تركية لوصيف - عدلية، اللثام يليق بك!... قصة ثورية قصيرة

مسلك جبلى تقطعه العنزات فى خط عشوائى، تنط هنا وهناك كما لو كانت تتحرر من قيود الراعى التى يفرضها عليها بالعصا التى نحتها بسكينه الصغير لحظات عودة القطيع للتجمع..
كانت العصا طويلة بطول الراعى القصير الذى يضع وشاحا يغطى به وجهه.

دورية عسكرية، يترجل العسكرى ويتقدم من الراعى الذى لم ينتبه للعساكر التسعة،
العسكرى: كم عنزة لديك ؟
الراعى: تسع عنزات ملك لزوجتى: وانا أرعى فى هذا المكان القريب من بيتى
كان الراعى يتوقع طرح الأسئلة ولكن تجنبها بدعوة العساكر على الغداء على أكلة الكسكسى
العساكر يسرون بالدعوة ويمازحون الراعى
ماذا لو كانت مكيدة ؟!!
لم تغطى وجهك؟
دعنا نرى تفاصيله الكبيرة ..
ينزع الوشاح، فتظهر على رأسه خطوط لجروح تنبئ أنها كانت عميقة، عراك ربما..
الراعى: قطاع الطرق فى الجهة المجاورة ، تعرضت لهجوم منهم ولكن لم يأخذوا القطيع، فقط ضربونى وطلبوا تغيير مكان الرعى..
العسكرى: كم عددهم ؟!!
الراعى: لم أعد أذكر ..
العسكرى: اخبرنا إن رأيتهم
الراعى: سأخبركم..
قطاع الطرق يضربون الراعى ولا يستولون على القطيع!! العسكرى يتمتم ..
كانت الزوجة عدلية تكنس الحوش وقد تلبدت السماء بألوان الغيوم القاتمة، أدخلت صغارها وأحكمت الإغلاق بوضع حجرة كبيرة على العتبة، كانت ترقب عودة الراعى وحملت السلة لتقطف ثمار التين حتى لا تقتلعها الريح من الأغصان ..

أحست بخطى تقترب منها وصوتا يناديها واخترق سمعها من ناحية البستان فارتعبت

كانت تدور فى مكانها وهرولت ودخلت البيت الطوبى، قطرات المطر تخترق السقف والراعى لم يعد بعد، وأحدهم يطرق الباب فتصاب بالذعر ، كان الطارق يعرف اسمها ويناديها عدلية..
كانت تتبين صوت المنادى الذى لم تسمعه منذ عام انقضى ، قمر الليل والليث يقف ببابها
هدأت من روع صغارها وفتحت كان الخال ومعه ثمانية رفاق ملثمين ومسلحين .. احتواها بينما الرفاق صاروا رفقة يداعبون الصغار ..
العنزات فى شطحات تعلن تمردها والزوج الراعى يمعن النظر فى شحذ السكين على الحجرة الصماء التى بيدى زوجته ففهم الرسالة ..
الملثمون ضيوفها والعشاء سيجهز ولكن العنزات تسع والعسكر يعلم ونقصان واحدة تثير الشك..
العاصفة على وشك وطبيعى يضيع من القطيع جدى صغير ..
خيوط الدخان تنبعث من المدخنة وعدلية تحفر حفرة عميقة بالبيت حتى تدفن فيها بقايا الجدى من أرجل ورأس وجلد، بينما رائحة اللحم فى المرق والكسكسى أثنى عليها الملثون
الزوح يشكو لصهره تعرضه لهجوم سابق من طرف رجال ملثمين وصار لا يبتعد عن المكان ولكن اليوم اقتربت منى دورية عساكر ..
هل يشكون بقدومنا؟؟
لقد دعوتهم للغداء..
الخال يوزع الرسالة للرفاق فيجهزون لأى هجمة مرتدة، ويطلب من عدلية البحث لهم عن مكان آمن.. فتشير للقبو..
الزريبة صارت بها ثمان عنزات ويدخل الرفاق القبو الذى يؤدى لمخرج بسفح الجبل، ساعات وصاروا فى أمان.. وتحل دورية العساكر ويلحظون خروج الزوجين من الزريبة ليلا..

عدلية: لقد اضاع هذا المعتوه جديا صغيرا وأمه العنزة فى جلبة لفقد صغيرها ..
يتأسف العسكرى ويؤكد على الدعوة التى يقبلها فى المرة المقبلة، ينفلت الكلب من يده ويشم الحفرة ويكثر من النباح..
فيأمر عساكره بالحفر فيجدون بقايا الجدى المفقود.. العساكر يطوقون المكان وينقلون الزوجين على متن المدرعة ويتركون الصغار فى عويل يجرون خلف المدرعة وتظهر وهى تقطع المنعرجات فى سرعة فائقة.. عويل الصغار الثلاثة يتعالى ويقترب من مسامع الرفاق..
قمر الليل يضع يده على فيه، فينتبه الجميع فيقلصون المسافات بقطع الأحراش بينما يبقى ملثم يحمى الصغار ..
خط النار مثبت بالمتفجرات والمدرعة تقترب وطائرة مروحية ترقب المكان، تجحظ الأبصار ويتباعد الرفاق فى سكون، تحوم المروحية ثم يتضاءل أزيزها وتغادر.. ينفلت الرفاق كحبات العقد والخيط يربطها فلا تضيع ويعيد ترتيبها قائدهم قمر الليل..
الأسيران يتوسطان العساكر وينظران فى كل الإتجاهات عسىى قمر الليل يكون قريبا بالمكان فينقذهما..
المدرعة تقترب من خط النار وترتفع وتتطاير منها الأجساد ، وتعود المروحية للظهور فى عنان السماء الملبد بالدخان وتطلق القنابل وكانها فرس تدرس السنابل وتدقها فى شهر ايلول .. كانما الستار أسدل فتسلل قمر الليل للناحية الأخرى حتى يطمئن أو يرافق عدلية فى رحيلها..
العتمة والصراخ والجراح والدماء تفوح مسكا من أجساد الرفاق وكلمة الله أكبر جعلتهم أسودا ضارية تطوق الضباع..

كأنما يقتلع بذرة طاهرة من موضع غير موضعها، عدلية طاهرة تموت على كتفى على أن ينكل بها، كان يركض ويبحث عن مكان آمن لها حتى تلفظ الشهادة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى