غاده رسلان الشعراني - أسطورة ليلو وحِتّن مع الرّوائي محمود عيسى موسى

يحدّد الرّوائيّ شخصيّات روايته ابتداءً بالبطلين (ليلو وحِتِّن)
فيثير التناقضات بين ماهو معروفٌ في الواقع عن الأساطير بأحكامِه المتوارَثة بعدم وجود ليلو وحِتِّن حقيقةً وبين ما تحملُه روحُه رغم الطفولة البائسة بعفويّتها المقصودة إذ تؤكد له أنّهما موجودان والأسطورة موجودة تحت حجر النمل فوق صدر (طبريا) ويراها كلّ يومٍ وليلة من برج (أم قيس) إذ بدأت الأسطورة على الخطّ الاستوائيّ للعقل في اللّحظة التي هبطت فيها (ليلو) بين :
خطي عرض : 32.42 و 32.53
&
خطي طول : 35.31 و 35.40
لتكون تجسيداً لأسطورة بلاد الشام ، ولتكون عتبةَ انطلاقٍ لشكلِ ما بعدَ الحداثةِ للرواية ...
إذ ندرك أثناء الإبحار في عالم الحبكة وأسلوب الكاتب أنّها أقربُ للنوع الغنائيّ في المسرح الموسيقيّ ...
فتأخذنا طريقةُ العرض نحو الأعمال الأوبريتيّة بشكلٍ عفويّ لطيف ، تتركز في جذور الحياة الشعبيّة كأغنياتٍ وترنيماتٍ وكأنّنا أمام جوقةٍ موسيقيةٍ في قصر البرادو في إسبانية ... نتلمسُ بعضَ المقطوعات لتغدو مُغنّاة ومُلقاة معاً ...
يعتمدُ الكاتب سردَ الرّواية/الأسطورة بلا قواعدَ صارمةٍ تحكمُه وبلا تعقيداتٍ وبإيقاعٍ كلاميّ قويّ بمضمونِه وشكله رغم بساطته لأنّه من اللّغة المحكيّة والتي يعود أصلها للآراميّة حيناً وللكنعانيّة حيناً وللأوغاريتيّة حيناً آخر ...
بجرأةِ الواثق المنفرد يسردُ أسطورتَه بشكلها الجديد وكأنّه يستحضر داخلنا آلهاتٍ وآلهة من الحضارات القديمة :
إنانا - (عشتار - كوكب الزهرة) آلهة الحب والجمال والجنس على الأرض والتي خفق قلب الرّاعي دموزي / تموز - الذي يسرح بماشيته على ضفاف النهر - عندما رآها ليلتقي بها وهي تغنّي مع إطلالة النور ...
فكانا في أسطورة الرّوائي محمود عيسى موسى
(ليلو) ربة الحرث - حواء
&
(حِتِّن) الحرّاث - آدم
كتجسيدٍ لأحداث حبّهما على الأرض ...
يتململُ حتّن الحرّاث داخل حتّن الصيدلانيّ والذي يمثّل ذات -الرّوائيّ/الرّائيّ- الإلهيّة فيحضّر بكيميائيّته الصّيدلانيّة تركيبته من بقايا الأرواح في حواقله الصغيرة لتكون
مادتها الأولى : روح حتّن الحرّاث 48 غراماً ...
ومادتها الثانية : الروح العليا لربّة الحرث ليلو 67 غراماً ... ومادتها الثالثة الوفيرة : السّواغ الذي يحمل الأرواح وهو ليس روحاً ولا مادة توزن بالمقادير ...
وكأنه يغدو (حتّن الصّيدناني) الجّاهل العاجز أمامها لتحفز حتّن الصّيدلانيّ فيرتدي ملاءة الياسمين (ملاءة البياض) لتفاجئه مركّباته فيهتزّ العالم أمامه بحركةٍ تتمّ فيها حياة التركيبة وتبدأ رحلتنا مع أسطورته في 21 آذار عام 1997م ...
تتحدّث الأسطورة عن ليلو ربّة الحرث التي يمتثلُ أهلُ البلاد كلُّهم لها ، الطائعون لأوامرها المنبعثةِ أشعةً من برجها ، الخاضعون الواثقون بنبلِ عطاياها ، المهتدون بشريعتها إلا واحداً هو حِتِّن ...
حِتِّن الذي تنجذبُ عيون (العذارى) نحوه ، حرّاثٌ لا يقدِر أن يضاهيه أحدٌ في المرج أو يسبقه ...
(كاهنات الأرجوان) هنّ أمّهات (العذارى) ، أمّهاتهنّ قرمزيات ولدتهن (صَدَف) حتى كبرنَ واشتدّ فيهنّ اللّونُ فأنجبنَ بناتهنّ العذارى وطرّزن بهن لربّة الحرث ليلو أرضَها ثوباً ... العذارى مغنياتٌ وراقصاتٌ ...
وكأنّا بالرّوائيّ محمود عيسى موسى يُوقِدُ جمرةَ ذاكرتِنا لحادثة اكتشاف الأرجوان التي تعود للكنعانيّين العرب وهم أول من استوطن فلسطين ...
فالأرجوان الملكيّ أو الامبراطوريّ صِباغٌ أحمر أرجوانيّ كان يصنعه الفينيقيّون في مدينة صور اللّبنانية حوالي 1400 ق.م وقد كان غالياً جداً ...
فتعود بنا الذاكرة لأسطورة لون الأرجوان في سورية كما تجسّدها الأسطورة اليونانيّة التي تقول أنّ ابتكارَه يعودُ إلى حوريّة سوريّة تُدعى (تيروس) وقعَ في حبّها (هرقل) بينما كانت تتجوّل على الشّاطئ وبرفقتها كلبها ، فإذا بها ترى لوناً أحمراً غريباً على فم كلبها بعد تناوله الأرجوان من صَدَفةٍ كانت على الشاطئ ، فأُعجِبت باللّون وطلبت من هرقل أن يُحضِر لها ثوباً بلون الأرجوان الذي شاهدته وإلا فإنها ستصدّه عن حبّها ، فأحضرَ وجمعَ لون الأرجوان من الأصداف وصبغَ لها ثوباً جميلاً قدّمه لها فكانت بداية اكتشاف انتشاره في العالم ...
هبطت ليلو بهيّةً كالأشعةِ الذهبيّة تطأُ الأرضَ الصّلبة للمرة الأولى ، تخلّت عن نعيمِ بياضِ الغيم وشغافِ السحبِ لتغتسلَ على شواطئ طبريّا ثلاثة أيامٍ بالماء الساخن وتتطهّر بماء بانياس - ماء النهر المضطرب وتجلسَ عاريةً إلا من الهيبةِ ليراها حِتِّن الحرّاث ويحرثها فوق أرضه التي أوّلها حوض ليلو - حوض طبريا - حوض النمل وآخرُها شعر ليلو - موج بحر إيفا (حيفا) ، بحرُ أوّل الزمان ، بحرُ أوّل الكون الذي ولد (قُبّة) وترُها الأرض وقوسُها السّماء ...
يدقُّ الحرّاث عودَه بقوّةٍ ويدبُّ الرعشُ في جسدِ سيّدةِ الحرثِ دون الامتثالِ لقوانين الأرض ، فعودُه من خشبِ أشجاره يقلبُ ترابَها ويشدُّ لجامَ دابّته فلا يسوقُه أحدٌ ...
سيندفعُ صوتُه الآدميّ من صدره مرتفعاً حتى يبلغَ الزّرقة السّرمديّة ويهزّ كرسيّ الحرث في برج ليلو ليعمّر الدّنيا برقصةٍ ويغمرَها بالنّشوة ...
تفترشُ ليلو أرضَ حِتّن ومرجَه بينَ بحرٍ وبحيرةٍ مأخوذةَ اللّبِّ شَغِفةَ العقلِ والفضولِ لتختبرَ قوانينَ حرثِه ، ومعرفة أسرارِ عودِه السّنديان ، وقوّة النّير الذي يشدّ دابّته ...
تفترشُ الأرضَ بعد أنْ كانت تقفُ وسطَ السّماء كما تقف شجرةُ الزّيتون وسطَ الأرضِ وقوفاً زيتاً و ناراً ...
فتغرزُ في شعرِه الغزيرِ خرزَها الأزرق من لونِ السّماء حِرزاً من حسد ...
تنفّسَ من الصّباح وهي تنفّست ريحَه شَذاً فتقصّفت ضلوعُها وكانت ملوحةُ القبلةِ فُستُقاً بين الأسنانِ واللّسان ليذوب سُكّر الحلق ، حوضُ البحيرةِ دافئ والنارُ تشتعلُ في الشاطئ ...
كان حتّن يلوّثُ ماءَ الأردن الصّغير بِعرقِه الذي أوّلُه قارٌ لِيسدّ به قاربَه المثقوبَ ، فيناجيها لينزّ قارُه بعدَ حرثها فتعجنه بزيتِ يديها حتى يصيرَ ليّناً ثم صلباً وترشقُ عرقَه في الكوّة فيسدّها كالشّمع (شمع روحيهما) فيرتفع بهما فوق زعلِ الأمواجِ الهائجة ...
تصبُّ ليلو صوتَها همساً لتدخلَ في كرزِ القلب وتضعَه في هدبِ العيون ...
حتّن سيقلبُ ترابَها المضمّخ بدمِه وعروقِه ، المجبول بحنينِه وابتساماتِ وعولِه ورعشةِ كاحِله في انحدارِ السّفوحِ نحو وديانها ، المعسول بسربِ غزلانِه الشّاردة
سيقلبُ ترابَها المعروكَ بلهاثِه وهواءَ صدرِه لِيبلّ خشبةَ القلب ويشدّ عودَه (ناي الأرض) ليكونَ عازفَ المرج ...
سابلُ العينين هو ، صليبٌ من المريمية يرقُّ فيشفّ فيحمرّ فيطفح من دمِ الدّحنون ولمّا يصير قانٍ من شدّة الوجدِ يعلو غناءَ القندولِ الأبديّ في أعالي الجّليل ويصدح الزّرعُ بضلعِه الأيسر آخرِ الضّلوع وأوّل عظمٍ تُخلَق منهُ ليلو ...
يصدحُ ولا يرى غير جبينِ ليلو المشعّ بتبرِ الصّباح الذي لم يختلف عن سمائها إلّا بلونِ الحنطةِ فيضرب بصولجانه قمحَ البيادرِ ويردّد لحنَه الأزليّ فيوقظ الحقلَ من الغفلةِ والسكونِ والعزلةِ لتصحو إناثُ الحجل ويبدأ موسمُ البذار ...
تشدّ ليلو كاحلَها في أرضه كنباتِ البيلادونيا (ستّ الحسن) وتصرخ في وجهِ من يحاول اقتلاعَها ، تعانقُه وتبلغُ به قمّة الكون ، فنهرُ الأردن قادمٌ إليها لتغسلَ أصابعَ قدميه ، فتنشَط روحُه لتعودَ بنا الذّاكرة هنا نحو مريم المجدلانية حينَ غسلت أقدامَ السّيّد المسيح بزيت الطيوب ...
تجلبُ ليلو من النّبع ماءَ الغسل لحتّن بإناءِ النّذور (جاط الفضة) الذي تشتريه من سوق العتيق في أسواق دماشق (دمشق) بثمنِ جوهرةِ عِقدها الذي يحوطُ أنبلَ عنقِ من أعناقِ الفينيق وأجملَ عنقٍ للقلائد والجواهر ..
ظهرت (ليليت) شيطانة العواصف ترافقُ الرّيح ، تحملُ المرضَ والموتَ فكما تقولُ الأساطيرُ أن ليليث هي الزوجة الأولى التي خلقها الله مع آدم لكنّها هربت وصارت معشوقةَ الشّيطان ، تصوّر ليليث أنّها الحيّة التي أغوت آدم وحوّاء ...
تُوصَف بأنّها جميلةٌ وشهوانيّةٌ جداً تُغوي الرجالَ ليلاً ثم تقتلُهم كالعنكبوت الذي يغوي ضحاياه بشباكِه اللّامعة وتلفّ شعرَها الطّويل حولَ أعناقِهم كالأفعى ، فهي المرأةُ المدمّرةُ الخالدةُ بكلّ سِحرها الذي لا يُقهَر والجهنميّ ، تحقدُ على حوّاء غيرةً منها خاصةً أنّ حوّاء خُلقَت من طينٍ لتكون مع آدم بديلاً عنها ...
ليليث الرّوح السّوداء للعالم ...
اختبأت (ليليت) خلفَ أعمدةِ معبدِ (جيرون) تحسِبُ على ليلو أنفاسَها وتدبّر مكيدةً لسرقةِ الجاطِ ، فتقمصّت جسدَ حيّة ووضعت جوهرةً على رأسها لتنيرَ لها الطّريق في ليل دماشق المائل للسّواد وليل قمّة قاسيون وليل الحور ...
مشت ليلو إلى النّبع مشيَ النّذور لتملأ الماءَ الدافقَ من الجّبل الرابضِ بين المرجِ وبحر إيفا ، فماءُ الغسل لا تنشطُ الرّوحُ فيه إلا إن سارت المرأةُ نحوه وعادت على ركبتيها ...
عادت ليلو بثوبها الأسود الذي فضحَ قرمزيةً في وجنتيها وكشفَ مسحةً نحاسيّةً خاطفةً في أنفِها الدّقيقِ ولمعَ تبرٌ في جبينِها العالي كشفَ نتوءاتِ عظامِها وحوضِها الواسع ...
دبَّ الذّعر في جسدِ ليليت ملكةِ الزّمرد واهتزّت أوصالُها من غيرةِ المرايا وعينُ الحسدِ أصابت حتّن فاشتكى من ألمٍ في عورتِه -ستَرَها بيديهِ وصاح- لتشدَّ ليلو كاحِله فأصابتْها رعشةَ الحزن لألمِ حتّن ووجعِ المرايا ولهيبِ الفضة ...
جفّ ريقُه وفمُه الجميل صار نبتَ شوكٍ ، فالسحرُ أفسدَ فضّتَها وطُهرُ شوقِها ووفائِها ، فالفضّة من الجاطِ والجاطُ من دماشق فلا غشّ فيه والماءُ من النّبع والنّبع من الجبل الرابضِ بين بحر وبحيرة ، فالشّرّ حاقَ بِحتّن ز وليليت خبّأت مكيدتَها تحت كرسيّ الكاهنِ في المعبدِ حتّى فسدَ ماءُ الغسلِ في المرايا ...
لتعودَ ليلو نحو النّبع ، لمعانُ أنفِها يشقُّ الهواءَ كالنّصل وثوبُها الأسودُ يُجرجرُ كدَرَ الأرضِ ويزيدُ من بريقِ عينيها ، جَثَت بكاملِ هيبتِها ووقارها وخلعَت جوهرتَها الثّانية وألقَتها في حقلِ النّذور ، فارَ ماؤه وزادَ في الحوضِ لأنّ ليليت فركَت جوهرتَها خلفَ الصّخورِ النّاتئة ...
سرقَت ليلو غفوةُ النّوم فحاولت ليليت سرقةَ جوهرةِ النّذر لكنّ ليلو استيقظت من حلمِ الشّوكِ فوضعَت ليليت الأنثى المهجورة جوهرتَها فوقَ رأسِها وصارت حيّةً تزحفُ خلفَ ليلو تتلوّى في سُمِّها ..
انتصبت ليلو أمامَ حتّن كجذعٍ مرمريّ السّواد على ركبتيها فمالَ نحوَها ولثَمَ بفمِه الشّوكي راحةَ يدِها ، فمرّرت أصابعَها فوقَ شفتيهِ وصاحت بعذارى المرج ، فحبيبُها مريضٌ وعلى كلّ عذراء أن تقبّلهُ قبلةً وتقلعَ شوكةً ، شدّت ليلو كاحله وشدّت روحها فرَسَت الموجة الهائجة وهدأت أمواج اليمّ وسكنَت على ساكنيها وانبلجَ الصّبح ، فغسلت ليلو قدمي حتّن ولم تكترثْ بالمرايا فتبدّى ماؤه النّقيّ المقدّس كروحه ، غطُته بشرشفٍ طرّزته له العذارى من خيوطِ العمر ، تقدّس الماءُ بين أصابعِه وغسلَ عفارة الحقول ...
دلقت ماؤه فوقَ روحها وجسدها ، روى أرضَها ونبت لهما ماشاءا من نبات ، دقّ حتّن عودَه في الأرض ، زاد دفءُ المياه في حوض طبريّا ولمع الزيتُ في خصلات شعر ليلو ، و ليليت مذعورةٌ مُخفِيةً خبثَ المرايا تتلوّى ويتلوّى فيها حبلُ المسد ...
تنعم الأرض ويسهلُ دقّ العود في القادم من المرات ويحلو البذار في الكيس الذي يحيطُ وسطَ حتّن وتشتدّ فحولتُه ويطيبُ مصرورُ الزوّادة من الخبز ومرصوص الزيتون وبصل أم قيس وتهبُّ رائحة زنابيطه فوق طبريّا ...
فتُدهشُ ربّةُ الحرثِ ليلو : (أكانَ هذا كلُّه فيَّ؟) ليجيبها حتّن : ( ستلمعُ عيناك بماءٍ كخطفِ البرق وتُسمَعُ تأوّهاتك في أعالي الجليل والبلاد المجاورة ، أقسمُ لك ستنعم أرضُك )
وليليت لم ولن تهدأ قبل أن تكشفَ عورتها للحرّاث حتّن فتُغويه وتأخذهُ من حضنِ ليلو لكنّ حتّن قطعَ على نفسِه العهدَ كما يقطعُ دمَه ويتوهّج فيه الخجلُ ، قد أقسَمَ وحقّ هذا العود وسنديانِه الأصمّ أن ينعم كدرةً من كدرات ليلو مع كل غُموسٍ من الزوّادة فيَعذُب ماءُ الأردن في عسليّتها المعلّقة بجلالِ الدّابة ، فتناولت ليلو عسليّتها وشرب حتّن حتى ينزَّ عرقُه فيقلبَ التّرابَ وتنعم أرضُ ليلو وتنتشر ألوانها الحمراء والبنيّة في الدنيا وتلتقي بالأزرق وراء الأفق وتفوحُ رائحةُ ليلو وينبلجُ صبح حتّن ويحرثُ ويعبُّ فتصرّ له ليلو حبةَ زيتونٍ تضعُها عند آخر كلٍّ ثلم وكلّما حرثَ ثلماً يريحُ عودَه عند رأسِ الثّلم ليأكلَ حبّتها كلّها ولا يتركها للطّير فالمنافعُ بعدَ القطاف ...
تبتسمُ ليليت ابتسامتها الماكرة وينحسرُ قميصُها ماكراً تخلعُ ثوب الحيّة وتقف وقفةَ إغواءٍ تحت شعرها الفاحم الغزير وتفعلُ ما فعلته ليلو فكان مزيجاً من شرابٍ من ريق ليلو المذوّب بسكّر الحلق وماء الأردن ونفثِ زعافِ ليليت .
دلق حتّن العسليّة في فمه ، فتح جفنيه وأخذ نفساً عميقاً
ونظر يساراً إنّها سيّدة الحرث ليلو ولا يدري
ونظر يميناً إنّها أنثى الرّيح الأحمر ولا يدري
كلاهما امرأة من لحم ودم فمُها سكّر وحلو كالزبيب فظنَّ أنّه فعلُ الخمرِ ، ضاع بين امرأةٍ من مرمر أبيض وامرأة من مرمرٍ أسود فالخدرُ كان عظيماً ...
لكن ماء الشّريعة (ماء الأردن) كسرَ زعافَ ليليت في العسليّة ، وسكّر ليلو بلسمٌ لشفتيه فيبدأ هواؤها في الشّهر التاسع من حلاوة العمر ، سبتمبر الحياة يفاوضُ تشرين السّنوات سرّاً ...
أيلول تشرين الحياة وليلو سيّدة أيلول حلوةٌ فاتنةٌ ذات أنوثةٍ طاغية ، مْن سِواها له زرقةُ بحر الأطلنط يسكنُ في منزلها كوكبُ الزّهرة ، كوكب السماء ، كوكب فينوس ، سكنت فيه آفروديت وعمّرتهُ بالحبّ والخصب والجمال ، مَن سِواها يسكن في منزلها الزّهرة يعمّر دارَها ويبعثُ في أرضها التّناسق وفي جسدها الليونة والسّحر وقوة الجذب والشدّ نحوَها ...
وليليت سيّدةُ اللّظى سيّدة الرّيح الأحمر ذاتُ أنوثةٍ تغوي بها الشّيطان ، آبُها لهبٌ ...
تحاولُ جذب حتّن نحوها لتمنحَه عسالتها ولم تسمع ليلو كلام الأنثى الحمراء وخُدِعَ حتّن وظنّ كلامَها حلاوةَ الزبيب فسالَ لعابُها واكتوت بجمرها ...
كان النّور صاعداً فبدأ بالهبوط وانخفضت حرارةُ شواطئ بحيرةِ طبريّا المتعرجةِ (بحر الجليل) المنخفضةِ عن سطح بحر إيفا ووضعت كلُّ محارةٍ سبعة ملايين بيضةً لكنّ ليلو توازنُ كلّ شيء بهيبةِ الطّاقة المشعّة بين البرج والكواكب ...
دقّ حتّن عودَه واهتزّ برجُ ليلو فاسترخت جفونُها على نومٍ هادئٍ فحلمت ورأت مكانَ اللّقيةِ المدفونةِ تحت التّراب قرب حجر النّمل ...
مشى حتّن خلف خطّ النّمل نملةً نملةً وحفر حتّى وجد اللّقية
وثيقة من زجاج الكلام محفورٌ بيد صاقلِه ، والزّجاج خزف (مؤتمر سريّ للتفاوض عُقِد قبل المؤتمرات مؤتمرُ زمنٍ بعيد انخفضت فيه حرارةُ الحوض) والوثيقةُ ممهورةٌ بدم الشّقيق (الشّقائق) ، ارتعشَ حتّن وحلّ بجسدِه الذعرُ والفرحُ ليته يفكّ الخطّ فهو من سلالةِ حرّاثين ...
حملَ عودَه على ظهره وصعد إلى قمةِ جبلِ الكرمل التي تخفّف هديرَ البحر إلى قمّة العرّاف القوس (حثروب) الذي يخبئ بانحناءِ قوسِه ذهبَ أيلول ...
وصية ليلو له ان يشقّ جلدَه بنصلٍ قديم فوقَ لدغةِ عقربه ويُهملَ وقتَ الشّمس ويغذّ السّير نحو القمة ، فثلاثون قرناً من قرون الخروب ، قرون العسل في جرابه تحميه من الخوفِ الذي يسيطر عليه في الليل والنهار ...
سيتذكّر أن يغبَّ الغضبَ الدفين في قرارة النّفس ويأخذ بحكمةِ ليلو ويختار الطرق التي عليه اختيارها فلن يلدغَ الآخرين ونفسَه حتى الموت لمجرّد اللّذة في القتل ولن يقلّد النّسرَ الذي يرتفع ولن يتشبّه بطاقةِ الحرذون الذهبية في دفع الوهم ، سيدبّ نظراته التي لا يملك الآخرون الهروب منها ولن يدبّ عنكبوتَ روحه في البريّة فخيوطه أعزُّ ما لديه
وعيناهُ اللتان تريان كل شيء وتفرضان نفوذهما ...
يقاومُ إغواءَ ليليت المرأة اللّكعة (اللّئيمة) فيعصبَ رأسه حتى لا يقعَ بشِباك أحدٌ ويحتفظَ بهيبة السّلطة والسّلطنة الشّيطانية ويشدّ الرّحال وعوده مرتاح على عضلاتٍ قويّة وطاقةٍ كطاقةِ الوحوشِ الكبيرة ...
حتّن كثيفُ الشّعر أكتافُه عريضةٌ يداهُ قويّتان فمٌ مشدودٌ إلى خطٍ عابسٍ غائرٍ في الجبين ، أسنانٌ حادّةٌ بسمةُ ذئبٍ لا تستطيع أيٌّ من نساءِ المرج مقاومَتها أو الصّدّ ...
لكن عندما يغرق في ظلمةِ نفسِه لن يكون قاسياً كالأشعة الساطعة من كوكبه المريخ الذي لا بهجةَ ولا حياةَ فيه ...
يقرّر دفنَ وحشيّته في المرجِ بذورَ سمسمٍ من مرمرٍ
بذورُه التي تعودُ إلى أرضِ ليلو فيطلقَ العنانَ لغريزتِه واثقاً أنها لا تخون ، فلن يتخلّى عن جلد الثعبان في محاولته ليصبح نسراً للوصولِ أبعدَ من أي مكانٍ ويوفّر طاقتَه المتفوقةَ وقدرته على التّحمل وغروره وطبعه المُطلَق للقمّة
سينذرُ روحَه وجسدَه لبلوغ أهدافٍ غامضةٍ سيتخلّى عن فطنته وذكائه العميق ولن يكشف نقطةَ ضعفِ محدِّثِه سريعاً أو مقصده ...
ليلو بملامحَ منتظمةٍ وعينين ضاحكتين رطبتين لا نوم فيهما وجبهةٍ عالية وجبينٍ واسع وأنفٍ دقيق ومستقيم
الوجهُ صافٍ كالبيضةِ الفمُ جميلٌ مرسومُ الحدود رشيقةُ القوام راقصةُ الوجاهة تختالُ برقّة حمامةِ سلامٍ تُحسِنُ انتقاءَ ثيابِها وألوانِها ومن عصيرِ النّباتات تأخذُ عطرَها غمّازاتٍ على الخدّين وغمّازاتٍ على الركبتين
الليلو لا تتفوّه بكلمةٍ جارحة تحسبُ حسابَه يتساوى في برجِها اللّيل والنّهار أمهرُ النّساء وأذكاهنّ وأسلمهنّ نيّةً
تسقي حرّاثها من حليب الأرض جريئةٌ في فرطِ الزّيتون
مضطربةٌ قلقةٌ ...
الليلو سيّدةُ البرجِ المُنبِتِ للكمأة وفي برجِها يحلو الرّمان
جسدُها هوائيٌّ مجبولٌ للرقص محبّةٌ للغناء الجميل تمشي كما البهجة بنعومةٍ وسحرٍ تحبّ بقوّة ولا تتحمّل الفتورَ تتمنّى أن تبقى محبوبةً إلى الأبد ...
يقرّر حتّن الصعودَ إلى قمّة الجبلِ ببطءٍ وثقةٍ فهو إن نطَقَ بكلمةٍ يقصدُ حذافيرَها وليلو تصغي كإصغاءِ الهادئ لشلالِ هواءٍ تهوى التّنقّل والحركة وتصبو إلى الحقيقة دائماً ...
يصعدُ حتّن إلى القمّةِ والقمّةُ تصعدُ إليه ...
تعملُ السّاحرات السّود على ابتعادِه عن ليلو لتكونَ له نِدّاً لا راحةَ أبداً في حبّه ليتسلّل إلى روحِها إلهُ الجحيم بقوّته الخافيةِ في عينيه التي لا يمكنُ مقاومتَها لكنّ ليلو قاومت كلّ الشّهور ومنحَت عسالتَها إلى حتّن لتكونَ الأروس (العروس) لِجَزَعها عليه فيقف ليشدّ فحولتَه حولها ولا يكترثَ بالسّاحرات لأنّه الملهمُ الصّبرُ ويحتملُ الشّدائدَ وما يفتكُ بالنّفس فيلبس قناعَ السّيطرة والهدوء ...
تكشفُ ليليت والسّاحرات السّود عوراتهنّ وما نظرَ إليهنّ أحدٌ فيجأر ليلو ويقرّر الزّواجَ بليلو ، فقد نعم ترابَ أرضه وهي من حقّه فترقص العروسُ ليلو في موسم الكرز في وادي العيون وتضع إكليلاً على رأسِها وتأكل الكرز الأحمر القانئ وتطعم حبيبَ القلب حتّن ليدبّ خميرتَه في حوضِها وتأتيه بغلامٍ جميلٍ اسمُه (إمتّن) فيصرخَ صرختَه الأولى ولا يسمح لأحدٍ من الاقترابِ من أمّه فيريحَ كبد حتّن لأنّه يطفحُ بدمِ البهجةِ والسّرورِ ، مياهُ حتّن شديدةٌ قويةٌ تهدّئ ليلو تحميها تنقّيها تشدّها إلى الأرض أكثر وتدوخُ كلّما نظرت إليه ، مياهُه دافئةٌ ومعبدُه يعلو فوقَ المياه ويطيرُ معبدُه لتكونَ أرضه هي المعبد فهو مولودٌ مائيٌّ أكثرُ من ذكيٍّ ، الماءُ طبعُه والهواءُ محبّتُه ...
الماءُ كلُّ شيء ، الماءُ دائرتُه وكلُّ شيء من الماءِ ، ليلو رأتهُ يمشي على الماء ، لصوتها رنينٌ ليس كمثلِه صوتٌ عسلُها يفوحُ بعبقِ زعترِ الجبلِ ، سيشدّ حتّن مناديلَ ليلو ويعصب بواحدٍ منها جبهتَهُ وبينهما إمتّن ( يامناديل المرمر تذكرينا )
يعبّ حتّن من عسليّة ليلو كلّما تعبت روحُه حيثما لا راحة في المدى تحوم ، ويشرب كي يعمّر بياضَ النّفسِ والأرضِ كي يصل وما وصل قلبَه أحدٌ ، كي يسقي الحقولَ على مدّ النّظر يشرب ماءَ الزّلال ولا يُغرق بني البشر ...
تعدّ ليلو له وجبةَ قمحٍ مخلوطٍ بالملح تقيهِ جوعَ الصّعود ،
يشدّ قوسَه ذاك القنطوروس الحثروب الرابضُ على قمّةِ الكرمل ، فحتّن أولُ الكنعان الذين يحجّون إلى كرملهم يشقّ بشهقتِه الأولى بحرَ أول الزمانِ ولن يكونَ آخرَهم ، حتّن أولُ من يسمع ترتيلَ الهدير ويشرئبُ جذعُه أمامَ السّفن كميناءٍ قديمٍ ، فهو من وُلِدَ بين الأصداف يومَ كانت الدّنيا أرجواناً يومَ احتفلَ أهلُ سوريا العليا وأهلُ سوريا المجوفة سبعةَ أيامٍ بلياليها ، عمالقةٌ كأشجار أرزِهم أقوياءٌ كأشجار سنديانِهم رفعوا مناجلَهم أمامَ بحر أمورو (البحر الأبيض المتوسط)
فيا لأهلِ أرضِ ليلو يا للأرجوانِ الذي تطفحُ به التّنانير ، تطفح به النّساء في البلاد وتزيد ، وأرجوانُ الدّنيا يصّاعد نحو القمّة كبخارٍ أزليّ فيا أيّها الحثروب المحكومُ بالمشتري أقوى الكواكب بشرتُك نقيّةٌ ولونُك قرمزيٌّ تستمدّ قوّتَك من حوافرِ حصانِك الأربعةِ الطالعةِ من أرضِ الجبلِ تطلقُ سهمَك نحو الأهدافِ العالية يا من يعلو فيكَ جسدُ الإنسان ويشارك كهدّافٍ بارعٍ في الرّماية بسهمِ النّقاوة والتّفكير المتعالي في سباقِ الدّنيا ...
الحثروب سيّدُ الحكمة عيناه ناعمتان وواسعتان ذكاؤه مفرطٌ ثيابُه ناعمةٌ كالغيوم لا يكبر في السّنّ قويُّ الإرادة والذاكرة صاحبُ الأنَفَة وُجِدَ زعيماً يحكمُ الرّهبان والأتقياء ولا تخطئ سهامُه أهدافَها حَجَرُه فيروزٌ تركواز ولونُه بنفسجٌ متحرّر من كل خبثٍ ومكرٍ وحقدٍ نشيطٌ فطِنٌ يتكلّم بصراحةٍ ولا يؤذي أحداً روحُه ساميةٌ وانحناءُ قوسِه نحو أرضِ ليلو تمتدُّ حكمتُه كالزّرع فوقَ سومر حتّى بحر غزّة يفكّ اللّقية ويفسّر الكلام ويفضحه كما تفضحُ الحبوبُ الأرضَ التي تنبت بها ...
اخترقَ سهمُه حتّن وتغلغلَ في الحشا فَضَوَت جوانُحه
فالأرضُ الميراثُ الأجمل ولحتّن فيها منزلاً وداراً زيتاً وناراً
أهلُ الحرث يكرهون أهلَ الحرب
يفيضُ الأردن وتغتسلُ ليلو ويغتسلُ إمتّن ويغتسلُ أهلُ حتّن ويَطهرون فالأرضُ هي الميراثُ الأمثلُ للعاشقِ
وحتّن يجمعُ وأهلُ الحرثِ والذين دقّوا الحجر بالحجر كلَّ الرّوث ويغطّون الزّمردَ على الرؤوس فيهربَ الشّرّ ويموت ...
شكراً بهيّاً لهذا الجمال الذي حطَّ في قلوبنا
شكراً جميلاً لكلّ هذا الحبّ الذي أحاطَ نبضَ بلادنا
شكراً محمود عيسى موسى ...

غاده رسلان الشعراني


1.jpg




2.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى