بلعوام المصطفى - الإبداع القصصي بين كتابة الواقع وواقع الكتابة... نماذج قصصية: قطاري، الباب، قمري، فجر الطين، للأديبة صديقة علي

فهرست

١-تمهيد
٢-سرديات الوقائع وواقعية الأحداث
٢-١. مبتدأ بعض القصص وخبرها
٢-١.١. قصة قطاري
٢-١.٢. قصة الباب
٢-١.٣. قصة قمري
٢-١.٤. قصة فجر الطين
٢-٢. أسئلة الكتابة بين سرديات الوقائع والواقعية
٢-٢ .١. وقفة عابرة في مفهوم الواقع
٢-٢.٢. سرديات الوقائع بين الحقيقة والواقع
٣- إشكالات لغة النقد والكتابة القصصية "الواقعية" أو كتابة الواقع
٤- من قبيل الخاتمة
_
_________

١-تمهيد:
تطرح إبداعات القاصة صديقة علي سؤالين: لمن نكتب؟ ومن يقرأ؟
سؤالان بإجابات متعددة لا حصر لها تعود إشكاليتها إلى كون المبتغى من الكتابة لا يتوقف بتاتا على رؤية كاتب واحد. ومعرفة من يَقرأ ما نَكتب، لا يمكن رصدها بشكل عام وموضوعي. لكنهما يحملان ضمنيا سؤالاً فرعيا:هل نكتب لقاريء معين؟ إنه سؤال فرعي ملغوم جراء قفزه، وبأدق، حذفه للمسافة التي تربط القاريء بالكاتب. لنقل: إنه يلعب على نقط الحذف بينهما التي تخفي مفارقة مقلقة؛ تعود من جهة، إلى استحالة المطابقة بين القاريء الذي يتخيله الكاتب (القارئ المتخيل) والقاريء الفعلي الذي يَقرأ ما يُكتب؛ ومن جهة أخرى، إلى القاريء نفسه، في الاعتقاد بما يريد أن يقرأ أو الكاتب الذي يريد أن يقرأ له (الكاتب المتخيل)وما يقرأه فعليا، ولكأن الكاتب يبحث عن قاريء على مقاسه، متخيلين أن القارئ هو الآخر يطلب كاتبا حسب معاييره.
من أين المخرج إذن؟ تجده القاصة صديقة علي في حَلٍّ رهيب في بداهته، بحيث تنسف منطق علاقة العرض بالطلب بكل بساطة. فلا تكتب تلبية لرغبة قاريء متخيل ولا تنساق هي بما تكتب وراء ما يُنتج حول الكاتب المتخيل في حالة تماهي مع القاريء المتخيل. إنها تكتب واقعا يطول وجودها وتنأى بنفسها عن واقع الكتابة في عالم صار فيه القاريء أداة جهنمية لتمرير أي شي… و"مسرح هواءه الطلق" أحلام يباب في واقع خراب يهدد وجوده بكل طمأنينة وتؤدة. ماذا يعني ذلك؟ وما خلفيته في رحاب القصة القصيرة من حيث هي كتابة إبداعية؟
يُقال عن القاصة صديقة علي إنها تشيخوفية (الأستاذ الناقد محسن الطوخي، مثلا)، وإنها تتميز بكتابة قصصية "واقعية"، تمتح ذاتها مما تَبَقى من حياة الناس المعذبين في مخاثلتهم للموت من أجل أبسط شيء في العيش، يحفظ لهم إنسانيتهم، وإن ساعف القدر، من أجل بصيص حلم أو وميض أمل يربطهم بها ويختطفون منه لحظات حبهم لها. الشيء الذي قد يوحي في الدلالة الأولية لمفهوم "واقعية" أن ما تكتبه من قصص "شيء حقيقي وأحداث واقعية" من جهة، وهو سابق لها تستنسخه كما هو، وفي أحسن تقدير، تسوغه بفنيات لغوية وجمالية، من جهة أخرى؛ وعلى أية حال، يراد لواقعيتها أن تدل على الحياة الحقيقية حسبما هي في حيوات الناس وليس باعتبارات مثالية تطمس واقعيتهم في عالم آخر، لا يعنيهم في صراعهم مع الواقع؛ ذاك الواقع الواقعي الذي نستخدم له واقعا فنيًا لكتابته في الدلالة الأولية له. لكن هل لهذا "الواقع" دلائل تدل على واقعيته في الكتابة الإبداعية ؟ وماذا نعني بالواقعية في هذا الشأن؟
للجواب على هذه الأسئلة، سنقلب مستلزمات المنهج الذي يقتضي التحصين النظري المسبق للمفاهيم، ونتناول بالبحث مباشرة بعض قصص القاصة صديقة علي، باعتبارها قوام ممارستنا النظرية، مثلها مثل أي كتابة إبداعية. فكل كتابة إبداعية، في نهاية التحليل، تنطوي، سواء مفكر فيه أو غير مفكر فيه، على تصور يبدو وكأنه نظرية، حول ما تكتب وكيف تكتبه.
-----
٢-سرديات الوقائع وواقعية الأحداث
قصص القاصة صديقة علي المختارة للمبحث، هي: الباب- قمري- قطاري- فجر الطين-. ولئن كان كل اختيار ما غير بريء، فإن سبيلنا فيما اخترناه اعتمد على بعدين:
-بعد منهجي؛ يتمثل في ما يسمى بالعتبة، وتتوزع بين عتبة مفردة (3) وعتبة مركبة (1). تتمتع الأولى من حيث هي مبتدأ، بلفظة واحدة ذات دلالة بَيِّنة في معناها الحرفي المباشر (الباب هو الباب)؛ بينما الثانية مركبة من لفظتين تتضمن خبرا مجازيا (فجر الطين).
-بعد شخصاني؛ نعني به هذا القسط من الذاتانية subjectivisme غير القابل للمقايسة في أية علاقة مع كتابة قصصية؛ والذي يفسر جانبا من الانجذاب لمتن قصصي عن غيره، بالرغم أنهما يحفلان معا بتقنيات سردية عالية. لذا، نجد من الصعوبة بمكان تعليل انجذابنا لقصص القاصة صديقة علي؛ وأقصى ما نقدر قوله عنها أنها تنسيك ذاتك وتحملك بفيض من الشحن الوجدانية إلى عالمها؛ ويتجدد ذلك كلما أعدت قراءتها. لعلها…هي ذي القيمة المضافة للإبداع القصصي التي تستعصي على التقييم. وبناء عليه، ندخل إليها بنوع من العفوية (باشلار) من موقع ما هي، ولا نجعل من عتباتها نصا موازيا، نستجمع من القاموس دلالاتها الممكنة لقراءتها، وإنما ننطلق من هويتها كجنس أدبي: قصة قصيرة. لا نبحث مثلا، في قصة الباب عن كل الدلالات الممكنة، سواء من بعيد أو قريب، في القاموس ل "دال الباب"، بل ننطلق من بساطة سؤال القصة ذاتها: ما قصة الباب؟ وكذا ما قصة باقي الـعتبات في القصص الأخرى؟
-١.٢ مبتدأ بعض القصص وخبرها
٢-١.١.قصة قطاري
سردية قصة قطاري تضم عجوزا وحفيدا يلعبان. ويبدأ اللعب بطلب من الحفيد الذي أذعن له العجوز فراح يعيد القطار إلى السكة ويصفر: تووووت...تووووت… إنها لحظة انفلات من قساوة الزمن، ينسى فيها العجوز وجعه وعمره اللذان تمتصهما ضحكات الحفيد. يدور ويدور فيتوقف الزمن وينسلخ من حالته الحالية ليدخل إلى عالم طفولي مع كل ما يتطلبه من جدية طفل في اللعب. تصبح اللعبة ملكه كما يصير هو ملكا للعب. وبغثة، يوقف الحفيد اللعب بسؤال بريء وماكر في نفس الوقت، ينم على الشعور بأنه أصبح خارج اللعبة، ويريد التملص من اللعب من أجل استعادة لعبته: هذا قطاري…أين قطارك؟ طيبة السؤال هنا تضع حدا لعذوبة اللحظة؛ إنه السؤال القاتل غير المرتقب، يضع العجوز في مضايقة مزدوجة: يخاطبه ندا بند وكأنه هو الآخر طفل مثله، يستفسره عن قطاره؛ ويعود به إلى واقعه العجوز الذي نسي نفسه في عذوبة لحظة بنكوص طفولي، فلا يجد له من جواب غير تفعيل ذاكرته ب" كان قطاري..". وبهذا، تتحول لعبة القطار إلى فنية في القص لذاكرة مجروحة ولطفل كانه ولم يرحمه قطار الحياة.
ياء المتكلم في قصة قطاري إذن، هي علامة مضمرة (ابن سبوييه) لقصة قطارين: قطار العجوز وقطار الحفيد اللذان تتبلور بهما تركيبة القصة بتقاطع فني بينهما في نقطة واحدة هي الملتقى والمفترق لهما: مفترق طرق وملتقى طرق في محطة الحياة، لغة وحلما. فهنا، لعبة تبادل أدوار بين العجوز الجد والطفل الحفيد تتجلى أساسا في القول وذكاء الكلمات الموظفة:
-كان لي قطار من علب السردين
-تؤكل؟
توحي لغة الطفل (جوابه) أنه في بداية معانقته للحياة حيث الكلمة هي الشيء ذاته الذي تعنيه ولا تعلو عليه لتعني شيئا آخر بالمجاز : علب السردين——تؤكل. غير أن ما تعنيه منطقيا ستعني شيئا آخر للجد العجوز وتقع عليه كالصاعقة: لا لا كيف أشرح لك؟ تربكه في انتقالها من معناها إلى معنى معناها بالمجاز وتجعله في حالة اختناق مثل حبل يضيق على عنقه. وذلك، ليس لأنه غير قادر على الشرح، ولكن لأن قطاره ابتُلع فعلا، وليس فقط مجازا، يوم أكل اليهود أرضهم وما فيها من حياة وحياته الصغيرة التي تأزمت منذئذ، كأكل السردين. وعليه، بين المجاز والحقيقة تكمن جاذبية القص وبصمة القاصة صديقة علي منذ كلمة (تؤكل) التي تصير حمَّالة للوجهين، وفق السياق والمخاطب والمخاطب إليه؛ إضمار فني ذكي يشي بمناخ القصة، انطلاقا من تناول قطار على مفترق الطرق، وباللحن على وتر طرفي قصة الإنسان، الطفولة والشيخوخة، التي تزيد من جماليته وتخلق غالبا إيقاعا وشعرية جذابين: طفل بلغة عفوية، إلى حد ما، في بداية الحياة وعجوز بجسد يستشرف وجعه لما بعد الحياة حيث وقوفه متوقف عليه (قمت أتكئ على كتف صغيري ورحت أستجدي نسمات من النافذة..).
وسيجد هذا الإضمار الفني عبقريته القصصية في آخر نهاية شرح الجد العجوز لقصة قطاره؛ إذ على بغتة، سيتوقف الكلام، ليحل محله مقطع أغنية شعبية، تضاعف عفوية لغة الطفل شحنتها الوجدانية وحمولة المرموز له فيها:
"(ترشيحا ياركن الجبل ومزينة برجالها واللي يحاربنا نحاربه وبالسيف نقطع شواربه)
تحيط ساعده الصغيرة بساقي ويشدها اتجاه صدره…
-جدي جدي من هي ترشيحا … وشارب من ستقطع ..
أنظر إليه من أعلى، وعلى خده المكتنز تسقط دمعتي .."
نفس التقنية في خلق مسرح لغة على مفترق الطرق بين لغة الطفل الحفيد ولغة الجد العجوز؛ وهي لغة مكثفة، لا تحتاج إلى ملأ فراغاتها، ولا إلى توليد الدلالات منها؛ إذ، تدل فيما تقدمه من مشهدية حوارية، على ما يمور في ظلها. فنرى مقطع الأغنية يحتفل بلحن النشوة، بينما هو، في الحقيقة، يتنفس لحن الخيبة، ويربط بين زمنين: زمن التملك والعزة، وزمن الفقد والحسرة كما لو أن مقطع الأغنية لم يف بوعده. ونرى في نفس الوقت كيف أن لغة هذه الأخيرة ستأخذ بعدا آخر مع عفوية لغة الطفل: //ترشيحا يا ركن الجبل ومزينة برجالها واللي يحاربنا نحاربه — جدي جدي من هي ترشيحا // وبالسيف نقطع شواربه —- وشارب من ستقطع-//؛ فتدخل الأغنية في صلب الحوار بحيث يتلقاها الطفل الحفيد كرسالة موجهة إليه وتتحول من خطاب جمعي إلى موضوع خطاب يخصه والجد العجوز بسؤالين حول من هي ومن هو، الآن. سؤالان بريئان فيما يبدو، لكنهما يُجَرِّدان الأغنية من مجازها، ليسطع جوهر المعضلة وحقيقة الجواب عليها. وهنا ملتقى الطرق بصيغة صمت دمعة مشرعة على جوابين لا ثالث لهما // أقول أو لا أقول // (أنظر إليه من أعلى، وعلى خده المكتنز تسقط دمعتي). لكن مالذي يمكن أن يقوله؟ وهل بمستطاعه القول؟
لا تورط القاصة صديقة علي السؤال في أي من الجوابين، لإنه حتما سيفضي إلى تعرية المخبوء في الدمعة التي سقطت وحيدة على خذ الحفيد: أكون أو لا أكون. إنها بالعكس من ذلك، توظف نوعا من المكر الإستيتيقي الذي يخترق معمارية القصة بأكملها. فالطفل غير مهتم بقصة قطار الجد، أي بالقصة في حد ذاتها التي هي بالضرورة شيء من الماضي، بل بالقطار الذي تبدأ قصته الآن وهنا، يريد أن يرى قبل أن يصدق، أن يلعب ويحيا قبل أن يسمع:/لا تشرح..اذهب وآتني به/ لِمَ لَمْ تحضره معك! وانشغل باللعب ولم ينتظر/. فلا وقت له للانتظار كما انتظر هو عندما كان طفلا، قطاره الذي لم يسترجعه منذ "زيارة اليهود" لذلك الركن من ركن جبلهم. وبراعة القاصة صديقة علي تكمن هنا في اختيارها لكلمات الحفيد الملغمة التي تقوم بدور رجع الصدى لقصة الجد العجوز وقطاره، وجعل هذا الأخير، هو السارد المتورط بكلمات سرديته، فيما يقوله وما لا يقوله.
ما يقوله الجد العجوز هو أن أباه "كان مولعا بأكل السردين"، وكان هو الآخر..طفلا "مولعا بربط العلب إلى بعضها البعض بسلك معدني، فتصير قاطرات"، يحملها "بثمار العنب"، وقد يشحن فيها "حبات الزيتون"، ويملأ "بعضها ماء وترابا". يرسم لقطة حياة شاعرية بكلمات على هامش الشعرية. ففي ذاتها قد تعبر لطفل لعوب عن الشيء الذي تعنيه في واقعيتها، إلا أنها تحمل في غير ذاتها إضمارا فنيا لوظيفتها المجازية في سياق القصة، وتحديدا، لَمَّا تخترق الطائرات سماء حياتهم الشاعرية البسيطة: "صراخ أبي وهدير الطائرات جعلني أشعر بالخطر، فبسرعة أقنعني بأن ننزع حجرة كبيرة من جدار الحاكورة، ونواري خلفها القطار لحين عودتنا.."،تلك العودة التي لن تعود ولن تعود معها قاطرات تحمل ثمار العنب وحبات الزيتون، والماء والتربة؛ أي قاطرات بطعم جنة أرض ونكهة هوية متجذرة فيها بالمجاز. فمن رحلة الى رحلة، ومن غربة إلى اغتراب مزْمن، لن يبقى له غير ترجيع صداها: "ولا زال قطاري يناديني"، وبسملة أم فوق رأسه:
"-اشتر له قطارا يعوضه عما تركه!
-لا يوجد شيء يعوض ما تركناه.."
فاقد الشيء لا يعطيه؛ فقد كان وكان عنده والآن لا شيء عنده وما هو بكائن؛ والعندية لا تعوض الكينونة مثلما الواحد (القطار)، لا يعوض الكل (الأرض-المكان). وهنا، نرى كيف تمسك القاصة صديقي علي بشعرية مشهدية حوارية بكل براعة وذكاء. تصاحب فقدان صوت الواحد (الطفل) للكل:
"فسألته (العم) بلهفة هل مازال جدار حاكورتنا قائما ..رد بلا مبالاة حزينة
-نعم اطمئن لم يبق غيره!
ومن ذلك اليوم غاب عن أحلامي
(ترشيحا ياركن الجبل ومزينة برجالها واللي يحاربنا نحاربه وبالسيف نقطع شواربه)".
بقي جدار الحاكورة قائما حيث القطار مخبأ، يغيب تدريجيا عن أحلامه؛ غير أنه وهو جد عجوز، يتسرب مقطع الأغنية من ذاكرته، فننتقل في لحظة فارقة من القطار الحلم إلى ترشيحا المزينة برجالها الذين لم يقطعوا شوارب من حاربهم. مما يعني أننا إزاء زمنين:
-زمن ترشيحا: قصة قطار الجد، طفلا، مع أبيه؛
-زمن ما بعد ترشيحا: قصة الجد مع قطار حفيده؛
وبين الزمنين، ثمة زمن مسكوت عنه: زمن الجد مع ابنه.
إنه إضمار فني تجيد القاصة صديقة علي توظيف أدبيته على نحو تجعل منه محرك لغة القص. وهي لغة تتمنع عن التوصيف الواقعي حتى لا تسقط في اجترار المعلوم كتحصيل حاصل يقتل روح القصة. من هي ترشيحا؟ وهل عدم معرفتنا لها يقوض معرفة وظيفتها في القصة؟ لاشيء من ذلك، ولسبب فني مضمر يخول لها القيام بوظيفتين: ترشيحا المكان وترشيحا الحدث. من حيث المكان، قرية هادئة، نعرف من خلال الطفل أنها كانت تتمتع بالزيتون والعنب والماء، إلى حين زيارة اليهود وهدير الطائرات، إعلانا عن ترحيل رجالها المزينة بهم. وهو حدث مكاني كافي بذاته في معرفة القصة. من حيث الحدث، قرية لها بعد تاريخي؛ هي ترشيحا (جبل الشيح) من أوائل القرى التي سقطت بيد اليهود في حرب ١٩٤٨. مما يعني أنه حدث زمني يمكن أن نفسر به القفز على زمنية علاقة الجد العجوز بابنه (الجيل الثاني)لتوطيد الحدث الذي عاشه واستمرارية قصته في ذاكرة الجيل الثالث (الحفيد)، وتاركا دمعته على خذ هذا الأخير تجيب على سؤاله: شارب من ستقطع؟ لربما! يجيب عليها، فيقول ما لم تقله، ويَقْطع ما لم يُقْطع لتلتقي الطرق.. طرق الحلم.
------
٢.١.٢. قصة الباب
تَخَيل! رجل مهووس بالبيع في زمن الحرب، يبيع ما يشتري ويشتري ما يبيع؛ لا يهمه ما يشتري ولا ما يبيع، المهم أن يبيع ويبيع.. ولكي يبيع لا بد أن يشتري..إنه رجل في حلقة مفرغة مدفوع بنزوة عارمة تتجاوزه إلى حد أن كل شيء مؤهل للبيع. وتَخَيل! أن زوجته تعرف هوسه، وتتأقلم معه إلى حد ما؛ إلى حد ما، لأنها كانت تتوقع منه أن يبيع كل شيء إلا الباب..فلا يوجد عاقل في الدنيا يبيع باب بيته، كما تقول.
من البدء، القاصة صديقة علي تعفينا، حيث لاداعي في المطلق، من الوقوف على دلالات العتبة وأخواتها أو، على مدى تحقيقها للغز مؤجّل الكشف عنه أو، مدى فعالية التشويق التي يمكن أن تنصبه للدخول منها. فالقصص القصيرة والروايات المعنونة ب "الباب" كثيرة.. ومن العبث أن نجعل من عنوانها "بنية موازية" -كما يقال- لها نصية خفية في ذاتها، نقرأ بها أو نطل منها على متن قصصها جميعا للقبض على دلالاتها وحياة الفكرة فيها. فلا سلطة للعتبة على القصة، كما لا تُختصر القصة في عتبة هي ذاتها مجرد "اقتراح" من بين أخريات. فلكل كتابة قصصية قصة وقصتها هي جوهرها. والحال هنا، يقتضي منا مع القاصة صديقة علي، معرفة ما قصة "الباب" وليس فيما قد يحمل قاموسه من معاني ودلالات قبل الدخول إليها.
إنها قصة رجل وامرأة، زوج وزوجة، ترسم القاصة صديقة علي مزاجهما بعناية مركزة؛ هي تعرفه جيدا لَما يصمم على أمر ما، وهو يعرفها أيضا جيدا لَما تغضب؛ وبين شد وجذب، ينتهيان غالبا إلى نوع من التوافق المفتعل: هي تفرغ غضبها، فمن "حقها أن تناقشه بما أنها زوجته" حسبما قال في نفسه؛ وهو يبلغ مبتغاه، كيفما كان الحال، في نهاية النقاش، حتى ولو اضطرّ إلى تشديد حدة صوته "كي لا يخسر معركته معها". مشهدية العلاقة توحي أن لها معادلا واقعيا، تأخذ منه مصداقيتها، في الحياة اليومية لزوج وزوجة على خلاف. غير أن الخلاف هنا ذو نوعية، يمتح منها خصوصيته القصصية؛ إذ هو محكوم بثنائية النصر والهزيمة؛ مشهدية العلاقة هي إذن مشهدية معركة على مستويات. وهنا، اللمسة الفنية للقاصة صديقة علي في إبداع قصة قصيرة بشعرية الحياة في أقصى عبثيتها المرة. فبين أَنْتَ مهووس بالبيع (الزوجة)، وما حاجتنا للباب! (الزوج)، ترتب بيت الحقيقة، انطلاقا من أنهما معا على حق باختلاف حقيقة كل منهما مع حقيقة الآخر. فلا أحد على صواب ولا أحد على خطأ بما أن عكس الحقيقة ليس الخطأ، بل الحقيقة المضادة (باسكال)، وبعبارة أخرى، إنها الحقيقة دون رصيد. تستنجد الزوجة بأشخاص في رأسها، بعد أن يصطدم لسانها بشرح البديهيات: "تعالوا اسمعوا يقول ما حاجتنا للباب"،وهي بديهيات يجيب عليها بسؤال مستفز: "هل ترين هذه الخرابة التي نعيش فيها تستحق هذا الباب الخشبي؟". نرى كيف تروض القاصة صديقة علي لغة القص التي تقص دون حاجتها للمقص في اللغة؛ فكل كلمة فيها مشبعة بالإضمار الفني. جواب الزوج إزاء الخرابة، منطقي جدا ..وهو ما يستحوذ على عقل الزوجة التي تركز على الباب في ذاته من حيث هو بداهة لا جدال حولها؛ بيت له باب وباب ضروري لأي بيت. وهي بداهة في الوجود للزوجة، التي تصطرع عقل رجل أكثر سطحية، لا يهمه الباب في ذاته بل فقط لأنه خشبي ذو قيمة سوقية لا تستحقه خرابة.وخلف هذا الجدال، نلحظ كيف تتحرك حياة الفكرة بين بابين يؤديان إلى عالمين متناقضين في الظاهر:هوس البيع، البيع من أجل البيع، والبحث عن القيمة السوقية في البيع.
إن خاصية عقل المهووس تظهر في عدم قابليته تقبل أي شرح عقلاني لهوسه؛ فأن تشرح للزوج فوائد الباب بغية التخلي عن بيعه هو عبث، لا فائدة ترجى منه: "كيف سأشرح لك فوائد الباب، وأنت عقلك لا يتجاوز التفكير بشراء ما بعته، وبيع ما تشتريه، غدا ستبيع الفراش.. أنت مهووس بالبيع". تتوجس من هوسه الذي تراه حالة غير طبيعية، قد يدفعه إلى بيع الفراش... وهي حالة غريبة وعجيبة. ولئن كنا نعرف حالات سلوك الشراء القهري الأنيومانيا-oniomanie وأعراضها، فإننا نجهل كل شيء عن هذه الحالة الغريبة العجيبة التي ترصدها القاصة صديقة علي، وتبتكر فيها، من حيث هي حالة ممكنة ولها شروط ظهورها (الهوس بالبيع)، متستبطنة منها ميكانيزما خاصا بها، يحركها ويوفر لها تماسكا ومقبولية، ألا وهو "ميكانيزم العقلنة". فهنا، نجد المهووس بالبيع يعقلن سلوكه كي يمحو منه صفة القهرية، عكس المهووس بالشراء الذي يعرف بقدر ما يعترف بسلوكه القهري، لكنه لا يستطيع وحده فعل أي شيء حياله:
-" لا يازوجتي الحبيبة! أعرف ما حاجتنا للفراش، ونحن ننام على السطح أغلب ليالينا. فمن غير الممكن أن ننصب بابا يصل إلى السماء، ثم إني سأصنع بابا من الصفيح، وسيعجبك كثيرا.."
في التعريف، ميكانيزم العقلنة تبرير فكرة أو إحساس بصيغة منطقية في الظاهر. ولدى صاحب المهووس بالبيع، هو تبرير يرتكز على شيء من الحقيقة، يستغلها لصالحه بذكاء حتى "لا يخسر المعركة"، من منطق المعادلة بين الحقيقة والحقيقة المضادة. فالحقيقة أن البيت عبارة عن خرابة، وأنهما ينامان على سطحه أغلب لياليهم، والحقيقة المضادة أن لا شيء فيه يحتوي على قيمة، ما عدا "الباب الخشبي". والحقيقتان معا، تفضيان إلى تبرير منطقي لبيع الباب، يتفادى استحضار قيمته السوقية من أجل الربح. فهو سيعوضه "بباب من الصفيح يصنعه، وسيعجبها كثيرا". إنه تبرير في قمة العبث لمن لا شيء لهم في هذه الحياة غير خرابة وباب خشبي في زمن الحرب والإرهاب والتشرد. والعبث ذاته، لَما بقايا الصفيح من صنع الباب تنقد حياتهما: "..لكن قرقعة أقدامهم الهائجة فوق بقايا الصفيح المتناثرة أمام الباب كانت أكبر من أن تتجاهلها، بل كانت إنذارا مرعبا، جعلهما يقفزان من نافذة مهترئة مطلة على الوادي… وهكذا نجيا من براثن وحوش الإرهاب." يفران من القتل؛ ورغم أن دمعهما وخوفهما امتزجا، وأشواك الدرب تجمعت باقدامهما، فإن هوس الحقيقة المضادة يظل متقدا في عقله، ويدفعه إلى الهمس لها: "ممتن أنا لباب الصفيح الذي لم يعجبك". فمن غير المستحيل أن يخسر معركته مع ذاته قبل زوجته، التي تهمس له بصوت مخنوق: "هذا ليس وقت إعلان انتصار فكرتك"، وتطلق حقيقتها: "فنحن خسرنا البيت، والأمان، وحتى الباب .. وأنت تشعر بالانتصار.. حقا نحن شعب يصنع من هزائمه أكذوبة للنصر". والمفارقة هنا أن الأكذوبة حقيقة: لم يخسر الحياة مادام على قيد الحياة، وهي خسرت أشياء الحياة ومعها الأمان والطمأنينة. فحقيقته المرة المخبوءة وراء هوسه بالبيع، هو أن "الباب الحلم" لزوجته ليس إلا "الباب الوهم" في زمن الحرب والإرهاب والتشرد.
هل سيربح المعركة مع هوسه بالبيع؟
تجيب القاصة صديقة علي بكل براعة وإبداع:
"تأملت وجهه بنظرة فيها من الريبة والشك وهي تحاول أن تقرأ أفكاره (ماذا سيبيع زوجي كي نتجاوز ما نحن قادمون عليه). همت بسؤاله، لكنها خافت أن تذكره بما تخشاه، فهي الآن كل ما يملكه … "
------
٣.١.٢ قصة قمري
"-هل نمت جيدا ياقمري…؟ هل ارتحت يا بن قلبي؟".
مناخ شاعري تخلقه أُمٌّ بلغة شعرية رشيقة تداعب أكثر ما تخاطب. فهو قمرها وقلبها، وبالتالي، نورها الذي ينير حياتها. ياء المتكلم (قمري) تتجاوز وظيفتها النحوية، من كونها ضمير متصل، فتستقر كعلامة مضمرة (ابن سيبويه) لضمير وجودها فيها. لإنه، بالفعل، قمر وجودها، بمعنى أنه هو وجودها بكل بساطة. وعندما تلتقي الشاعرية بالشعرية والوجود نستشف، غالبا، أن ثمة غيمة رمادية تعكر شفافية المناخ.
في قصة قطاري، وَجْه آخر من أسلبة الكتابة القصصية، وطريقة مغايرة في تدبير فكرتها الفنية؛ فلغتها شجية في مداعبتها لحلم، بالكاد تتراقص على مويجات رومانسية؛ والحدث فيها، عبارة عن "تواشي كلمات" تراوغه ولا تشير له إلا بالوشاية حيث يعسر قطع الشك باليقين؛ فمن خلال وقفة سردية وفاصلة سيريالية، تخلق القاصة صديقة على قصة مدهشة تقبض الأنفاس.
في الوقفة السردية، أم تكلم قمرها (ابنها) في غرفته؛ وفي الفاصلة السيريالية، قول وتوضيح:
-قول الزوج: لا حول ولا قوة إلا بالله، توقعت أن أجدك هنا … متى ستقتنعين؟
-توضيح الساردة-الأم-: بصمت يمسح دموعه، أقدر حزنه الكبير..المسكين لا يصدق بأن قمرنا لازال يرقد في سريره قرير العين.
في تعليقه النَيِّر على هذه القصة، يكتب الأستاذ محسن الطوخي: "هذا هو الفن الذي يميل إلى التواري في المنطقة الرمادية (..) تلك المنطقة القادرة على تلقي الفن، واستيعابه، والتمتع به".
الأب يريد للأم أن تقتنع، وهي بدورها تحاول أن تقنع الابن. لكن على ماذا؟ موضوع الإقناع للأم يبدو واضحا مع ابنها حيث تقول له إنها ماتت ولن تعود، لكنه يرجوها أن تقول أنها ستعود وأن ذاك الصوت ما كان سوى رعد. من هي هذه التي ماتت؟ لا شيء يعرفنا بها غير موتها. في حين يوحي قول الأب أن الابن لن يعود وعليها أن تقتنع. وهو إيحاء تجيب عليه الأم بمواساة: "أقدر حزنه الكبير… المسكين لا يصدق بأن قمرنا لا زال يرقد في سريره قرير العين".
من نصدق إذن؟ نحن في المنطقة الرمادية على مستويين: القول في الوقفة السردية والساردة.
نقسم القول في الوقفة السردية إلى وحدتين: -القول التصويري. -القول الحواري.
١-وحدة القول التصويري: -تهمس قدماي لأرض صقيلة باردة {لغة تصويرية لمكان بارد، ينعدم فيه دفىء الحياة؛ القدمان تهمسان للأرض حتى لا تزعجا صمت المكان وجموده}. -…فيطالعني نور فضي، ينسكب على جبينه بسخاء {يطالعها النور عندما تقترب من النافذة، كما يطلع القمر (قمرها) عند اكتماله في الليلة الظلماء. هنا يتعلق الأمر بالنور الذي ينسكب على جبينه بسخاء وليس بالضوء؛ لأن الضوء السخي ينتهي بالإحراق والنور السخي بالإشراق، على قوله تعالى" هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا". فهو لمعان باطني ذاتي يشرق ولا يحرق (يا قمري…؟ يا بن قلبي)}.-أنقر الزجاج؛ فتفر حزمة ضوئية مبهرة من بين أناملي [النور ينسكب على جبين الابن كفيض سائل والضوء مبهر يفر من أنامل الأم كأنه كان محبوسا}.-أجلس على حافة سريره، يدنو مني، عطره يلف كياني {شيء منه، من رائحته؛ حلول في لحظة إشراقية وتماهي نوراني حسيا}.
بهذا القول التصويري، نرى أننا أمام "مكان نفسي" ينشر تداعياته على المكان المحسوس. وقد نخمن أنها غرفة النوم، إلا أن القليل المشار له منها (سرير، نافذة..) ما هو إلا مدعاة لإسقاطات نفسية تجعلها الأم الساردة المكان النفسي الحقيقي والتمهيدي للقصة.
٢-وحدة القول الحواري: لنا حواران؛ حوار الأم والابن، وحوار الأم والأب. وهما حواران حقيقيان حيث يتميز كل منهما بواقعية التواصل بين شخصين حقيقين. بالنسبة لحوار الأم مع الابن على سبيل التوضيح: "-من؟ -لا تقلق هذه أنا! - ادخلي لم أتيت إلى الشرفة (..) - تحلم بها أعلم… متى ستنتهي عزلتك؟ -حين تعود -لكنها لن تعود..هي مات، لكن ما ذنبي كي تلوعني؟ -أرجوك قولي ستعود وإن ذاك الصوت ماكان سوى رعد. - لن تعود أتفهم هذا… عُد أنت من عزلتك لأجلي".
--------
٤.١.٢ قصة فجر الطين
هل للطين فجر؟ وكيف ينفجر (من فَجْر) صبحا؟ توحي القصة، أن طينا في عتمة، ينتظر صبحا: مادة حية من الأرض تتوخى إشراقة من الشمس؛ وهما معا، حركية الحياة. تقوم بسردها عجوز في الثمانين من عمرها في حالة ضعف وهوان؛ وضد تيار الزمن، تصر على مواربة تقلص قدراتها كي لا تفارق طينها: "لن أستنجد بأحد، سيقولون أنني خرفت وسيخبرون أولادي". وبهذا الإصرار، تعزف القصة على وترين متداخلين؛ وتر إنساني ووتر أنتربولوجي.
يتجلى الوتر الإنساني في صراع المرأة العجوز مع ذاتها ووضعيتها الإنسانية؛ فهي تحاول لي عنق الزمن بتطويع ذاكرتها حتى تكون شاهدة على أن لا شيء تغير من قدراتها ويمكنها أن تتحرك في المكان بكل ثقة. فالمتقدم في السن بوضعية قدرات هشة متقلصة؛ غالبا، ما يتحرك في المكان انطلاقا من ذاكرته التي كونته عنه. هكذا لن تستنجد بأحد وتغالب عجزها حتى لا يعلم به ابنها الكبير ويسوقها معه إلى المدينة؛ فهي تمقت السكن فيها بعيدا عن أرضها وبيتها. الشرط إذن، أن تحيي الأرض حتى تعيش وتحيا فيها. فتخرج في الليل لريها، لتجد نفسها في امتحان يكشف لها مفارقة رهيبة بين ما تريد رغبتها وما تعجز عنه قدراتها؛ تجرب ما تبقى لها من حواس تربط القاصة صديقة علي دورها بعنصر من ذاكرة المكان. حاسة الاتجاهات: تهت بأرض ألفت ذرات ترابها ذرة ذرة. حاسة الشم: أنفي شاخ ولم يعد يميز حتى رائحة النعناع. حاسة السمع: لأصغي للماء (..) نسيت أني فقدت الكثير من سمعي. وبعد إفلاس هذه الحواس باعتبارها دال مفلس في صيرورة تكوين الدلالة (إفلاس الدال/ جوليا كريستيفا)، يأتي دور حاسة اللمس كآخر امتحان لمحنتها: "بقي أن أتلمس الطين". لماذا؟ وهنا، ذكاء القاصة صديقة علي في استعمال الحواس ودورها في علاقة الذات بالمحيط. علميا، المعلومات التي تستقيها الذات عن المحيط، عبر كل الحواس، باسثناء اللمس، تتم بتفسير شخصي للمحفزات (stimuli)؛ أي ليس لها علاقة مباشرة مع المحيط، عكس حاسة اللمس التي لها علاقة مباشرة معه، يجب أن يُلمس كي تفسر الذات.
لكن في هذه اللحظة بالذات، ينفلت الخرطوم الوقح من العجوز، ويكاد أن يرميها أرضا، فتسند ظهرها المحني إلى صخرة…صخرة..
إنها لحظة فارقة؛ تفجر (من فَجْر) ذاكرة مكان بحلوه ومره، لكنها في ذات الآن ترميها على أرض واقعها المنفلت منها. تتذكر قصة زوجها وغضبه حين أضاعت المجرفة: " اخرجي من هنا أيتها الغبية، أهلك أولى بغبائك". لم يساعفها قلبها وصغيرها يبكي، ولم تطاوعها نفسها وقد يتعرض زوجها لسوء من أهلها: "أذكر يومها، بكى زوجي بشدة، كان طيبا، سريع الغضب، دموعها غزيرة. يومها تسامرنا حتى الفجر، وكانت نسائمه محملة بحب وحنان لم ينقطع. لست خرفة الآن، ها أنا أذكر كل هذه التفاصيل". ذاكرة الحب أقوى من كل شيء لعجوز يخونها جسدها الذي يحتاج لعكاز كي يتحرك ويحيي الأرض لتحيا دون أن تستنجد بأحد. إلا أنه في المسافة، بين ما هي الآن وما كانت، انفلت الزمن من المكان، ولم يبق لها سوى اجترار خيبتها على أرض واقعها:" قضيت عمري وأنا أنقي أرضي من الصخر، إذا أنا لست بأرضي، فأرضي قطعة إسفنج، سهلة لينة". تدرك بحاسة اللمس حالة اغتراب وجودها بالزمن والمكان، وسط احتفاظها بتواشي ذاكرة المكان مع بزوغ الفجر (فجر الطين): " هذه غرسها زوجي، وهذه غرستها بيدي، والفتية لابني". وهنا، الوتر الأنتروبولوجي الذي يتجاوز وضعيتها الإنسانية ليعني أي إنسان عجوز، له قدرات هشة في عالم تتغير فيه القيم ويسابق الزمن بتغيراته السريعة. ويمكن اختزاله في نقطتين على الأقل:
-انهيار الأواصر حول المتقدمين في السن، وخصوصا عندما يجدون أنفسهم عزل دون شريك…وحدهم يقارعون لظى وحدانيتهم: "التيار الكهربائي مقطوع، وكل الأواصر مقطوعة، وقد لا يأتي ولدي".
-تغير القيم وانزلاقها في تغير الزمن، والمحيط. لم تعد هنا، للأرض قيمة في ذاتها مكونة لثقافة هوية الذات. مؤشر القيمة انتقل من الأرض إلى المدينة التي خلقت قيما أخرى، وأنماطا أخرى من العيش (سيجد مبررا لسوقي معه إلى المدينة، وأنا أمقت السكن هناك بعيدا عن بيتي).
هكذا تختم العجوز قصتها مع الطين والحياة: "ضاع عكازي، فرحت أحبو، جف حلقي، شعرت بالإنهاك وبألم شديد في قلبي، إذ غاصت قدماي، ويداي بالطين، أسلمت رأسي للوحل، آخر ما لمحته كان الدرج الموصل إلى باحت البيت، كان قريبا جدا؛ لكنني انغرست وعلي أن أنتظر إلى أن تجف الأرض، وما زلت أنتظر شمسا ويدا تقتلعني".
لا حاجة للتعليق حول براعة الساردة العجوز والقاصة صديقة علي.
--------
٢-٢. أسئلة الكتابة بين سرديات الوقائع والواقعية
هل نكتب من فراغ؟ وهل كل ما هو متخيل هو ضرورة غير واقعي؟ كيف يمكن أن نميز بين ما هو متخيل عما هو واقعي في الكتابة القصصية؟ وماذا يعني، بالنهاية، أن كتابة القاصة صديقة علي تندرج تحت إطار ما يسمى الواقعية؟
بداهة، المشكل في النعت وليس في المنعوت، في لغة النقد وليس في لغة القص، في المفهوم وليس في المكتوب. فلنتوقف على طبيعة المنعوت ولغة القص في قصص القاصة صديق علي.
نقطتان تثيران الانتباه في قصص القاصة صديقة علي:
-تعتمد قصصها على لقطة حياة لشخصية قصصية ببعد وجداني؛ وتربط أغوار جوانيتها بقضية وجودية مصيرية: العجوز الطفل وفقدان وجوده وترشيحا في قصة قطاري؛ الزوجة وخيبتها مع زوجها المهووس بالبيع في عالم لا يملكان وجودهما فيه إلا بالوهم في قصة الباب؛ الأم والأب مع قمرهما (الابن) الذي يظل وجوده حالة استفهام في قصة قمري؛ العجوز مع طينها-أرضها- الذي هو وجودها، فتنغرس فيه منتظرة شمسا ويدا تقتلعها منه في قصة فجر الطين.
-في كل قصة إطار أو خلفية مبنية عليها؛ لا تشكل قصتها بل أرضيتها تلمح لها بكلمة أو كلمات معدودة جدا. كلمة رعد -انفجار- في قصة قمري؛ كلمتا الحرب-الإرهاب في قصة الباب؛ كلمة تقتلعني في فجر الطين؛ كلمة اليهود في قصة قطاري. علاوة على ذلك، نجد مشتقات لا تتجاوز أصابع اليد: الدمار، الدماء، هدير الطائرة..وعليه، ولئن كانت لا تكتب من فراغ، فعن ماذا تكتب، أي ما هي مادة كتابتها؟ هل تكتب الواقع، واقع حرب مثلا؟ وما معناه في الكتابة القصصية؟
٢-٢ .١- وقفة عابرة في مفهوم الواقع بين الواقع الفني والواقع الواقعي
قلنا: إن المشكل في النعت وليس في المنعوت، في المفهوم (الواقع) وليس في مادة المكتوب (القصة). الواقع، لغة، هو ما يقع، يسقط؛ له صفة الوجوب والثبات؛ بمعنى، أنه كل ما يتم عليه فعل الوقعة فيصبح موجودا كيفما كانت طبيعته. وفي معاجم اللغة العربية: "الحاصل والكائن والقائم، وعلى الاستقبال، لواقع: لحاصل، لكائن"؛ وبمرادفات هي ذاتها متبيانة وذات اشتقاقات دلالية متنوعة: "المادة، الوجود، الحضور، الحقيقة، المحيط، المحقق، المؤكد، المنجز". بينما في الاصطلاح، يشير إلى "ما هو موجود فعلا، ما ليس بفكرة، أو تصور، بل وجود حاضر". إنه كل ما يوجد خارج ذهن الذات، أو حسب القدماء العرب، ما يمت إلى "الأعيان" مقابل "الأذهان"…
أما في الأدب، فيُرجع نسبة إلى مذهب الواقعية حيث تعني تصوير الواقع والتعبير عنه في قالب فني، دونما تحديد له بحيث قد يكون المحيط والموجود في سياق الوجود أو كل ما يقع فيصبح موجودا كيفما كانت طبيعته (واقع اجتماعي، واقع نفسي، واقع سياسي..)
كل ما لا يمت إلى الواقع في هذا الطرح هو بالضرورة غير واقعي؛ تحصيل حاصل ومنطق عبثي، لكن المداخل المضادة له كفيلة بأن ترسم لنا إشكالاته ومناطقه الغامضة التي تنزع عنه فعالية دلالاته. ومن بين هذه المداخل المضادة هي: الخرافي، الخيالي، الأسطوري، المكذوب، المثالي.
القصة الواقعية تتعلق إذن بما يقع، بالكائن، بالحقيقة، بالمحيط، بالوجود، بالمؤكد؛ وهنا جوهر المشكلة: كيف يمكن لها أن تكون كذلك وهي نفسها من خيال. هل قصة فجر الطين أو قطاري أو قمري قصص واقعية تعبر عن محيط أو حقيقة أو شيء كائن ومؤكد. ومامعنى قصة تعبر عن الواقع في قالب فني؟
مما لا ريب فيه، لا يتعلق الأمر بظبط لغوي أو، اصطلاحي لمفهوم الواقع فحسب، وإنما بتبعاته عند توظيفه ومقاربة الكتابة القصصية التي نربطها إياه. فعندما نزعم بأن القصة تعبر عن واقع، مثلا، نفترض مسبقا أن هذا الواقع موجود في حد ذاته بمعزل عن الذات الكاتبة…معطى، مادة، حقيقة… تنتظر من يعبر عنها بأداة فنية لا تغير شيئا من واقعيتها. ونقع في عملية استنساخ أو، محاولة مطابقة القصة له. يظل هو مثلما هو، والقالب الفني الذي نوظفه مجرد تلوينة شكلية. وحتى؛ ولو انسقنا مع فكرة أن القصة تكتب عن أشياء اسمها الواقع، "فالواقع شيء، والحقيقة شيء آخر، واقع الشيء لا يعني حقيقته". لذا، فالواقع أو الواقع الذي يتواجد فيها بشكل أو بآخر، فبركة إبداعية لتجربة حياة وحياة فكرة بقصة قصيرة.
٢-٢.٢. سرديات الوقائع بين الواقع والحقيقة
تركز سرديات الوقائع في قصص القاصة صديقة علي على تحميل لغة القص بالشحن الوجدانية من جهة، وعلى تواشي الكلمات، حيث تشي بما لا تدل عليه في الجملة وسياق متن القصة، من جهة أخرى. مما يعطي لشخصياتها القصصية بعدا حيا، إضافة على أن لها مفعولا في المتخيل، وذات وظيفة حسب كل قصة. ففي قصة قطاري، عجوز وحفيد؛ وقصة فجر الطين، عجوز أيضا لكن مع ابن؛ أما في قصة قمري، فهي بين أم وأب؛ وقصة الباب، بين زوجة وزوجة…وبالمجمع، صورة مصغرة لشخصيات نمطية في الحياة. وإذا كانت في حد ذاتها لها وجود وصفة اجتماعية بالعموم, ففيي القصة تتجاوز صفتها هاته بوظيفة قصصية تخدم قصة كل واحد منها:
-العجوز —-قصة القطار—-الحفيد
-العجوز—- قصة الطين—- الابن
-الأم—-قصة القمر—-الأب
-الزوجة—-قصة الباب—-الزوج
هل هذه القصص تكتب الواقع؟ ثلاتة مفاهيم على الأقل استحوذوا على النقد الادبي في قراءة الكتابة الإبداعية وعلاقتها بالواقع: -المحاكاة mimèsis، وهي تصوير الواقع أو مظهره، كما هو قدر الإمكان، وبعبارة القدماء العرب، تصوير أفكار ما في الأذهان محاكاة لما في الأعيان. -الواقع أو الحقيقة المشابهة vraisemblable، وهي أن الكتابة الإبداعية لاتصور الواقع كما هو، ولكنها تخلق حقيقة مشابهة أو ممكنة في مقاربتها.-الواقع أو المرجع لذاته autoréférence، وهي أن الكتابة الإبداعية تخدم واقعا غير مرتبط بالمحاكاة ولا بالواقع أو الحقيقة المشابهة؛ فالواقع هو ما تنسجه هي داخلها بلغتها التي لا تهتم " ولا تقول شيئا للعالم/الوقع". وعبر المفاهيم الثلاتة، نستنتج أنها لا تعطينا شرحا دقيقا لما يعني الواقع، فهي إما تنكره أو على الأقل لا أهمية له تذكر على اعتبار أنه واقع الكتابة ذاتها التي تنحته بلغتها ومقتضياتها ( المرجع لذاته)، وإما تعتبره كل ما هو خارجي، له وجود مستقل تأتي الكتابة بمحاكاته بواسائلها الفنية (المحاكاة)، وكأن الكاتب لا ينتمي إلى هذا الواقع ولا واقع له فيما يكتب أو دورا له فيه غير التصوير؛ وإما تضعه بين بين، في المنزلتين (الواقع المشابه)، التي هي في الواقع إمكانية الحدوث؛ مما يعني أنها تتجاوزه من كونه واقع فندخل في واقع آخر لا علاقة له به إلا بالافتراض والتخييل وليس بالتصوير. لذا نزعم أن القاصة صديقة علي تكتب الواقع فيما يكتبها؛ والواقع هنا الذي لا يمكن أن نختلف فيه، هو قصصها في إطار القصة القصيرة، قصص حيوات "لشخصيات قصصية"، تعتمد فيها على لغة "الذكاء الوجداني"، بحيث تُدخلك إلى عالمها، تاركا وجودك فيها ومعها؛ لأننا بساطة نقرأ قصة قصيرة وليس بحتا اجتماعياً أو نفسيا أو ما شابه.. ولئن كان حقيقة، أنها في كل قصة تحيل إلى واقعها ( حرب-إرهاب-رعد-طائرة)، فهي إطلاقًا لا تكتب عنهم ولا تجعلهم قصة قصصها، ولكن هي علامات وإشارات عابرة تؤثث مناخ القصص..
٣-مشكل لغة النقد والكتابة القصصية "الواقعية" أو كتابة الواقع
تحدثنا عن الواقع ومفهومه، وتركنا "الواقعية" جانبا عمداً، حتى لا نخلط بينهما. فأن نتكلم عن الواقع، لا يعني حتما الواقع كمفهوم وكما نفهمه. وذلك أن الواقعية، فيما يخصنا، مذهب أدبي له تاريخه وتصوره الذي يحدد به ما يعني له الواقع. وبالرغم من أنها عرفت تغيرات في تاريخها منذ بدايتها من منتصف القرن التاسع عشرة إلى بداية القرن العشرين تقريبا، فإننا مازلنا نقتفي أثرها إلى حد الآن، في واقع كتابة القصة. نقرأ قصة ما، بمنظار قصة موباسان مثلا، ونجعل هذا الأخير مثالا يحتذى به في كتابة القصة القصيرة في القرن الواحد وعشرين. وتلك مفارقة مهولة تبخس حق الكتابة القصصية العربية التي شهدت وتشهد تطورا بالغا. ما هي مخلفات واقعيات الزمن الماضي التي نجترها في زمننا الحالي؟ وكيف؟ يمكن حصر هذه المخلفات في نقطتين: -العلمية. -الإيديولوجية.
تزامن ظهور الواقعية مع بدايات تطور العلوم الإنسانية؛ وجعلت مفهوم العلم بَوْصلة لكل كتابة إبداعية (خصوصا روائية). فكل كتابة يتوجب عليها أن تكون علمية لأبعد حد، بالتصوير الدقيق، والمحايد (سوسيولوجيا، بيولوجيا، تاريخيا…):
-تصوير الواقع والكشف عن أمراض المجتمع —- يصبح الكاتب طبيبا اجتماعيا.
-تصوير الطبائع الإنسانية في الحياة—- يصبح الكاتب عالما اجتماعيا أو نفسانيا
وهذا ما يفسر طول الروايات آنذاك وإغراقها في كتابة الواقع بتفاصيل مملة وتوصيف دقيق في الشخصيات من الناحية النفسية أو المجتمعية؛ غير أنه بتطور العلوم الإنسانية والمجتمع ذاته، لم يعد لها شأن مستحب أو إقبال في الساحة الأدبية؛ إذ أصبح لكل ميدان علمه وعلماؤه (علم الاجتماع وما يدور حوله من علوم فرعية وكذا علم النفس وعلومه الفرعية…وورغم أنها ستأخذ أوجها متعددة بتسميات واتجاهات مختلفة، فإن تصوير الواقع سيظل بوصلتها كمفهوم، يحيل إلى الطريقة في الكتابة - الوصفية المحايدة- أكثر ما يعنيه هو كموضوع لها. لكن الواقعية التي ستأخذ لها مكانة مهمة على الأقل في العالم العربي هي الواقعية الإشتراكية-الإيديولوجية حيث ستصبح الكتابة االأدبية في خدمة الإيديولوجية بكل توجهاتها… ومهمتها تنحصر، قبل كل شيء، في قضايا الصراع الطبقي بين من هم "تحت" ومن هم "فوق" كما يقول الشارع المصري.
ماذا نريد أن نمرر من خلال هذه المسحة الخاطفة؟
-إننا في القرن الواحد وعشرين؛ درجة وعي القاريء بما يحدث ليس في المجتمع بل في العالم كله أصبحت رهيبة، ولا يحتاج من الكتابة أن تصوره له وتطور تكنولوجيا التواصل تعطيه إياه…
كما لا يحتاج من الكاتب أن يكون طبيبا اجتماعياً أو نفسانيا يشخص أمراض المجتمع، فلم تعد المعرفة محصورة في الكتب كما كان سابقا.
-إن الكتابة الإبداعية ملزم عليها أن تساير ركب حركية الحياة بفواجعها ومسراتها وأن تبحث لها عن إبداع يتجاوز صورة الواقع لتكتب حياة ما وراء الصورة…فكم هي الصورة تحولت في عالمنا هذا إلى أداة استلاب وتدجين …
-------
- من قبيل الخاتمة
في قصتها "غاز حر":
"غاز حر، خبز حر، مازوت حر ..رز حر سكر حر كله حر إلا انت لست حرا .."
---------

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى