خالد جهاد - زهرة الخشخاش

المقال رقم (٣١) ضمن سلسلة مقالات (القبح والجمال)..

قد يقتل الصمت فينا أقوى المشاعر أو يعرضها لسوء الفهم تماماً كما يفعل الإبتذال في التعبير عنها، فالحساسية المحيطة بها وبتناولها تجعلها شديدة الخصوصية.. سريعة العطب وعرضةً للإهتزاز بفعل الظروف والتحولات الإجتماعية والإقتصادية التي تمتد إلى مختلف جوانب حياتنا، ولذلك كان الحديث عن الحب ومفرداته
في أغلب الأحيان مغلفاً بالكثير من المفاهيم التي قد تلامسه بشكلٍ فعلي لكنها لا تعالجه أو تحرره مما علق به من شوائب غيرت صورته كلياً وغيرت نظرتنا إليه وطريقة تعاملنا معه، تماماً كما يحدث عند محاولة تناول الرغبة الجنسية ضمن حوار شفاف وحقيقي وراقي بعيداً عن الأساليب المتعارف عليها في بلادنا..

فالجنس دون أدنى شك هو أحد أهم مقومات استمراريتنا، لكنه بكل أسف تم التلاعب فيه وبمفهومه كحالة كونية متكاملة تأخذ منحىً خاصاً عند الإنسان الذي أخرجها من إطارها النقي، فقد وجدت لتكون ضمن باقةٍ من الأحاسيس والمشاعر الجميلة التي تربط بين الرجل والمرأة والتي تعتبر بمثابة تتويج لها حين تصل تلك العلاقة إلى مرحلة الكمال البشري التي ينصهر فيها كلا الطرفين في الآخر بالمعنى الروحي والنفسي قبل الجسدي لتحقيق تلك الحالة من السلام والطمأنينة التي لا تتحقق دون أحدهما، فكلٌ منهما يحمل جزءاً من شريكه بداخله والذي يحقق التكامل معه من خلال هذا (التواصل) مع الآخر والذي يعزز بدوره تواصله مع ذاته ومكنوناتها التي (قد) لا يفهمها قبل هذه الحالة الرفيعة من المعرفة والتي تنبع من أعماقنا قبل أي مكانٍ آخر..

ولطالما كان هناك نوعٌ من الخلط أو الإختلاف بين الناس حول حتمية ارتباط مفهومي الحب والرغبة أو تلازمهما فيما يعد كل منهما توأماً أو ابناً أو انعكاساً لنظيره، لكن هذه الصورة لا تتضح إلاّ عند توافر الكثير من العوامل والشروط في الأشخاص الذين تجمعهم هذه العلاقة وأهمها نظرة كليهما الى بعضهما البعض، والتوافق في نظرتهما إلى هذا التواصل الذي يجمعهما وإدراكهما لأبعاده ومعناه والتعامل معه بقدر كبير من الإحترام والتقدير والمسؤولية والوعي إلى جانب تفاني كلا الطرفين في إسعاد واحتواء حبيبه، حيث يفترض أن يكون كل لقاء بمثابة تنقية للروح وتذويب للأنا التي يشعلها الواقع المادي من حولنا..

والذي ساهم في تحول وتبدل الجوهر السامي للجنس وانتزاعه من حاضنته الفعلية المتمثلة في طقوس ومفاهيم نبيلة وحميمة تمتاز بخصوصية نبعت من امتزاج طرفيها على مختلف الأصعدة وتنامي الرابط بينهما بمرور الأيام فجعلت لكل ثنائي بصمته الخاصة التي لا تتوفر في علاقة أخرى، والذي تم على مدار عقود من خلال تصدير مفاهيم مزيفة تحت شعارات سطحية واهية تعزز النزعة الفردية وتخرج المشاعر من عمقها العاطفي فتحولها إلى سلعة وتعريها لتجعلها شهوانية غرائزية وحشية بشعة عابرة قائمة على المتعة البحتة ولا قيمة فيها للعناق والقبلة واللمسة والأمان والإستقرار والإتحاد والإلتزام بالمحبوب الذي تخلقه العلاقة السوية التي تظللهما، حيث لا خوف فيها ولا كذب ولا مكان فيها للإستعراض والمنافسة والمشاركة مع الغير الذي خلقته بعض وسائل الإعلام عبر برامجها تحت مسميات (البرامج الواقعية والحوارية)، فاستغلت فضول الناس واللهاث الدائم لأصحاب هذه القنوات بحثاً عن نسب مشاهدة عالية بأي ثمن، وافسدت الذائقة عبر تكرار استضافة الكثير من النماذج المريضة والفاسدة وتجميل سلوكياتهم القبيحة بالتزامن مع تغييب كل عاطفة وجمال وانسانية وشعور بالغير، استغلت جمال الجنس واستخدمته كمخدر للوعي ووسيلة لتدمير المجتمعات وتدمير مفهوم الحب والإخلاص والأسرة والدفىء تماماً كما يستغل البعض جمال زهرة الخشخاش للحصول على بذورها المخدرة وايهامهم بنشوةٍ لن يصلوا إليها..

خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى