الإنساني والملخصة في حب الآخر والاعتراف به من خلال الأنا وعبرها وملخصه "أنا واحد من هذا العالم أحببت أن أحيا فيه لأنه قدري لكن بالمقابل عليك أن تمنحي الحق في القول وتمتعني بصفة إبداء الرأي" .باختصار أنا مختلف وقد أخالف وعليك أن تقبلني باعتباري كذلك .
بهذا المعنى يقدم الكاتب محمد برادة لروايته "لعبة النسيان":"لم يكن يهمُّني–حين كتبت لعبة النسيان– أن أؤرخ أو أن أتذكر، وإنما كنت أوهم النفس أن الكتابة تتيح الاقتراب من أعماق الزمن ومتاهاته كما تتيح التأمل فيما عشناه متشابكا، متداخلا، غائم القسمات، ومن ثَم اللجوء إلى فضاءات الطفولة والمراهقة والشباب بحثا عن زمن لم يَعُد موجودا إلا في الذاكرة والحلم وفيما تختزنه الذات الواعية. ولأننا تعودنا النسيانفإننا لا ننتبه كثيرا إلى تغيُّر الأشياء من حولنا وإلى تغير علاقاتنا وذواتنا. ولكن، يكفي أن تنبثق بعض اللحظات من منطقة النسيان فينا، لتبدأ دينامية التذكر وليبدأ الخيال في نسْج ما هو كامن في اللاَّشعور، وفي الذاكرة الغافية. هكذا انطلقت في كتابة "لعبة النسيان" وكأني أمارس لعبة،لكنها لعبة قادَتْني إلى أجواء ومناطق تختلط فيها الابتسامة بالألموالسخرية بالمرارة" .
السرد إذن هو هذا النشاط الفاعل في جسد السارد،وهونشاط موسوم بالارتقاء مؤداه كل حكاية هي ولادة جديدة وأمل جديد للاستمرار في الحياة، ولعل العلاقة التقليدية،قل الأصيلة تلك المتخيلة بين شهرزاد وشهريار تعكس لب السرد وتدفع به في اتجاه واحد هو أن الحكاية والسرد نداء الروح لتعيد الذات الساردة ارتباطاتها الملزمة مع الحياةوتفرغ الأنا من رهبة الموت فشهرزاد تحكي لتعيش.
في هذا السياق تندرج أعمال الروائي "أحمد طايل" هي أعمال سردية تمتح من الذاكرة الفردية والجماعية تتراوح بين الأنا والآخر تكتب عنها كما لو كانت حاضرة لا تنمحي إلا لتعود وتظهر بفعل الكتابة.
في السيرة الروائية "شيء من بعيد يناديني" نقرأ هذا المقطع السردي الذي يحمل عوالم متداخلة تجمع بين الأنا المتشظية المتزامنة في أحلام الطفولة الممزوجة بالذاكرة الجماعية والمتدخلة فيها حد الانصهار:"المرأة أمسكت معصمها صوبت نظراتها بعمق وهمست هناك ما لم أتحدث عنه أمام والديك، وجميل أن أتيت من خلفي. حلمك ليس هنا هو ببلاد بعيدة سوف تناديك وسوف تسمعين النداء دوما وكثيرا.لا تتخلي عن حلمك،التخلي عن الأحلام بسبب مبررات التخوف يقتل الأشياء الجميلة. داخلنا كوني بخير يا ابنتي دعي حلمك أمانة، لا تتركيه أن يغادرك بإرادتك أو رغما عنك.خبئي حلمك بين أضلعك حتى لا يسرق أو يتعرض للحاسدين" الذات الحالمة هنا هي ذات السارد وقد أصبحت لغة،تكشف عن القابع في الوجدان لتحوله إلى رسالة؛ قل وصية موثقة تقوم على التشبث بالحلم وإعطائه صفة الاستمرار والديمومة، حلم لا يجب أن ينفلت منا،هو ضوء هارب بتعبير محمد برادة ،نور يُرى في العتمة.هكذا يحيا الحكي في الذاكرة وينعشها لتصبح قابلة للتشكل كمعنى وقد أصبح رسالة، وهو على الأصح وصية الذات وإليها،سبر لأغوار الوجدان بحثا عن المتوحش القصي فينا،هي الذات وقد تنكرت للموت ورهبته،هوإصرار إذن على رصد الكائن الغامض غير الجلي في الوجدان.الذات تقول عبر السرد "ابنتنا الغالية العرافين والعرافات خير من يجيد في الكلام واللعب على النفس البشرية ويجعلها تدور بفلك الاحلام والتمني. أعترف بأن لهم قدرة عجيبة على قراءة دواخل الإنسان ونسج الأحاديث التي تجعله أسيرا لما يقولون لا تلقي بالاً لما سمعت وعِيشي أيامك كيفما تريدين واستمتعي بشبابك وأيامك".
يدخل الكاتب "أحمد طايل" السرد في هذه الدروب بالذات ليصبح له معاني خاصة به،ليجعله امتدادا للإرادة في الحياة، هذا الإحساس الذي وضعت معالمه الفلسفة ذات المنحى الرومانسي، وما عبر عنه الروائي ميلان كونديراM.condiraووسمه بالتنميط في الكتابة، إحساس واحد يتكرر ليصبح قارا وثابتا في كل المتن الروائي "فالأنا تكتب لكي لا يسرع إليها البكاء".
الكتابة بهذا الاعتبار هي إعلاء من قيمة حياة الفرد وقد أصبحت جزءا من المعيش واليومي وبه يقوم فلا مناصّ من مقاومته.
يضعك الكاتب أحمد طايل في دائرة التماس مع العواطف الأصلية في الإنسان تلك المرتبطة بحب الحياة وغريزة البقاء،وهو إذ يتحدى هذا الشعور عندما يحوله إلى بلاغة تُرى في الكتابة باعتبارها الوجه الآخر للحياة وقد تحولت إلى حكاية، و فيها القدرة على تقديم الوقائع وقد استقرت في الوجدان بعد أن استحالت إلى تجارب يمكن أن ترى وتعاش،وتمتد هذه القدرة لتضع القارئ أمام عاطفة- الحب– وقد تشخصن وبات ممسرحا يمكن مشاهدته أثناء القراءة.جاء في الحكي:"أخذت (الأم)تقبلها بشراهة تدافعت دموعها. تزيد من وطأة جزعهم، همست الابنة بأذن والدتها، اطمئني أمي أنا فقط أطوفبالمعرض هناك ما يشدني إليه" . فالمعرض فضاء آخر لتعويض بشاعة الحياة بجمال الصورة واللوحة الفنية.
الكتابة سفر في الذاكرة
يتحكم السفر في متخيل الكاتبومع فعل التخييل هذا تصبح التجارب وقائعا وأحداثا قابلة لأن تتحول إلى رحلة حقيقية تستمد قوتها من ذاكرة الفرد كما الجماعة. ولنتأمل كيف تحولت الدعوة لإلقاء محاضرة في جامعة أمريكية ينجزها الباحث/المتخيل لتصبح الأنا/أنا مثقفة تنشدالعالمية أو تسعى إلى أن تكون كذلك. الأصح أنلا أحد ينفلت من تأثيرات الزمان والمكان الذي يحيا فيه،سَمِّيها الذاكرة الموشومة إن شئت.المحاضرة وقد أصبحت حدثاوجزءا من ماهية إنسان يفكر من خلال الزمن الذي ينتمي إليه وعنوانها"النفس البشرية وتأثيرات الزمان والمكان"لتشارلزآدمز.الميراث الذي يحياه الكاتب إذن يصنع لذة الحكي .
للمكان إذن أثر في النفس والفؤاد. القرية، القاهرة،مصر، هي الأمكنة التي تتغول في جسد السارد الذي يحكي الحكاية وتنصهر في وجدان الكاتب "أحمد طايل"،هي تلك الأنا التي تغرق في أناها وتحوله إلى نداء."حين تقرأ تشعر أنك سابح بعالم آخر ينسيك كل شيء وتشعربنورانية شاملة تضيء محيطك وروحك" هكذا يتحدث السارد، ليصنع لعبته الخاصة به،هي لعبة الكتابة وقد استحالت إلى وهج يترجم الأشواق ويحولها إلى لغة شعرية كذا عند المتصوف ابن عربي .
الاستمرار في الحياة لا يمنع الذات من أن ترى نفسها في الآخر وقد احتلته وسكنت في جُوانِيَّته ودواخله. جاء على لسان السارد:"الدكتور زاهر أعد لهم أمسية...تحت سفح الأهرامات... ودعوهم وخرجوا.طوال طريق العودة.الأم لا تتوقف عن الحديث. قالت: إنها لا تفهم لغتهم وحديثهم غير أنها تشعر كأنها تعرفهم من قبل. الارتياح لا يأتي بالطلب لكنه يتولد داخلنا لحظة الشعور به، ضحكت ولكزت ولدها من ظهره مرات. قالت: إنها لمحت بعيون (لويزا) وهجا تقول الكثير. صاحت فجأة مرتاحة يا ولدي مرتاحة بجد ربنا يسعدك. بادلوها الضحكات ما إن وصلا لمكان سكنه حتى تناول رأس الأم والأب ضاما كليهما إلى صدره" الحنين والشوق وحب الحياة، هي ذي العواطف التي يضعك السارد داخلها لتصب في معنى واحد هو الإقبال على الحياة.
تتشكل العواطف والانفعالات في نفسية السارد لتصبح لغة دالة على صدق الحكاية فالأم هنا هي مكمن الوجود ومركز السرد عند الكاتب"أحمد طايل".
خصيصة الحياة ومعنى الأسرة
تتعرف الأنا عن أناها داخل المجموع/ الأسرة وتحتمي بها، وتعرف نفسها من خلالها، الأسرة هي السكن والسكينة؛ مكمن الحب والوجود. يضعك السرد أمام هذا المعنى ليُلفِت إلى أصالة الذات وعراقتها. جاء على لسان السارد: "فتح الأب الحقيبة ألقى نظرة سريعة على محتواها. مبلغ كثير من المال، نظر نظرة امتنان لعمه.هذا كثير يا عمي!يكفي أن تكون بيننا.أشار إليه بالكف عن الحديث. هذا ليس ابنك وحدك ابن العائلة بأكملها" .
يقوض الموت هذا النسق العائلي ويحوله إلى أطلال فيستحيل معه السرد إلى لغة مفعمة بأحاسيس الأسى والألم. هي ذي العاطفة التي تثقل الكتابة بحس الألم والحنين الأقرب إلى البكاء. في النص نتعرف على الكاتب وهو يعيد صياغة معاني المكان بعد أن ضاعت حيويته باختصار أصبح المكان موحشا يوحي بمعاني الضياع. جاء على لسان السارد: "سرت حثيثا أتأمل ما تغير من المكان. زاد عدد المقابر. التصقت بالمنازل كأن الكَفْر أحياء وأمواتا يبحثون عن الونس.في ظل سيري أجد صغارا وشبانا من الجنسين تتوسع حدقاتهم ناظرة نحوي وسؤال واضح على كل القسمات من يكون الزائر! دخلت أرض المقابر.أخذت في قراءة الشواهد. يا أالله هذا صديق دراسة!! هذا من أهلي!!وهذا من أعمامي!!!وهذا من أخوالي!!! طالت جولتي بين الشواهد...وقفت أخيرا أمام مقبرة أبي وإخواني ومررت بيدي على الجدران وكأني أطلب منهم السلام علي.وجدت نفسي لا إراديا أجثو على قدمي أرفع يدي أقرأ الفاتحة بصوت عال بعض الشيء ولساني يلهج بالدعوات... الدموع انهالت...غطت وجهي" .
مع الوجه الآخر لهذه العاطفة التي تجد امتدادها في الحس الأسري وتحوله إلى قيمة محملة بفناء روح الفرد داخل الجماعة بحب ذي منحى إنساني وكوني، تطل علينا عاطفة أخرى نقيض لا يتبقى منها غير الوله بالجسد واللذة والشبق.
في هذا الفضاء القَبَلي المفعم بحس الفحولة تظهر شخصية "نزاهة" هذه التي يحكي عنها الكاتب "يقولون أن نزاهة ومنذ وفاة زوجها وهي تبحث عن الرجال دوما. معروفة بالقرية أنها تتزين دوما وترتدي ملابس زاهية الألوان تكشف بعضا من جسدها عمدا. كان آخر من عرفت هو ع. الرازق. وهو من استمر معها طويلا رغم أن له زوجتين إلا أنه كان عاشقا ومهووسابالنساء..." .
الحياة الجديدة تستأثر بالإنسان فتسلب لبه، وتأخذ منه فُتُوَّتَه،فيستحيل التيه إلى متاهة تفقد الإنسان بوصلة العيش فيحار! وفي النوادي تكتشف الذات هذا القلق الوجودي."النوادي الخاصة من تحمل صفة الأرستقراطية هي كاشفة للواقع الحياتي،من يريد رؤية أطياف المجتمع وكشف أغواره عليه تأمل هذا العالم نوادي أبناء الذوات كما يطلقون عليها هي محتوى لشتى صنوف الشر،هناك الفقير الذي يعمل من أحل قوت يومه فئة العمال بكل صنوف أعمالهم والذين يرتدون ثياب الرضا والقناعة سواء بإرادتهم أو بدون إرادتهم فهم رغما عنهم يعيشون وسط فئات تتمتع بكل رفاهية الحياة، ولكن ليس باليد حيلة عليهم المشاهدة فقط وعليهم الحلم بأن يقتربوا يوما من هذه العوالم، وهناك عالم الحيتان الذين يسيطرون على كل اقتصاديات البلد وزواياها المختلفة ولكل تخصصه" .
في هذا العالم المترامي الأطراف يضيع معنى الأم ورمزيتها القائمة على الاحتواء والعطف و"الظل حتى تحرقك شمس الواقع"، كما يختفي معنى المرأة الباحثة عن الذكورة/الفحولة في مجتمع القبيلة ولا تظهر بعد هذا غير المرأة الوسيط السلعة.
أنثروبولوجيا الهوية
لا يمكن فهم الذات إذن خارج وعيها الجمعي وبه اكتسبت صفة الكينونة والوجود. ومع فعل الحكي هذا تتجمع في ذات الكاتب دهشة السؤال-وهو تأمل فلسفي صرف- مؤداه كيف أمكنني أن أعيش في كون منحني صفة الوجود والحضور!؟، لذا فكاتب السيرة الذاتية/وهو السارد الأول في الحكاية في الآن نفسه-وقد تحول إلى تعدد واستحال إلى شخصيات-هي مرايا يرى نفسه من خلالها وقد أصبحت لغة يحاجج بها كما يحتج على واقع لم يمْنحه صفة الحياة ولم يمتعه بقيمة الوجود. هذه الشخصيات هي بمعنى آخر عوالم تأثر بها الكاتب ويريد أن يحولها إلى أثر يفيد معنى الشهادة وفيها اعتراف بالذات كقيمة إنسانية وحضارية تدين المجتمع وتحتج على واقع لا يتسع لقيمة الفرد. فأيام طه حسين تضع الكل في دائرة السؤال المرفوق بالإدانة: «هل من حقي أن أحيا وأعيش برأي !؟".
لهذه الغاية جعل الكاتب"أحمد طايل"من حياته عيشا في الحكايات وبها يسترجع أناه التائهة والضائعة الضالة التي رأت نفسها تتأصل داخل فضاء الأسرة مركزه الأم لا بديل عنها، إذ بها ومعها يسترجع وهج الحياة وصفاء الروح. جاء في النص: "العيش في الحكايات""منذ صغره حتى وهو لا يدرك ولا يعي من حوله. كان دائم الجلوس على حِجْر أمه وهي تتوسط نساء القرية، يرتدين ملابس بألوان قريبة الشبه من بعضها. من الممكن أن نقول إنها زَيٌّ موحد وغطاء المعصوب على الرؤوس بشكل موحد أيضا وكأن هذا القانون تم سنه لهم" الأم مرجع الحكاية ومركز الكون، هي الحلم القائم غير قابل للتبدد. "لا روائي أو كاتب سيرة ذاتية ألغى من الحكي حس الأمومة وهي تلقي بظلالها على الطفولة لتحولها إلى رغبة؛بل ومتعة في الحياة"على حد تعبير الكاتب والروائيمحمد برادة . وقد ورد في "لعبة النسيان" أن الهادي/الشخصية عند حضوره في مناقشة حزبية، وعندما اشتد النقاش داخل مقر الحزب وتحول إلى سجال ومشاجرة بل وملاسنة، تدخل السارد على لسان الهاديليقول؛ بل ويحتج: "من يذكر منكم أمي!؟" .
جاء على لسان السارد أو راوي الرواة "وكنت مرة في اجتماع حزبي يتضمن جدول أعماله السؤال الخالد: ما العمل؟ على إثر سلسلة حملات من القمع والاعتقالات. كان جو القاعة مكفهرا، وقسمات الوجوه مشدودة وشبح الخوف يطل من بعض العيون(...) وقفت بهدوء وتنحنحت قبل أن أقول: "لا تؤاخذوني أيها الإخوان فأنا لدي سؤال يشغلني منذ فترة وهو:هل تعرفون أمي؟ هل أحد هنا يتذكرها؟". خَبَط المسؤول الحزبي يده على الطاولة وهو يقول: يقينا هذا المساء كلكم سُرياليون. «صاح أحد الحاضرين في عدوانية ظاهرة: ولماذا لا تسألنا عن أبيك أيضا؟(...)عاد المسؤول الحزبي إلى التدخل ملحا على أن نلتزم بما جاء في جدول الأعمال. وكثر اللغط ولكنني تابعت الكلام: إنني جدي فيما أقول ولم أبتعد كثيرا عن موضوع اجتماعنا. وأعتقد أنه بدلا من أن نلوك الكلمات والتحليلات الجاهزة،يمكننا أن نتعارف أكثر، أن نحكي عن طفولتنا وأمهاتنا، أن نتكاشف قليلا لنتساند في هذه الظروف الصعبة..." .
استرجاع صوت الأم معناه استرجاع للحس الإنساني الذي افتقدناه في زحمة الحياة. وفي شخصية الصبي عند "طه حسين"تظهر رقة إحساس الأم، وجمال الروح حين يمد الصبي الضرير يده إلى الطعام يريد الأكل:"قال الأب في رفق ما هكذا تؤكل اللقمة يا بني!؟. أما أمه فأجهشت بالبكاء" .الأم عند الكاتب "أحمد الطايل" لا تخرج عن هذا المعنى، هي امتداد للاطمئنان والاحتواء. يقول السارد:"كان دائم الجلوس في حجر أمه"وهي استعارة تصب في معنى الامتداد العاطفي الذي يراه كل إنسان تتحكم فيه الجذور."آه ،آه يا أماه!!، كم أشتاق لهذا دوما. أتمنى أن أنام على ساقيك...تمررين بيدك على وجنتي. تعبثين بشعري. كم أن هذا الأمر يضع الكثير والكثير من الإضاءات والدماء الساخنة...ويعيدني كأنني لحظة ميلاد جديدة" سيكون السرد هنا حفر في الذاكرة والوجدان. وكاتب السيرة الذاتية هنا يؤرخ لذاته وقد تفردت داخل المجموع ويضع خياله في دائرة السؤال وهو:كيف أجعل من أناي مصدرا للشهادة؟وهل يمكن للخيال معي ومن خلالي أن يصبح وثيقة؟.يسمالروائي "أحمد الطايل" هذا السؤال بالوقوف على عتبات الأمس ويجعل من هذا الوقوف رسالة مفعمة بالرأي والحجةليتحول إلى شاهد على الزمن الذي ينتمي إليه.
جاء الإدانة على لسان السارد:"إذا أردت أن تنجح فعليك جعل المرأة وسيطا. بعضهن متصابيات عفا عليهن الزمن، ولكن لا يعترفن به.فنون الماكياجات تعالج كل التجاعيد وكرمشة الوجوه بالإضافة إلى بارفانات تنادي الصيد.ومن المؤثر أن الصيد لا بد أن يكون ثمينا" .
يدقق السارد في سيكولوجية الشخصيات محددا أبعادها الاجتماعية، وهو تدقيق مُحَمَّلٌ بمعنى الإدانة والاحتجاج على تفاهة الواقع. جاء على لسان السارد:
"هناك من يبحث عن علاج لحالات الملل الزوجي،يبحثن عن التغيير من باب تغيير الطعم واللون والرائحة فلقد أصبن من التخمة من تكرار تناول لون واحد. هن يرين أن عقد الزواج هو عقد امتلاك.عقد احتكار فيتمردن ولا يعنيهن أن يكون خارج سرب المشروعية، ساحة لعقد الصفقات السياسية لتلميع البعض ليأخذ مكانا بدائرة صناع القرار" .
الكتابة تعويض للذكرى واستنطاق للذاكرة/الوقوف على عتبات الأمس
"عندما أخذت الشمس بارتداء ثوب المغيب اندفع الجميع للجلوس بالباحة أما خيمة الشيخ،صفوف متتالية دون تريب مسبق."تعرفون جميعا أني أفكر لكم وبكم وأنا معكم لأني منكم قد يكون لي شأن مميز لديكم بفضلكم أنتم علي أولا وأخيرا واحد منكم ولكم من هنا أفكر من فترات طويلة أن لا بد لنا من الاستقرار والسكينة بدلا من حياة التنقل والترحال كل فترة تتعرض للعديد من الصعاب المعيشية وتغيرات الطقس من مكان إلى مكان" .
مع سلطة القبيلة هذه ينصهر الكل في حس جامع لا مكان فيه إلا زعيم واحد يقرر مكان الجميع ومؤداه البحث عن الاستقرار، فَعَطْف الجماعة يجد صداه في روح الفرد الذي يستحيل إلى جماعة لا يرى نفسه خارجها. والجواب عند الكاتب هو أن "بعض أحداث طفولتي وسنواتي الأولى–لازالت-تعيش داخلي وتداعب ذاكرتي بين الحين والحين.مازلت أتذكر طقوسهم اليومية قبل الفجر حين تصدح المساجد بتلاوة القرآن يستيقظ أبي يعطر فمه بذكر الله ورسوله يقترب من والدتي ويربت عليها بحنان بالغ يوقظها. الصلاة يا حاجة! هكذا كان يناديها" .
هي ذي حفريات في المنسي القائم في الوجدان والذي استطاع الكاتب تطويعه بالحكاية ليعيد وهجها الممتد في الزمن والذاكرة والمكان.




المصادر والمراجع
بالعربية.
1- برادة محمد. أسئلة الرواية. أسئلة النقد. ط.1. دار النشر الرابطة.البيضاء. 1996.
2- طايل أحمد. ضمن الأعمال الكاملة.*شيء من بعيد ناداني (سيرة روائية).
*مثالية الحياة (رواية).
*الوقوف على عتبات الأمس(رواية).
*ميراث( سيرة روائية).
3- طه حسين."الأيام". (سيرة ذاتية).دار المعارف مصر. (دون سنة نشر).
4- محمد برادة. لعبة النسيان(مقدمة الرواية). دار الأمان للنشر. ط. 1. 1999.
5- محمد شكري."الخبز الحافي". (رواية).الفنك. 2010.

بالأعجمية.
1- Albert Camus. L’étranger (roman) Ed. Gallimard. 1942.
2- Butor (M).La modification(Roman).Paris.Ed.Minuit.1957.
3- Raymon Boudon. (entretien avec) «l’individualisme en sociologie»Espris.N°108.Novembre1985.
4- Ricoeur.(P).Le parcours de la reconnaissance.Folio.essais.Ed.2004.


د. عبد الإله الكلخة
باحث في أنثروبولوجيا الدين والسياسة
(المغرب)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى