صديقة علي

مع كل قطعة كنافة ساخنة يصفّها البائع في العلبة،تهطل دموع حارقة من عينيّها ...هذه تمنتها لابنتها الصّغرى، وتلك للكبيرة .. وهذه للوسطى ( يا للحسرة لن يذقنها) قالت في نفسها (مضى وقت طويل وهن يطالبنني بالكنافة). دموعها حيّرت بائع الحلويات ... ـ مابك ياخالة، إن لم يكن معك ثمنها لا بأس عليك...
أشفقت على أمي، وهي تلطم خدّها باكية، كدت أن أبوح لها بالسرّ، لكن شيئا ما منعني. ـ ياويلي إبني راح ...والمرحاض مسدود . ـ تصبري قليلاً ...لا بدّ من حلّ. ـ أيّ حلّ لقد دلقت به كلّ ما عندنا من ماء. تركتني، واتجهت لبيت جارنا،لحقت بها. ..سمعتها تجادله : ـ هي نقلة ماء ياجار ...أجلبها وأعيد لك...
وراءَ جبالِ الزيتونِ، غيوم رماديّة يؤطرُ قممَها شريطٌ ذهبيٌّ ملتهبٌ بلا دخانٍ، وزقزقةُ العصافير تعلنُ عن وجودها وعنْ صباحِ شمسهُ مؤجلةٌ إلى أن تنقشعَ الغيومُ أو تعتليها، وكان البحر يختبئ َبعيدًا عنَّا خلفَ تلالٍ صفراءٍ قد هدَّها العطشُ، وحيدًا كنتُ مع كلبي، الذي راحَ كالبرق يلهثُ قاصدًا حجلةً...
قطاري صديقة علي كان من الصعب على عجوز مثلي أن يجثو على ركبتيه، وبالرغم من ذلك، أذعنت لطلب حفيدي، ورحت أعيد له قطاره إلى السكة، وأصفرّ: - تووووت ..توووت .. وكانت ضحكته البراقة تنسيني وجعي، بل عمري، أدور وأدور مع قطاره حتى كدت أن أحجبه عن ناظريه، وبلحظة توقف القطار فهمس لي معترضا ببراءة -هذا...
يتراءى لي باب السطح الموصد كمارد يصل رأسه للسماء، يسد منافذ النجاة، أصرخ بأعلى صوتي قبل أن يجف حلقي، وما كان لقيدي أن يفك بيد أمي. أسمع نشيجها، همسها، وقع خطواتها المبتعدة، ثم صفعة باب بيتنا التي أخمدت بقلبي بارقة الأمل... كم كنت أمقت ضعفها واستكانتها، وتفطُر قلبي دموعها. الجوع والعطش تملكاني،...
لم تختلفْ اليوم برودةُ أضابيرالمرضى في يديَّ عمّا قبله، تلك الملفات الكرتونية التي تضمُّ أوجاعاً موصوفةً، ومصورةً، مشخصةً أو قيدَ التشخيصِ، ببدايةِ كلِّ مناوبةً أتناول الأضابيرَ لمن تمَّ قبولهم في اليومِ السابقِ، صباحي رتيبٌ بتكرار وبتنوع حالاتهِ، باختلاف الأسماءِ التي لا أكترث بها عادةً، أفنِّد...
اخترتُ زاويةً عاتمة، مع كأسِ عرقٍ، فوجئ النادلُ بطلبي، فهنا أغلبُهم يطلبون الويسكي، لكن بما أن كلّ شيءٍ متاحٌ، لبى لي طلبي وراح يحدجني باستغرابٍ، بل باحتقارٍ. من مكمني لا أميِّزُ لون عينيها، فالإضاءةُ المبهرةُ لا تكشفُ إلّا عن رموشٍ طويلةٍ لم أعهدها بوجهها من قبل. بدت كصرصارين حطَّا على جفنيها،...
كعادة هاتفي لا يتوقف عن الرنين قبيل الإفطار وأنا منهك -ابنتك تشتهي كنافة ساخنة -حاضر ياسيدتي وماذا بعد؟ - نسيت أن أخبرك بأنني أعدت لكم حساء شهيا اتفضل العصير مع بعض حبات التمر أم يكفي اللبن؟ -نعم أنا قادم لا تطيلي الحديث في البيت نتكلم - دائما أنت عصبي المزاج فكيف وأنت صائم! لا تسمح لي...
*(وسلالٌ منَ الورِد، ألمحُها بينَ إغفاءةٍ وإفاقه وعلى كلِّ باقةٍ اسمُ حامِلِها في بِطاقه *** تَتَحدثُ لي الزَهراتُ الجميلهْ أنَّ أَعيُنَها اتَّسَعَتْ - دهشةً - لحظةَ القَطْف، لحظةَ القَصْف، لحظة إعدامها في الخميلهْ!) باقة وردٍ دون رائحة، أرمقها في غرفةٍ بيضاءَ وأنا على سريرِ المشفى، ونظراتٍ...
عندما يتكلم النص بصرف النظر عمّا أراده مبدعه، فذلك هو الإبداع الصرف النقي، وهو إبداع ينسب لصاحبه شئنا أم أبينا، وخير دليل لما اقوله هو هذا النص الذي بين أيدينا ( حمل ثقيل )، لا يملك عقل القارئ إلا استحضار خلفية البدء..بدء الخليقة والخليفة على الأرض التي نحيا عليها، قصة آدم عليه السلام وأمنا حواء...
وقفَ المصارعُ مشدوهًا، في خضمِّ ضجيجِ هرجٍ ومرجٍ، فتحَ فمه، وعينيه على مداهِما الأوسع، ورأسهُ للأعلى كبطيخةٍ صفراء تكادُ تسقطـُ من على كتفيهِ، بدأَ الضجيجُ يتخامدُ، ثلةٌ من السجناءِ انتبهوا لدهشتهِ فتتبعوا دربَ نظراتهِ إلى أن تسمَّرت عيونهم في نافذةِ ضيقة تشقُّ العتمةَ. صرخَ الملقبُ بالناعمِ...
اخترتُ زاويةً عاتمة، مع كأسِ عرقٍ، فوجئ النادلُ بطلبي، فهنا أغلبُهم يطلبون الويسكي، لكن بما أن كلّ شيءٍ متاحٌ، لبى لي طلبي وراح يحدجني باستغرابٍ، بل باحتقارٍ. من مكمني لا أميِّزُ لون عينيها، فالإضاءةُ المبهرةُ لا تكشفُ إلّا عن رموشٍ طويلةٍ لم أعهدها بوجهها من قبل. بدت كصرصارين حطَّا على جفنيها،...
يجرّبُ الفراغَ، وقد أصبحت ذاكرتُه صفحةً بيضاء . يلاحظ ُ أنّهُ يعنيْ الكثيرَ لعائلتِهِ لكنّهم غرباءُ عنْ ذاكرةٍ يتسابقونَ لإنعاشهِا فتصدُّ أبوابَها بوجهِ محاولاتِهم ...هُمْ يستبسلونَ في إثباتِ وجودِهم فِيها وهي تئِنُّ من وطأةِ خواءٍ لا يتسعُ لَهمْ . دَعَوْهُ إلى وليمةِ حُبٍّ وصورٍ ..فرشَوا...
بذلت جهدا كبيرا، كي أقنع أمي بواجب التعزية في وفاة أبي، صحيح أنني كنت قد قاطعته منذ مدة قصيرة، لكن أصر عمي على حضورنا، فأنا وريث أبي الوحيد. سلّمت أمي لمجلس النساء، تجاهلتها جدتي، و احتضتني بنحيب قائلة: ـ من رائحة المرحوم. رائحة…رائحة أعادتني لصراخهما الذي أرعبني ..جلست في زاوية الغرفة ..أرقب...
أشدّ ما يؤلمني، تلك النظرة المحمّلة بالأسى والخيبة في عيني والدي، وإطراقة رأسه الذليلة التي يعود فيها لليوم الثالث على التوالي، حاملاً (غالونات) بلاستيكية فارغة كان قد خرج فيها منذ الصباح، وكلّه أمل أنّ اليوم سيكون مختلفا عمّا سبقه، صوت أمّي المواسي له مدية تنغرز في قلبي، - لا حاجة لنا للمازوت...

هذا الملف

نصوص
49
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى