صديقة علي - وعد..

حال وجهها الحبيب، بيني وبين سعادة مفترضة لعروس بلا فستان زفاف.
بعد فقدانها يصبح الحديث عن السعادة ضرب من الخيال، كلها أوهام لأفراح سطحية، لا تلامس العمق، قد تخلقها ضحكة ابنتها، أو لعبة ننجزها معا أنا وابنها، أو كلمة “ماما” تنعش قلبي، بل تحرك أوجاع الحزن.
ـأوصيك بالولدين وأبيهما …هو رجل، لا كل الرجال، وأنت تعلمين كم وقف معنا، وكم تحمل لأجلنا.
- ستعيشين… وستفرحين بأولادك، وهم يكبرون… وتتمتعين بالحياة …
-لا تواسي محتضرا… لا تقاطعيني … تذكري هو لا يحب الأكل البائت … لا يحب أن نشغل التلفاز وقت الطعام، يحب أن … أن أجلس مقابله له على المائدة، لا يبدأ بالطعام قبل أن أجلس … لا تنظفي الأطباق قبل موعد الشاي،
يحب أن ينظفها بنفسه … ثيابه … آه كيف سأشرح لك عن ثيابه؟
دموعها تغور في الوسادة، ودموعي المكبوتة تسقي قلبي الطافح بالألم، وحزن أمي لا يحيط به كلم!
-هم يحبونكِ جدا لا تتركيهم ..عديني.
-أعدك
ـوإن تزوجت …؟
ـ لن أتزوج، ثم أنت ترين طابور العرسان … ما أطوله ! . قلت ممازحة، عسى أن تنبثق من شفتيها ابتسامة تلين كل هذا العذاب.
ردت بصوت واهن، وبابتسامة ملائكية واهية:
كله قسمة ونصيب… عندما يكبران، أخبريهما كم كنت أحبهما، ولا أرغمهما على شرب الحليب.
أشعرني بإن اصراري على التواجد الدائم مع الأطفال هو الجنون بعينه، “فالمجتمع لا يرحم”
- حتى بوجود أمي معنا …؟
- حتى بوجودها قال، مطرقا رأسه في الأرض، يخفي دموعه العالقة.
_لن نسلم من ألسنة الناس .قالت أمي .
وسمعتها تهمس له : لا أستطيع البقاء هنا أكثر … كما لا أستطيع حرمان الولدين منك … الحل الوحيد أن تتزوجا.
جاءني مقهورا، مرتبكا، كمن يداري جريمة:
_ما رأيك؟
ـ هذا لا يمكن بل شبه مستحيل … أختي حاضرة بكل شيء هنا وفيك، ثم كيف تنسى كم كنت أخي بل أبي؟ .
لم أكن أشعر باليتم بوجوده، كان يغمرنا بكرمه وعطفه … اللامحدود، لوقت قريب كنت كابنته التي تحكي له عن كل همومها. فكيف ستتبدل الصورة …؟
ـ لا أخفيكِ سرا، هذا ما أشعر به … لم تكوني يوما سوى شقيقتي الصغرى، ولشدة محبة أختك ورعايتها لك؛ كنت أشعر بالمسؤولية التامة عنك … لكن الوعد أنسيته؟ من سيحنّ عليهما مثلك؟.
-دعني هنا واذهب لحالك … تزوج، هذا من حقك …. وسأبقى طوال العمر أماً لهما.
ـ لا ينفع …صدقيني لا ينفع، قالها بأسى وذهب يحتضن طفلته الباكية لانشغالنا عنها.ونظراته تنبئ عن صراع رهيب يدور في داخله.
كل يوم يمرّ، مع فرح الطفلين بي، يؤكد رضوخي للحلّ الوحيد … إلى أن تمّ الزفاف بأجواء جنائزية.
وكانت أمّي، بالرغم من مرضها، حريصة على أن تتحمل أعباء الطفلين، بعيدا عنا ، إلى أن يمضي ما يسمى بشهر العسل… ومضى الأسبوع الأول، بعواصف مجنونة من البكاء المرير… يحتضني من أصبح زوجي بخطأ قدري، لكن حضنه دائما ينسى أن يخلع رداء الأخوة.
ـ ما رأيك أن نلجأ للطبيب؟
ـوما قدرته …؟ أويستطيع أن يبدل عيني كي أراك فيهما غير أخي؟، هل هو قادرعلى إزالة رائحتها منك ؟أو على محو شريط صورها في كل ركن من ذاكرتي… ومن بيتها .
يقطع نحيبي صوتُ أمي القلق على الهاتف:
-ها… ماذا حدث؟ طمئنيني؟
ـ لا تطمئني … وجه ابنتك حاضرا أبدا … لم ترحل… أفهمت؟! واقتراحك لن ينجح…لن ينجح.
ـ الأيام كفيلة بأن تحلّه لك.
ـلن تحلّ الأيام أمرا عصيا على النفس … ابحثي له عن زوجة ثالثة، وأعيدي لي ولديّ … أتوق بشدة لهما.

صديقة علي١١ أكتوبر ٢٠٢١
..............

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى