أ. د. أحمد خيري حافظ - تقديم الطبعة الرابعة من كتاب "السرديات العحائبية لنجيب محفوظ"

يستحق الدكتور خالد محمد عبد الغني أن نتوقف كثيرا عند إنتاجه العلمي والأدبي والنقدي فهو عبر30 عاما أو أكثر منذ حصل على الدكتوراه في علم النفس وهو دؤوب ومثابر في دراساته النقدية وإبداعاته التي لم تتوقف لحظة واحدة منذ ذلك الحين عن تقديم الإنتاج العلمي الذي فاق ما يتوقعه الإنسان من عالم مرموق مثله. لذلك كان الدكتور خالد عبد الغني نموذجا متفردا في عطائه وإنتاجه وإبداعه ولعلنا نتوقف قليلا أمام كثير من إبداعاته متأملين كيف استطاع أن ينظر كمحلل نفسي متمرس وقدير في مجال الأدب والفن لكي يخط بقلمه كثيرا من الإنجازات والإبداعات التي استطاعت أن تكشف لنا كثيرا من العوالم الخفية التي ربما لم نكن نلتفت إليها عند قراءة هذه الإبداعات للأدباء والفنانين. ويبقى أن نقول إن من أكثر الأدباء الذين توقف عندهم خالد عبد الغني هو أديبنا المبدع العربي العالمي نجيب محفوظ صاحب جائزة نوبل في الأدب، لقد توقف خالد عبد الغني أمام إنجازاته ورواياته فكشف لنا المستور منها، وأضاء لنا ما كان مظلما بالنسبة لنا، وكان عصيا على فهمنا برؤية عالم نفس شامل ومحلل نفسي عميق، واستطاع عبر محاولاته العديدة أن يكشف لنا عما وراء روايات نجيب محفوظ وقصصه وأبطاله وحكاياته وأسراره.
استطاع خالد عبد الغني أن يغوص في أعماق إبداعات نجيب محفوظ ويطرح لنا رؤيته كمحلل نفسي وأن يكشف بنية هذه الروايات وأعماقها فلكل بطل من أبطال نجيب محفوظ بنية نفسية لا يلتفت إليها ولا يعرف أسرارها ولا يغوص في أعماقها سوى محلل، أستطيع أن أقول وأن أشهد أنني عبر هذه السنوات الطويلة في تخصصي في علم النفس لم أجد عالم نفس قَدِرَ على أن يقدم هذه الذخيرة الكبيرة والثرية والمتنوعة والشاملة كما فعل الدكتور خالد عبد الغني إنه يحتاج إلى قراءة، وإلى فهم، وإلى تقدير،وإلى محاولة الولوج إلى عالم خالد عبد الغني، هذا العالم الذي يضج بالإبداع وبالتمرد وبالرؤية العميقة وبالفهم الشامل للإنسانية كلها في أدب نجيب محفوظ لو أننا نقدر أمثال هؤلاء العلماء لكان خالد عبدالغني عالما نستقي منهأ حدث نظريا تعلم النفس، ومدرسة متفردة في أحد أقسام علم النفس في جامعاتنا، ولكان له تلاميذ هو مريدوه، ولكان لنا قسما متفردا في إحدى كليات الآداب هذا القسم يختص بـ"علم النفس الأدبي" وهو قسم لا تقل أهميته عن بقية أقسام علم النفس وفروعه المتنوعة.
خالد عبدالغني خسرناه كأستاذ جامعي لامع وكسبناه كعالم قدير يعمل خارج الصندوق وخارج الإطار الرسمي، وهو حر في إبداعاته لا يتوقف لحظة عند منصب أو عند مسمى أو أيٍ ما كانت المكانة والمناصب فهو خارجها يعمل بدأب ومثابرة، وانجاز
خالد عبدالغني عرفته الدول العربية قبل أن نعرفه بحجم انجازاته، فقد نشرت له المملكة الأردنية - خلال عِقد كامل كم الزمن - الطبعة الثانية من أعماله الكاملة ، وها هي دولة العراق الشقيق وأدبائه يقفون مرحبين ومقدرين لانجازات خالد عبدالغني التي تجاوزت حدود تقدير مبدع إلى تقدير عالم عربي شامل لا يقل عن أسماء لامعة في الوطن العربي، في هذا المجال عرفته العراق وعرفته دول أخرى واستطاع أن ينال احترام وتقدير كل هذه الدول، وفي الوطن العربي الممتد من أقصى شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.
وفي لحظتنا هذه أريد أن أشير إلى أمرين هامين: الأمر الأول أن الدكتور خالد عبدالغني استطاع أن يأخذ من أقسام علم النفس بتوجهاتها المختلفة ويستوعب هذه التوجهات التي تختلف أحيانا وتتناقض في انتماءاتها المدرسية، فهو ابن لمدرسة عين شمس وابن لجامعة بنها، ولم يتوقف عند جامعة واحدة وإنما أطلع لي كل التوجهات والانتماءات المختلفة المعروفة لنا جميعا.
الأمر الثاني أنه كان ولا يزال ملما بقضايا علم النفس رغم أنه بعيد عن المجال الأكاديمي والذي يهتم بقضايا علم النفس سواء في الأطر النظرية أو الممارسات التطبيقية، فهو رغم بعده هذا وعمله الأساسي في تقديم الخدمة النفسية في مجال التعليم إلا أنه كان أكاديميا من طراز فريد حيث تبدو اهتماماته بكل قضايا علم النفس وتناقضاته، ولعل مشاركاته في السوشيال ميديا وعلى الأخص الفيسبوك تكشف لنا دائما أنه لا يتوقف يوما واحدا عن أضافه شيء جديد، وطرح رؤية جديدة متلمس فيما يطرحه كل القضايا الأساسية في علم النفس عارضا ومقدما رؤيته في ما يفيد علم النفس تنظيرا ، ويفيد المجتمع المصري ويفيد الوطن العربي كله تطبيقا.
تحية يستحقها الأستاذ الدكتور خالد محمد عبدالغني الذي استطاع دون مساندة أكاديمية كما نفعل نحن الذين ننتمي إلى أقسام علم النفس وجامعاتها، أقول لقد استطاع أن يقدم من العلم ما لم يقم أحد بتقديمه من قبل.
كل الأمنيات الطيبة لخالد عبدالغني وكل الأمنيات الطيبةأيضا لهذا الإنتاج العلمي المتميز، وتسعدني الإشارة إلى أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن "السرديات العجائبية لنجيب محفوظ" من الأهمية أن نرشحه كأحد الكتب الجامعية التي يجب أن تدرس لطلابنا. فكيف لا يعرف أبناؤنا هذه القمة الشامخة المبدعة وهو نجيب محفوظ؟. لقد تعلمنا على يديه أن هذا الأديب استطاع أن يجسد الشخصية المصرية في أجمل صورها وأبدعها على الإطلاق، فقد كان فرويد حين يسألونه عن أساتذته يرفع يده إلى عدد من الصور المعلقة في مكتبه للأدباء العالميين ويقول بفخر: "هذين هما أستاذاي". وأنا أقول دون أن أبالغ: "إن خالد عبدالغني استطاع أن يقدم نجيب محفوظ كما لم يقدمه ناقد أدبي من قبل فكيف نصل إلى رؤية وفهم عميق لإبداع نجيب محفوظ ما لم نطلع لىما خطته أصابع الأستاذ الدكتور خالد عبدالغني".
إنما هي دعوة حقيقية أقدمها لقراءة هذا الانجاز الذي احتشد خالد عبدالغني لسنوات لكي ينجزه لنا على هذا النحو، وهي دعوة حقيقية أيضا للاهتمام بكل ما قدمه من كتب مهمة في هذا المجال، أدعو الله أن يوفقه في مستقبل حياته وأن يقدم لنا المزيد والمزيد من هذه الإبداعات الادبية والنقدية.
ويضم الكتاب فصولا عدة هي :
الفصل الأول:المقالات الأولى "النفسية والفلسفية" وعلاقتها بعدد من الروايات .
الفصل الثاني: النرجسية وتجلياتها في رواية رادوبيس.
الفصل الثالث: نجيب محفوظ يسبق المحللين النفسيين في تفسير البغاء في رواية بداية ونهاية.
الفصل الرابع: الأوديبية أو سوفوكليس ونجيب محفوظ في رواية اللص والكلاب.
الفصل الخامس: استبصار نجيب محفوظ بالذات والمصير في ملحمة الحرافيش.
الفصل السادس: آخر أشكال السرد العربي قراءة في أحلام فترة النقاهة.
الفصل السابع : بيتهوفن ومحفوظ "ضربات القدر وطعنات السكين" قراءة في الأحلام الحقيقية.
الفصل الثامن : الحياة الفكرية والروحية لنجيب محفوظ في رواية رحلة ابن فطومة.
الفصل التاسع : فرويد و محفوظ "الاجتماعي/ الواقعي في قلب العجائبي/ السحري " في رواية ليالي ألف ليلة.
وتشير بعض معالم سيرة خلد عبدالغني الذاتية إلى أنه من مواليد قرية بلقس مركز قليوب محافظة القليوبية في (31 يناير 1970), وحصل على درجة الدكتوراه ، كلية الآداب ، قسم علم النفس، جامعة بنها 2003 بتقدير مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالطبع والتبادل مع الجامعات والمراكز العلمية والبحثية . ونشر أكثر من أربعين كتاباً، وأكثر من سبعين بحثاً ودراسة وأكثر من مائة وخمسين مقالا في الصحف والمجلات والدوريات وشارك بالعديد من المؤتمرات الأدبية والعلمية الدولية والإقليمية والمحلية في علم النفس والتربية الخاصة والنقد الأدبي. وفاز بجائزة عبد الستار إبراهيم ورضوى إبراهيم في الأصالة والإبداع العالمية في العلوم النفسية السلوكية من ولاية مريلاند الامريكية لعام 2018 . كما فاز بجائزة علاء الدين كفافي في علم النفس الأسري من القاهرة عام 2010. وعمل مديرا لتحرير مجلة الرواية ويعمل نائبا لرئيس تحرير مجلة التحليل النفسي، ورئيسا للقسم الأدبي بجريدة الحياة المصرية . ومؤسسا ورئيسا لتحرير مجلة النداء . وأمينا عاما للجمعية المصرية للتحليل النفسي، بالاضافة لعضوية العديد من الجمعيات النفسية والأدبية والاجتماعية. وله العديد من البرامج الإذاعية والتليفزيونية.



أ. د. أحمد خيري حافظ
أستاذ علم النفس الاكلينيكي بجامعة عين شمس




1.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى