صديقة علي

مع كل قطعة كنافة ساخنة يصفّها البائع في العلبة،تهطل دموع حارقة من عينيّها ...هذه تمنتها لابنتها الصّغرى، وتلك للكبيرة .. وهذه للوسطى ( يا للحسرة لن يذقنها) قالت في نفسها (مضى وقت طويل وهن يطالبنني بالكنافة ). دموعها حيّرت بائع الحلويات ... ـ مابك ياخالة، إن لم يكن معك ثمنها لا بأس عليك...
يؤلمني أن أقرأ قلقها، بصمتها وارتجاف يديها، لا شك أنها في موقف شديد الصعوبة، ولا تُحسد، عليه عيناها تنطقان بالقهر وبالخذلان: - قليل الذوق أخوك لم يأت بعد، هاتفته... وهو لا يكترث. ويصدف أن يسمعها أبي... فيهمس بشفتين بيضاوين وبوهن شديد: - لا عليك... هذا الولد العاق لا أنتظر منه شيئاً. تمسد يدي...
بذلت جهدا كبيرا، كي أقنع أمي بواجب التعزية في وفاة أبي، صحيح أنني كنت قد قاطعته منذ مدة قصيرة، لكن أصر عمي على حضورنا، فأنا وريث أبي الوحيد. سلّمت أمي لمجلس النساء، تجاهلتها جدتي، و احتضتني بنحيب قائلة: ـ من رائحة المرحوم. رائحة...رائحة أعادتني لصراخهما الذي أرعبني ..جلست في زاوية الغرفة...
“إن تاريخ كل مجتمع موجود إلى يومنا هذا هو تاريخ الصراع الطبقي" كتبت هذا -وكان محور محاضرتي- على اللوح والتفتُّ الى أعين لا أقرا منها إلّا الجمود و عدم الاهتمام ...وكي انتشلهم من سباتهم ...سألت : -من يذكر لي أسباب حتمية الصراع الطبقي ؟ أتاني صوت احد المتندرين : ـأي طبق تقصد ؟ ..طبق القش أم(...
العبرة بالمعالجة القضية متداولة.. الفقر الذي يحني الجباه، ويمزق عرى العلاقات الإنسانية. شانها شأن كافة القضايا التي نتداولها في كتاباتنا. إنما العبرة بالمعالجة. لم يعد في وسعنا ككتاب أن نخترع قضايا غير مطروقة. لكن بوسعنا أن نتفنن في طرق المعالجة. وهذا ما أراه في هذه القصة. تناول الفقر المادي...
تتكدس أضابير المراجعين أمامي، وانا أتامل وجوههم المحتقنة فاغرا فاهي "كالمسطول" ، يصعب عليّ تسيير أمورهم ، وأنا في هذا التشت والقلق. زميلي الفيلسوف يدق بأنامله على المكتب، ولا ألتفت إليه .. صراخهم لا أسمعه وحده صوتها يدوي: ـ طلقني الحياة معك باتت مستحيلة. أي طريق مسدود هذا،لا أنكربأني صرت...
هذا الصباح عصيب، خوف ضمّني أميته في قلبي كاد أن يزعزع خطواتي، وأن يشي بهشاشتي، غير المتناسبة مع حجم مسؤولياتي... مسؤولياتي؟! أضحك بسخرية وأضبط نفسي ما أمكن فما أن اقتربتُ من باب مكتبي؛ حتى ارتديتُ ثياب الوقار، هرول أمامي لم يكن مجرد مدير مكتبي فقط، بل كاتم أسراري والوحيد الذي يحق له دخول مكتبي...
تستقبلني بصقة أمي الحارقة لوجهي: ـ لست ابنتي ولا أعرفك... لكن (انضربي)، ادخلي كي أريح الناس من شرّك. رأيت إخوتي بانتظاري، نظراتهم سيوف مسلّطة على رقبتي أعلم كم يحتقرونني،هم لا يعلمون كم كنت أبغضها. خطفتْ الأبصار والقلوب، وُهبتْ جمالا ليس بأكثر مما وُهبتُ؛ لكنه حال بيني ومن أحب ،وزاد الطين...
بهدوء شديد، تهمس قدماي لأرض صقيله باردة، أقترب من نافذة تعلو سريره، فيطالعني نور فضي، ينسكب على ملامحه المتعبة ببهاء، ينبع من جبينه بسخاء، أنقر الزجاج؛ فتفرّ حزم ضوئية مبهرة من أناملي. ـ هل نمت جيدا يا قمري ...؟ هل ارتحت يا بن قلبي؟ يتقلب بقلق ويمسح عينيه؛ فتتكشف دهشة وخوفاً: ـمن؟ أتقدم بنظراتي...
تغبّ عيناي أحرف اسمه، مكتوبة بخط كوفيّ على لوحة البوابة، يصرّ على هذا في بلد امتصّ ضبابها كل اللغات. أتردد بقرع الجرس. يومها قال: كلما أمعن العمر في التوغل بالمجهول، واشتدت القباحة من حولي؛ شعرت بحاجتي للحديث مع الطيبين البسطاء، فلا أجد غيرها! قلت : لا ترهق نفسك بالشرح فأنا أفهمك. _مضى كل هذا...
لن أستنجدَ بأحد، سيقولون إنّني خرَّفتُ وسيخبرون أولادي، وهؤلاء لن يرحموني من عتابهم القاسي. ابني الكبير، بحجّة عطفه عليّ، سيجد مبرراً لسوْقي معه إلى المدينة، وأنا أمقتُ السكنَ هناك بعيداً عن أرضي وبيتي، بيتي! كيف لي أن أستدِلَّ عليه في هذا الظّلام الدّامس... أستحقُّ ما أنا فيه، ما لي ومواعيد...
لفحتني نسائم الوادي، المحملة بما تردده الجبال من صدى أصوات رفاقي،وهم ينشدون: حني... حني ياكمشة التراب عصدر البطل إللي مفارق الحباب أمي يا أمي قومي طلعي ع الباب وودعي آدم زينة الشباب جلست على صخرة أشيع قريتي، التي اقتلعت منها للتو، وأتأمل بيوتها الغارقة في وادي البؤس، المتكئة على ويلاتها، راح...
متعب جدا باستحضار كلمات أغنية... كانت يوما تملأ الفضاء الفاصل بين نافذتي وشرفة الجيران، مطلعها يلحّ على تلافيف دماغي ويدور في ظلام المكان، افتقاده لنافذة يجعله أشبه بقبر... ليس القبر بمصطلح مناسب لهروبي المؤلم، لأعود إلى الأغنية، انشغالي بها أنساني قدميَّ المتورمتين. ومرت الأيام نعم تذكرتها...
بين عشق المكان حد الذوبان فيه ، وفي تفصيلاته وجزئياته ، وبين حالة الخوف من مجهول يترصده ، تكمن المعادلة الصعبة التي تؤسس لها مرويات الكاتبة والقاصة السورية (صديقة علي) في معظم قصصها ، كاشفة عن حالة الانشطار النفسي التي تسم شخوصها، وتجبرهم على الهروب من اللعنة التي حلت بالمكان ، وتقضي عليهم...
أسبوع صديقة علي النص الأول وعد حال وجهها الحبيب، بيني وبين سعادة مفترضة لعروس بلا فستان زفاف. بعد فقدانها يصبح الحديث عن السعادة ضرب من الخيال، كلها أوهام لأفراح سطحية، لا تلامس العمق، قد تخلقها ضحكة ابنتها، أو لعبة ننجزها معا أنا وابنها، أو كلمة “ماما” تنعش...

هذا الملف

نصوص
47
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى