الهواري الحسين - توضيح وتصحيح خطأ شائع...

الطبخ المغربي لم يتأثر بالطبخ الأندلسي وليس فيه أثر للطبخ العباسي بل يكاد ينعدم التشابه بينها. فما يلفت الانتباه هو استعمال وتوظيف التوابل والبهارات والافاوية والاعشاب والمنكهات في كلي المطبخين وهو خير دليل . قراءة جديدة في كتب الطبخ الأندلسية (فضالة الخوان في طيبات الطعام والالوان لابن رزين التجيبي) و(الطبيخ بين العدوتين المغرب والأندلس عصر الموحدين للمجهول) وكتاب الطبيخ لزرياب والطبخ البغدادي لابن سيار الوراق و الأمير ابراهيم بن المهدي وغيرهم من المؤلفين الأندلسيين والمشارقة كابن العديم الحلبي صاحب الوصلة..
فإذا كان الطبخ الأندلسي الذي تأثر بالطبخ العباسي والأموي وخاصة البغدادي( زرياب و ابراهيم بن المهدي) والذي اعتمد كثيرا وأساسا على المري بأنواعه (النقي والعادي وهو نقيع مصنوع من أمعاء السمك المرقد والخبز المحروق) وهو إرث روماني مشترك مشهور باسم الغاروم garum ، إضافة إلى الكثير من الخل بأنواعه Verjus الذي لم يكن متوفرا ولا مستعملا بالمرة في المغرب قديما وحديثا، إضافة إلى مواد أخرى تميز بها الطبخ الأوروبي .
إن دراسة ومقارنة تلك الاصناف من الوصفات القديمة و الأطعمة و الأكلات والوجبات في المغرب و الأندلس و عند العباسيين و الأمويين في المشرق العربي لا يعطينا أية إشارة واضحة إلى تشابهها مع الأطعمة و الوجبات المغربية سواء الحالية أو التي كانت سائدة في المغرب قديما وباستثناء الأسماء ( اسماء الأطباق ) لا نجد أية مقارنة في استعمال وتوظيف الموارد والتوابل والبهارات وكذلك التقنيات techniques ناهيك عن إختلاف كبير في الأنماط الغذائية وتقنيات الطهي وحدها بعض الأطعمة تحمل نفس الاسم وهذا راجع إلى تأثير التعريب العام الذي حدث في عصر الحقبتين الموحدية والمرينية. انعدام التأثير الأندلسي في الطبخ المغربي يرجع ذلك الطرح غير صحيح وغير قابل للتصديق.
ميزة جديدة في الطبخ المغربي عكس الطبخ الأندلسي الذي تأثر بالطبخ العباسي والبغدادي انعدام وجود المري النقي الاندلسي الروماني في الطبخ المغربي وهو خاصية أندلسية كما أسلفت يوجد في كل الأطباق و الوصفات الساخنة .
ويتميز الطبخ المغربي الأصيل و اغلب الوصفات بالاستخدام المكثف للتوابل والبهارات والافاوية والاعشاب والمنكهات السائدة في ذلك العصر بجميع أنواعها من الزعفران والقرفة الكمون والهيل والقرنفل وماء الورد وماء الزهر ...إلخ إضافة إلى توابل غريبة محلية ومستوردة من الصحراء وإفريقيا حول حوض السنغال وحوض النيجر وبلاد التكرور وكوكو والسنغاي حيث امتدت إمبراطورية المرابطين والموحدين . ان ماء الورد كان يستعمل بكميات كبيرة وكانت تقنية التقطير شائعة في المغرب قديما إلى جانب صناعة السكر كما صناعة العطور والرائحة من الاعشاب والأزهار وكان استعمالها كمنكهات للأطعمة وكتوابل ، مما يعزز حقيقة أنه لم يتم استخدام المري والخل . إن ميل الطبخ المغربي إلى الطعم المعتدل الحلو الطيب لا يأتي باستعمال الأذواق الحريفة القويه الموجودة في المري و الخل والخبز المحروق بل يتماشى مع السكر و العسل الذي كان يستعمل بكثرة في الطبخ المغربي لرفع الطعم وجعله معتدلا لذيذا كما كان يدخل في الصيدلية و مهم لعلاج الأمراض . وقد عرف السكر قمة إنتاجه منذ العصور القديمة كما ذكر تفاصيل ذلك بليني الأكبر في معجمه التاريخ الطبيعي حيث أشار إلى نبات قصب السكر في جبال الأطلس المغربية وتذكره مصادر أخرى معاصرة للمرابطين والموحدين والمرينيين وحتى عصر السعديين حيث أصبح عملة وصناعة دولتهم وانتشرت تبعا لذلك وصفات كثيرة من حلويات بالسكر والعسل الطبيعي والسمن وألوان من المشروبات الحلوة المنكهة المختلفة أشهرها الروب الموحدي ، والتي لا يمكن العثور عليها في الطبخ الأندلسي والعباسي . وإذا كانت وصفات كثيرة أساسها تقويم الصحة وجدت لأمر علاجي وصحي محض وأصبحت من الوصفات الرائدة اليوم .
من المهم ملاحظة أن بعض الأطعمة والوجبات تحمل نفس الاسم الموظف في المغرب والأندلس وعند العباسيين و الأمويين في المشرق احد أسبابها توسع استعمال اللغة العربيه . لكن الوصفات تختلف كليا عند مقارنتها ببعضها ، يذكر ابن رزين التجيبي مثلا أن الموحدين كانوا يصنعون السنبوسك الملكي وهو طعام خاص بالطبقة الارستقراطية وكان يلي في الترتيب صحن الدجاج كما يشير إلى أن هذا الطبق المغربي يستعمل فيه المغاربة كثير من التوابل وهناك تفاصيل عنه في هذا المصدر وعن فائدة التوابل المستعملة فيه ويذكر الكتاب أن هذا الطبق ، مثل الأطباق الأخرى ، يمكن أن يؤكل مع "خليط من البهارات" ( كثير من التبول) كما ويقدم في إناء منفصل لأنه قوي وحار - وأظن أن المؤلف يشير إلى خليط التوابل المعروف اليوم عندنا براس الحانوت - مما يدل على أن السنبوسك الملكي كان له إسم مغربي وهو خاصية في المطبخ المغربي وهو غير السنبوسك المشرقي.

(الهواري الحسين تاريخ الطبخ المغربي)

وقد أشار الرحالة ابن فضل الله العمري بحق إلى أن أطعمة المغاربة هي الثراءد في زيارته إلى المغرب عصر بني مرين، وهذه الثراءد تختلف في صنعها عن المشرقية والأندلسية، قال بأن الثريد موجود بأنواعه المختلفة وهو من الوجبات التي يتم تقديمها يوميًا في فاس لشيوخ المرينيين ويذكر كذلك ابن رزين التجيبي أنواع مختلفة من الثراءد وخاصة الرفيسة بأنواعها وأشكالها وألوانها وأشهرها الرفيس الملكي خاصية الموحدين المتفردة والتي لم تكن معروفة في الأندلس أو في الشرق نهائيا وقد أشار المجهول صاحب كتاب الطبيخ بين العدوتين المغرب والأندلس عصر الموحدين إلى هذا الطعام في فصل الرفيس والمرفوسات دون الجزم بوجودها في الأندلس كل ما يذكره أنها طبق طعام ملكي يتكيف ويتناسب مع الذوق الملكي بل إنهم يحددوا على أن اطباق الرفيس هي المفضلة عند النبلاء والضيوف والزوار، وكان هذا الطعام له أهميته في ذلك العصر ولا يزال من البركة والتشريف، بل كذلك كان هذا الطبق الذي يتم تناوله أثناء الاحتفال بالمولد النبوي والمناسبات الاسلامية المقدسة والاحتفالات الدينية). ومعروف أن بداية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف كان في المغرب وأول من مارس ذلك هم عائلة آل العزفي في سبتة عصر الخليفة الموحدي المرتضى. لينتشر لاحقا في المغرب وباقي البلاد الإسلامية. وتعتبر طبق الرفيسة المغربية رمز لهذه المناسبة و الوليمة إلى جانب طبق الكسكس أحيانا .
إن الإشارات المتعلقة بالاعتدال الغذائي المغربي قديما نادرة للغاية ، وباستثناء بداية عصر المرابطين حيث تتفق المصادر على إبراز الاعتدال الاستثنائي ليوسف بن تاشفين المعروف بتقشفه ونزعته إلى التصوف والذي كان قمة التواضع عكس خليفته الذي كان ميالا إلى الترف ومن أتى بعدهم من حكام الموحدين المتأخرين (لو استثينا الشيخ المؤسس المهدي بن تومرت ) و المرينيين الذين تنافسوا على الملذات والكماليات ورغد العيش. ان يوسف بن تاشفين الذي ظل وفيا للنظام الغذائي القديم للصحراء وطنه طوال حياته مكتفيا بالتمر وحليب الإبل ليس عنوانا للطبخ المغربي الذي سيصبح عليه خلفاؤه بعد توسع إمبراطوريتهم في كل مكان شمالا وجنوبا وشرقا. إن الوصفات المقدمة تحت اسم الصنهاجي (المرابطي) والصنهاجي الملكي (الوصفة مذكورة عند ابن رزين التجيبي في فضالة الخوان) تعطي انطباعا مغايرا عن الطبخ المغربي في بداية عصر المرابطين فانواع المواد المستعملة في الوصفة غريبة وعجيبة ومبتكرة لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر غير المغرب و حتى أسلوب صناعتها يشير إلى تقدم وتطور حضاري (تحضر في طاجين مزجج أو زجاجي) بحوالي ثلاثة عشرة نوع من اللحوم زيادة على الخضار والتوابل. وتقدم في طوافير أو قصاع.. ثم هناك تلك الوصفات المسماة اللمتونية نسبة لقبيلة لمتونة المرابطية ( وقد لقب المرابطين باللمتونيين) وأشهر قادتهم أبو بكر عمر اللمتوني مؤسس دولة المرابطين، ويذكر المؤرخين لقاء هذا الزعيم التاريخي أبو بكر عمر اللمتوني مع ابن عمه يوسف بن تاشفين أو خليفة لهم في لمتونية ،و عن طبيعة الهدايا الفخمة والهدايا الثمينة من الذهب وغيره التي قدمها لابن عمه ومنافسه أبو بكر عمر. لكن الذي يهمنا من ذلك هو ذكرهم بوضوح أن تلك الهدايا الثمينة تميزت باحتوائها كذلك على كميات كبيرة من التوابل أي أن التوابل بأنواعها وأشكالها وألوانها كانت سائدة وشاءعة في المغرب عصر المرابطين. وبالنسبة للموحدين لعب أبو يوسف يعقوب دور نموذج للملك الصالح مثل يوسف بن تاشفين، لكن في سجلات خلفائه نجد العكس في تغيير نمط الحياة ورغد الحياة والاستمتاع إلى أقصى درجات المتعة بالمطاعم والمشارب. فإن كان ابن عدارى المراكشي هو الوحيد الذي يجادل بأن "يعقوب المنصور أظهر الزهد والتقشف والرصانة في الملابس وكذلك الطعام" فإن عصر الموحدين لم يكن كذلك بل إنه صورة عن عصر المرينيين ...


يتبع بقلم الهواري الحسين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى