خالد جهاد - الزوجة والعشيقة

لطالما كانت المبادئ ثابتة على مر الزمان رغم ما تعانيه من غربةٍ بين البشر، حيث يحاول البعض من وقت لآخر تغييرها أو إعادة تشكيلها أو قولبتها ليزيح ما (قد) يعتقده حجر عثرة في طريق (مصلحته)، فيمنحها اسماً جديداً ويلبسها ثوباً مقبولاً مختلفاً ليقدمها على أنها ذات القيم مع اختلاف الإطار الذي وضعت فيه مجاراةً لمتطلبات العصر..

وهو ما نجح ولو بشكلٍ جزئي توخياً للأمانة في الطرح واحتراماً لعقل القارىء، فاستطاع البعض بطريقته ومنطقه الخاص عبر الضخ المتواصل لأفكاره على صفحات مواقع التواصل الإجتماعي ووسائل الإعلام أن يغير من بعض المبادئ ويجعلها خاضعةً لمعايير نسبية بعد أن كانت من الحقائق التي لا تقبل النقاش أو المساومة، وهو ما خلق أيضاً بطبيعة الحال تابعين لها ومدافعين عنها (بكامل اختيارهم ومحض إرادتهم) في ظل تقاطعها مع مصالحهم واستفادتهم منها، ولم تتوقف من حيث المبدأ عند القضايا الخاصة والحساسة المتعلقة بحياة كلٍ منا بل امتدت لتشمل حتى قضايانا العامة ، فالتداخل بينهما أمرٌ حتمي لا مفر منه خاصةً وأن كلاً منهما يؤثر في الآخر حتى وإن لم يبدو كذلك للوهلة الأولى..

فكان إخضاع العديد من القيم والأخلاق لفكرة النسبية والتفاوت بمثابة تدمير لها، وتقديمها كأحد السلع المعروضة للبيع في واجهة أي محل تجاري، حيث تجد منها ما يناسب مقاسك وقدراتك المادية وحالتك الإجتماعية تماماً، أي بمعنى تطويع المبادئ لما يناسب رغبات الأشخاص وأهوائهم لا الزامهم والتزامهم بمضمونها الذي يفترض أنه صمام أمان للجميع، وهو ما ساهم في تفكك المجتمعات والأسر والعلاقات الشخصية وسمح للناس بتقبل الإزدواجية في المواقف والأفكار وجعلها بمثابة أمر (متعارف عليه) بات يميز حياتنا ومن هم جزء منها، ولم يعد التناقض مدعاةً للإستغراب أو التوقف عنده من قبل الكثيرين لأن الأعراف والمصالح (المعاصرة) أصبحت تتطلب ذلك، وأصبح تعدد الشخصيات وتقسيم الأدوار بين سري وعلني أمراً عادياً أوصلنا لما نعيشه على مختلف الأصعدة وفي مختلف القضايا ومنها قضية فلسطين..

حيث يلتفت الأغلبية في ظل هذه الظروف إلى من ينظر إليهم (كنخب) في مختلف المجالات ليعرفوا رأيهم ويستطلعوا مواقفهم تماماً كما يحدث في الغرب رغم اختلاف توجهاته، لكنهم تفاجأوا بتعامل الغالبية (دون تعميم) مع ما يحدث في غزة المنكوبة رغم ضخامته وهوله وفداحته على كافة المستويات بمنطق (الزوجة والعشيقة) والتي يتبدل موقعهما في كل مرة بناءاً على طبيعة الحكاية و(الوضع الإجتماعي) للجميع، ففي بعض الحكايات تكون (فلسطين) بالنسبة إليهم هي تلك الزوجة التي يقدرونها (سراً)، تلك الأصيلة المطيعة القنوعة الداعمة المسكينة المشغولة بحياتها الأسرية وتكاد لا تغادر منزلها ولا يعرف عنها أحد حتى إسمها الذي يتم مصادرته لتسمى بإسم آخر أو تصبح (أم فلان) وتظل على الدوام في خانة المجهول، والتي تتم خيانتها مع أخرى تناقضها في الصفات لكنها تمتلك الإغراء والجرأة التي تتعدى حدود الوقاحة والتي يعيش برفقتها (المرح)، يغدق عليها عاطفته ودلاله، ويطوف بصحبتها كل مكانٍ تمكنه ظروفه من الوصول إليه، والتي يتباهى بها أمام أصدقائه الذين يحملون ثقافةً وأفكاراً مشابهة له.. حيث يتحدث الأكثرية عن فلسطين لكن في السر، وقد يتعاطفون معها لكن شفهياً وبعيداً عن أي لفتة إنسانية حقيقية ملموسة إما خوفاً على مكاسب مادية أو انتظاراً لترشيحات غربية لهم، فقد اختار البعض الصمت رغم أنه لم يكن كذلك في أي قضية أخرى، واختار البعض الآخر خداع الناس من خلال منشورات تواكب عواطف الشارع واتجاهاته بشكلٍ مؤقت ليتم حذفها بعد مدة وبعد أن يتم (الإستفادة منها إعلامياً) لإظهار تضامن وهمي يخدم صورته، واختارت قلة قليلة جداً أن تكون صادقة.. حيث تتصرف في العلن كما تتصرف في السر، تتعاطى بوجهٍ واحد وتكيل بمكيال واحد ولا تدعي ما ليس فيها ولا تبحث عن شهرةٍ أو ظهور في غير مكانه، تحترم الناس وتحترم انتمائها.. بحيث ترى الأشياء كما هي وتسمي الأمور بأسمائها الحقيقية دون الحاجة إلى استخدام لغةٍ رمادية تخفي من خلالها زيف مبادئها..

خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى