أدب السجون كاظم حسن سعيد - جحيم المعتقلات في العراق -ج3- الرضوانية

-ج3-

الرضوانية

قريبا من مطار بغداد الدولي ، او ما كان يسمى بمطار صدام .
يقع معسكر الرضوانية الى الجنوب الغربي من بغداد ، وكان يسمى بمعسكر ضبط الرضوانية التابع مباشرة الى الحرس الخاص .
قامت ببنائه شركة يابانية عام 1980 وهو يتشكل من جملونات تستخدم لتخزين الاسلحة الكيمياوية قبل ان يفتح ويستخدم معتقلا سياسيا كان يشرف عليه ،صدام كامل،وذلك بعد الانتفاضة الشعبية في آذار عام 1991وكان صدام كامل يرأس اللجنة الخاصة بعضوية عدد من ضباط الاجهزة القمعية.
سبقنا الى ذلك المعتقل (الرضوانية ) رجال عاد بعضهم احياء باعجوبة ,اثر فشل الانتفاضة , فرووا لنا قصصا من الرعب تفوق افلام الخيال العلمي , وكل ما سمعناه عن المعتقلات العراقية منذ العهد الملكي مثلا, قذف المعتقل في برميل القار الساخن امام البقية لترسيخ الرعب .
بعد ان اجهز النظام على الانتفاضة عام 1991فكرنا بانشاء تنظيم سري جديد او حركة سياسية معارضة . ..
كنا مجموعة من الادباء الشباب نلتقي في مجاميع متفرقة في المقاهي والبيوت وضفاف شط العرب ,فدعانا الشاعر الفقيد حسين عبد اللطيف وتم تأسيس ما سمي (ملتقى الجمعة ), فكنا نجتمع كل جمعة في اتحاد الادباء لاقامة اضحية,فنقدم احدنا ونعرّف به ويلقي شعرا او يتلو نقدا او اي نشاط ادبي .كانت علاقتي قد ترسخت مع الرائد محمود البريكان والح عليه حسين عبد اللطيف ان يحضر فكان يرفض ذلك حتى انه اسر لي يوما ( عجبا .حسين كان على خلاف مع الادباء ويشكو لي منهم ويقاطعهم واليوم يدعوني للحضور ؟). في تلك الايام تعرفت على الشاعر , وكنت ازوره باستمرار ,وفي احد الايام طرقت بابهم فاخبرني ابوه بانه غير موجود , وما ان مشيت امتارا حتى صاح علي يدعوني للدخول فرأيت رجلا ابيض البشرة ضخم الجثة (ض) , فعانقني واعتذر لان الحذر واجب ..كان قد قضى ثمانية اعوام في السجن واتقن هناك الانكليزية وهو يكتب القريض ...
مع هذين الرجلين و <ض>,ستزرع بذرة التنظيم وتتعمق الجذور التي ستقودني مع مجموعة من الادباء الشباب الى معتقل الرضوانية ...صادف في تلك الفترة عرض مسلسل (رأفت الهجان ــ وهو مخبر اختارته المخابرات المصرية لتزرعه عميلا في اسرائيل لانه كان واسع المكر ولم ينل شهادة من اكاديمة امنية ) .. شخصيا تأثرت بهذا المسلسل ..
لم يكن احد من الادباء الذين اعتقلوا على علم بهذه الحركة او التنظيم الذي اسسناه , والمؤمل منه ان يعيد الحماس للناس وان يثوروا على النظام من جديد ,لكن <ك >الذي كان يملك حسا امنيا عاليا وصديقه <ض > لم يطلعوني على التفاصيل , ولم يحدثوني عن الاخرين في التنظيم , وعن ارتباطهم بجهة دينية تقبع في ايران , وانهم يتصلون بهم ويحصلون على التوجيه والسلاح عن طريق الاهوار ,ولم اكن حريصا على معرفة التفاصيل لاني ادرك ان ذلك يضر بالتنظيم السري ,الاهم انهم كلفوني بقيادة التنظيم مع شخص اخر في منطقة الحيانية <حي الحسين >...ولم ينفع احتجاجي نظرا للكثافة السكانية في الحي وصعوبة الامر فيها ان كنا اثنين .
بعد اختلاف الادباء الشباب مع اتحاد الادباء واندلاع الصراع الابداعي وليس <الجيلي >كما يظن البعض ,اخبرني الناقد <غ> في اخر ليلة لنا في الاتحاد , بان الخلاف بلغ ذروته ,وان انشقاقا حدث وباني سأكون سكرتيرا لاتحاد بديل يتم انشاؤه , في تلك الايام كلف عدي صدام باحتضان الشباب واصدر جريدة تنفس فيها البعض وقد فسح لنا في المجال اتحاد الطلاب لان نقيم نشاطاتنا في بنايته وافرد لنا قاعة وغرفة للتجمع,وهكذا بدأنا ندعو الكتاب الشباب والشعراء للالتحاق بنا واجرينا بعض الجلسات الادبية الا ان حادثة واحدة تمكنت من التخريب , فقد صعد ذات يوم مسؤول في اتحاد الطلاب والقى علينا كلمة شبه حزبية ,وقد كلفت خولة المعيوف رئيس الاتحاد فتاة لتنضم معنا لاجل المراقبة والتنصت ,وقد شرع الكثير من الادباء بالانسحاب ولم يحضر اخر امسية الا عدد ضئيل ,وجهت لنا اتهامات بانا نتعامل مع النظام ,لكنا كنا نحاول اختراق الاتحاد , ويصعب توضيح ذلك للادباء .
في احد الايام وكنت قد عينت موظفا في الاتحاد مقابل مبلغ زهيد , حاولت الاختراق , فقد كان الحارس صائما واقنعته ان يفطر في بيته القريب من البناية في منطقة الطويسة , وبعد ان مضى وضعت صفائح وراء الباب الزجاجي الداخلي فان دفعه احد اشعر بذلك من خلال الصوت , ودخلت الى غرفة خولة المعيوف واطلعت على الاوراق الخاصة بنا فقد كتبت في ورقة بعض التوجيهات منها: (الخطأ ان الادباء انضموا كمجموعة ويمكن ان يغادروا كمجموعة وهو ما نبهناعنه مرارا.... ) .
وكانت الفتاة (ن ) , طالبة في الاعدادية , تطمح ان اعرفها على البريكان , وكانت تتواصل معنا والتحقت في بناية خصصها لي الاتحاد ...وهناك حدث ما لم يكن متوقعا .. فقد كلفنا احدا ان يمنحها كتابا ادبيا وان يستعيده منها بعد قراءته ... وكان من طبعها ان تؤشر على ما يثير اهتمامها, وحاولت من خلال الخطوط التي تضعها تحت الجمل ان ادرس تركيبها السيكولوجي .. وكتبت ذلك في ورقة .. وحين زارتني الى البناية مدت يدها بجيب قميصي وأخذت الورقة وجرى صراع قبل ان استرد منها الورقة دون ان تقرأ سطرا منها .
وقد كانت لي مراسلات مع <ك > مرمزة , تأثرا برأفت الهجان, ستقع احدى الرسائل بأيدي المخابرات .
ذهبت يوما انا و< ك> الى مقر الحزب الرئيس في الطويسة وزعمنا بانا بدرجة رفيق .. والتقينا بالمعيوف وخصص لنا بناية جوار معهد المعلمين , ستكون اتحاد ادباء بديلا ..وبعد فترة وجيزة اختلفت مع ( ك) و(ض) , وقلت لهما ان العمل يتطلب غاية السرية ,وانتما تكشفان عن انفسكما, فعليكما الانسحاب من الجو الادبي وان تفكرا بقناع , بغطاء سياسي , لكنهما رفضا الفكرة , فعدت لداري ولم التق بهما .
واستمرا بعدي يديران جلسات ادبية ويستقطبان بعض الادباء الشباب , ودعاني مرة لاساهم باحد الندوات فوجدت الجو مشبعا بالريبة وتوقعت مندسين من الامن يحضرون .
يوما ما علمت بان (غ) قد تم القاء القبض عليه فتوقعت شرا , وتساءلت في سري (كيف ساقاوم التعذيب وانا بهذا الضعف الجسمي ؟!!).ولم تمض ايام حتى وصلني الى موقع عملي (في البناء بمبنى الاذاعة والتلفزيون , رجلان من المخابرات وامسكاني من يدي وقالا <لدينا استفسار معك >,ومضيت معهم وقبل ان نغادر المبنى تعمد رجل المخابرات ان يجعلني اتحسس مسدسه بيدي.
وكانت سيارة خاصة في انتظارنا فلما دخلتها رأيت الناقد <غ> فيها بنفسية منهارة ووجه عليه آثار التعذيب وكان يصف لي وضع اعتقاله وهو في حال شهقة وبكاء.
في الطريق امروني ان ادلهم على احد اصدقائي الادباء وكان يبيع في سوق البصرة ... فدخلناها واشرت لهم اليه فأتوا به ,ولم يكن ذلك خوفا مني لاني ادرك انهم يمسكونه انّى مضى فلا فائدة من التمويه الذي قد يفاقم الريبة لدى الاجهزة الامنية .
ودخلت بنا السيارة مقر المخابرات في الحكيمية وقالوا (اخفضوا رؤوسكم ..).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى