د. زياد العوف - نظريّة الأدب...

لاريب أنّ عمليّة الإبداع الأدبيّ تستلزم مِنْ صاحبها تَوافُرَ عدد من العناصر الذاتيّة والموضوعيّة الضروريّة، وإلاّ استحالت الكتابة الأدبيّة إلى ثرثرة ولغو لا طائل منهما.
تتطلّب الكتابة الأدبية إذاً - فضلاً عن استشعار الموهبة الأدبيّة لدى المقبل على الكتابة ،وهي شرط حيويّ وجوهري - الإلمام الكافي ببعض الأسس النظريّة التي تقوم عليها عمليّة الإبداع الأدبيّ .
في هذا السياق سأحاول في هذا المقال الوقوف على مفهوم( نظريّة الأدب) ، وهذا لا يتأتّى عمليّاً إلاّ بالحديث عن مفهومين آخرين شديدَي الارتباط بالمفهوم المذكور ، وأعني بهما ( تاريخ الأدب) و( النقد الأدبيّ) .
ينضوي( تاريخ الأدب) تحت مفهوم ( التاريخ العام) إلاّ أنّه يحدّد مجال بحثه بالأدب وحده ؛ إنّه يقوم بالتأريخ للعصور والمذاهب والفنون الأدبية ، وكذلك للأدباء في عصر أو عصور بعينها. ومن الواضح أنّ التأريخ للأدب لا يستغني في بحوثه عن كلّ من النقد الأدبي ونظريّة الأدب ؛ إذ إنّه بحاجة ماسّة إلى مفاهيم وقيم نقديّة وقواعد وأسس نظريّة يستند إليها في عمله ، وإلاّ تحوّل إلى ضرب مِن ضروب السرد الحكائي الذي لا يمتّ إلى التاريخ الأدبيّ بصلة.
أمّا( النقد الأدبيّ) فهو بمثابة الفعّاليّة الفكريّة الوسيطة بين المبدع والمتلقّي ، وذلك مِن خلال التمييز بين الأساليب ؛ هذا التمييز الذي يتضمّن وصف وتحليل وتعليل وتقييم وتوجيه العمل الأدبيّ وِفقاً للمنظور النقدي للناقد . ومن المؤكّد أنّ النقد الأدبي لايستطيع أن يقوم بهذه المَهام دون الارتكاز النظريّ إلى كلّ مِن التاريخ الأدبي ونظريّة الأدب.
ماالمقصود إذاً بنظريّة الأدب ؟
إنّها بكلّ بساطة الإطار النظريّ العام الذي يؤطّر كلّ الممارسات النقديّة.
تأخذ( نظريّة الأدب) على عاتقها مهامّ تحديد طبيعة الأدب ووظيفته، وكذلك حدوده المرسومة بتأثير الأفكار والعقائد والأيديولوجيّات .
إنّ التأمّل في مفهوم( نظريّة الأدب)
يُظهِر أنّ التركيز على طبيعة الأدب
يقود إلى ( النظريّة الشكليّة) ، في حين يؤدّي التركيز على وظيفة الأدب إلى ( النظريّة الأخلاقيّة).
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ التركيز على أحد الجانبين لا يعني الفصل الكامل بين طبيعة الأدب ووظيفته ،بل يتعلّق الأمر بدرجة الاهتمام التي توليها نظريّة الأدب للجانب الشكليّ أو الأخلاقيّ .
هذا.. ويُظهر التاريخ أنّ الإغريق قد وجّهوا جُلّ اهتمامهم إلى وظيفة الأدب أكثر مِن طبيعته، نرى ذلك عند( افلاطون) الذي استبعد الشعراء من ( جمهوريّته الفاضلة) ، وكذلك هو الشأن مع( أرسطو) الذي اهتمّ بالجانب الأخلاقي الوظيفي مِن خلال( نظريّة التطهير) المعروفة.
فيما يخصّ العرب فإنّ التمييز بين طبيعة الأدب ووظيفته لم يتّخذ شكلاً نظريّاً واضحاً ، على أنّ مسألة
المفاضلة بين( اللفظ والمعنى) عند نقّادنا القدماء تقترب من هذا السياق.
نشير في النهاية إلى أنّ التمييز الاصطلاحيّ الدقيق بين طبيعة الأدب ووظيفته لم يأخذ شكله النظريّ الواضح إلاّ في العصور الحديثة .وقد يكون هذا مجال اهتمام مقالات أخرى .

دكتور زياد العوف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى