كاظم حسن سعيد - تحجر الحوار...

لقد زلزلت الثوابت والاعراف وصار الامان حلما وقد تفوز بساعات من الاطمئنان خلال سنة منقعة بالمرارة .
فانت مبتلى بشحاذين يطرقون لحظة غفوتك ظهرا بالعصي , بما يجاورك من توتر الركاب في عجلة او بسائقها الذي يقود وهو يتلفن وانت تتلو الادعية والايآت لتنجو .
ويتحرك قلقك وانت على الضفاف وفي المتنزهات وفي اللقاءات الحميمية مع امرأة .
وقد تداهمك المفزعات حين تشاهد الشاشة حيث تزال مدن بلحظات ويلهث الناس بحثا عن قطعة رغيف .
يتناساك المقربون حتى تربطهم حاجة لهم معك .
وهم يحاولون التواصل بصباحات باردة يرسلونها , ويفزعك الحزن الاعمق بلا سبب .
وانت شاهدت الرؤوس لصبايا وشبان ينحرون بلا ذنب , وعادت اليك العصبية القبلية وذقت ثانية سم الصراع الطائفي وفتنتك اقنعة الدين وطقوسه المبتكرة .
لقد مضى عهد الانقلابات فلست بطامح ان تسمع ببيان رقم واحد .
وتسربت من يديك الايام فلست تدري كيف انقضت العهود حتى افزعك المبيّض من القذال في المرآة .
وحين تغطس فيك وانت على صخرة ضفة ساكنة لا تتعرف الى ذاتك وتظل غريبا عنك , فاذا هربت للنوم داهمتك الحروب والجن والوحوش .
كنا كلما التقينا بمنزل او مقهى يندلع الحوار والجدل , الان نضيع عن انفسنا في انفسنا كلما مر لقاء , وكما يقول الشاعر ( فنحن سكوت والهوى يتكلم ) فقط استبدل الهوى بالمبايل نافذة الارواح ومعتقلها.
لقاءان مرا بي خلال اسبوع مع صديقين مقربين وبعد مرحبا واهلا تحجرت الكلمات وانسكب كل في جواله وفر الانسان من الانسان , كنت محرجا امام احدهما وفكرت ان اطلق مختزل الكلمات مراعاة لاداب الضيافة والاعراف فسالته عن صغاره فاجاب دون ان يرفع رأسه ( هم بخير ) واحتلنا الصمت ثانية , فماذا افعل غير ان اغطس في هاتفي ايضا .
هكذا مرت ساعة تكلست فيها الكلمات حتى ساعة الوداع فقلنا لبعضنا وداعا وانتهى كل شيء .
هنا تذكرت الشاعر الفرنسي بريفير ( 1900 – 1977 ) وهو يصف الجفاء الانساني كنكبة انسانية لا علاج لها .
(صب القهوة في فنجان
ثم اضاف الحليب ووضع قطعة سكر في الفنجان
وحركه بملعقة صغيرة
دون ان يكلمني
ثم اشعل سيجارة واخذ نفسا وترك الدخان يخرج من فمه كدوائر
نفض رماد السيجارة في المنفضة
ودون ان يكلمني ودون ان يراني او ينظر الي نهض ووضع قبعته على راسه ثم ارتدى معطفه الواقي من المطر لان السماء كانت تمطر دون ان يكلمني ودون ان يلتفت نحوي
عندها امسكت راسي بين يدي ّ
ورحت اجهش بالبكاء )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى